الفصل  السادس


غسان حيدرة الخولي 


 في الصباح  من يوم  الجمعة 13 فبراير ، ورغم  إشراق  قرن  يلمع  بأشعة  الشمس  المتلصصة  من جيوب  الغيمة  الشهباء  

الطافحة   بنبوءات  جوية  غير متوافقة  وتذهب في شتى السبل  في مفارقة لافتة للنظر  ،

كان الثلج  ما يفتأ  في عناد وتحد  لذلك الإشراق  يلقي بأثباجه  وينشر ليقاته  القطنية  وندفه  في  الفضاء الموشك  على الإطباق  مثل أسراب الجراد  المهاجمة  الهائلة ، وينوء  بأوساقه  المثقلة  جاثما  بعنف  الوحش  المفترس  وشغف الحبيب  المعنّى  على سطوح البنايات  من  العمارات  والمحلات  والفيلات  وشرفاتها ، ويملأ بسخاء  البراكين  المندلعة  وغضبها الأرعن  كل  حوض وحفرة  ويفيض  الزبد  من أشداقه فوق  كل مزهرية وغصن وزينة  ويعلو أكاليل  بيضاء ناصعة  فوق أغصان  الأشجار وأوراقها  ويفرش  سمت الطريق  الذي ترى  فيه بعض  آثار أقدام  بشر أو كلاب  غائرة  آخذة  في  الامتلاء  من جديد ، ويتطاول  لسانه  الناصع  إلى الأرصفة  ليلحس  أساسات  البنايات  ويعانقها  ويسدل  كالأم  الحانية الرؤوم  على أبنائها الغافين  السعداء  ملاءاته  البيض السميكة الناعمة  

على السيارات المركونة   المصفوفة  في الشارع على الجانبين ويحكم سيطرته  عليها  فما ترى لها بابا  أو زجاجا ،

وتبدو المركبات  كما لو  كانت وسائد  مختبئة  تحت تلك الملاءة العملاقة  العظيمة  التي تغمرها  جميعا ، ولم يقترب  أحد من أصحاب المركبات  الغارقة  في سباتها  لإزاحة  الملاءة  عنها  وإيقاظها  من سباتها  الجميل العميق .

لحسن  حظ الجميع ، اليوم  يوم عطلة  ولا أحد  يحتاج  لآخر..

 

ليل الشتاء طويل ، لذلك  لم تستطع  انت يا أيوب  الصابوري أن تعود  إلى الفراش  بعد القيام التعبدي في ناشئة الليل ، وبعد صلاة الصبح ،

ونهضت  طاووس  الحنان  كعادتها  في حبور  وخفة

 تسعى  في إعداد  الفطور  وترتبه  على المائدة  رغم الداء  المعرقل  للنفس  الوثابة ،


وهي  تلقي  من حين لآخر  بنظراتها  المتسعة  من النوافذ  على بساط الثلج  في الخارج  وتصدر تأوهات  الإعجاب ولابتهاج  بهذه المناظر  التي  عزت  في السنوات الأخيرة  وشحت بها علينا الطبيعة  الآخذة في ميلها  وتحولاتها المتباطئة  الكبرى  نحو التطرف  في التساقط  المحدث للفيضانات   والطوفان وزحف  الموج العاتي  على المدن  الساحلية  أو المسبب للجفاف  والقحط  وارتفاع درجات الحرارة  وذوبان  ثلوج بعض  الممرات  من بحار القطب  وما يسببه ذلك  من عسر وصعاب لحياة الفقم  والدببة  وأسراب شيوخ  الخليج  المنتفخي البطون  المترجرجة/ البطاريق .

وما كدتما  تنتهيان  أنتما الإثنان  من تناول فطوركما  وتتجرعان  الأدوية الموصوفة  للأمراض  الأبدية المريرة ؛ أنت  تحارب داء  المصران  الغليظ  المكابر ، فيما  طاووس الحنان تكافح  باستماتة  داء السكري العنيد  ،

وما  كادت  المرأة الصامدة  تنهض  حتى طرق  طارق  من غير ميعاد  باب بيتك  في هذا الصباح الجميل  بالنسبة إليك  وانت  تقف لترى  آثاره الناعمة من وراء زجاج  نافذتك ، فيما المدفأة  من هناك في البهو  تلقي  إليك بأم فؤادها  دفئا

فلا تشعر  إلا بالحبور  المبهم  والبهجة  الباسمة  والجمال الموحي  بالحركة والحيوية  والتحول  والسكينة المحيطة الشاملة ..

مع ما في هذا من مشاعر وأحاسيس متناقضة.. صاحت أم الرضوان  وهي  تفتح  الباب  مبتهجة:

ـ هذا ابني باديس  يا أبا الرضوان .. وا لهف  كبدي ،  ويا  حر فؤادي .. كيف جئت  في هذه  الساعة الباكرة  التي يتهاطل فيها  هذا الخير الذي  حبانا به  الله.. الثلج..
 كان الفتى  يرتدي  معطفا بقلنسوة  محفوفة بوبر  رمادي  ثخين  يتهدل  على  جبينه  ولا يكاد  يظهر من عينيه  السائلتين بدمع  البرد  وقد فسد الكحل  الذي  اعتاد ان يكتحل  به تقليدا  لمشايخه الخليجيين أصحاب المنابر التلفزية  ، وأرنبة أنفه  المحمرة  وشفتيه  المزرقتين ..


حيا  العجوز طاووس  الحنان  التي أمسى  يدعوها خالتي

 متعمدا  حتى يقطع  إلى الأبد  تلك الصلة  اللبنية  الوطيدة  التي تكونت في صباه  وتمتد  عروق  هذا الحنان  كاللحمة والسدى  في تلافيف مخها  وفي أحضان هذا البيت  نشأ ابنا كامل الحقوق  والواجبات  ،

وكان  يومئذ في طور  منشئه يناديها  أمة  وكعادتها  التي لا تريد  ان تشفى منها

بدا لها نداء خالتي  هذا  نداء خشنا  فظا  ومفتعلا وغير  أصيل ، فكلمة "أمة"  رغم  أنها غير دقيقة  تماما في حالته  إلا انها  أكثر عفوية  ودفئا  وأصالة  وعاطفية ..

ـ لا أقبل  منك سوى أن تناديني  أمّة حنان ..
طبع قبلاته  السريعة  على وجه  خالته  الذاوي  المحتجة على ندائه  لها بالخالة ، وهو يزيح قلنسوته  المكسوة بليقات الثلج  الكثيفة  وندفه اللامعة  من فروة رأسه  التي كانت مشعثة  رغم نعومة شعره المرسل  المتهدل فوق إذنيه .. وظهر الآن عارضا  لحييه الناميين  بغزارة  وقد أشبعهما هما ترجيلا  وتطييبا  وتسوية ، ثم  سعى إليك  يا أبا الرضوان  ليحييك . كان ريح المسك  الخاثر  رغم الثلج  ينفث من أعطافه  كعطر الحنوط ..

 الحنوط

أنت تكره  ريح المسك  وتراه عطرا  لا يصلح إلا للأموت

وانت  لا تبيعه  في مكتبتك إلا  مضطرا  مشمئزا  وعن كره .

ورغم ذلك  تضطر  لقبوله كهدية  حين يمرر  عليك في صفوف  المسجد  يوم الجمعة..

فمن الهدايا  التي لا ترد  العطر  ولو كان مسكا  بعبقه النافذ  إلى تلافيف الدماغ..

باديس أقبل عليك  إذن يهوي إليك بقامته  مقبّلا  وهو يردد :

كيف حالك عمي  أيوب.."

وأنت على العكس  من طاووس الحنان  لا يعنيك  النداء  بعبارة أبي  ولا تريدها أصلا ، وقد وطنت  نفسك  على ملفوظة عمي  التي صارت  مألوفة  تماما  من زمان لديك ..


النساء دوما هن  أكثر عاطفية  ويعقدن الأمور  والمواقف العاطفية  ويتشبثن  بما لا يجدي ،


لذلك قالت طاووس  الحنان محتجة  على ابن  قريبتها  جهيدة  وهي تقدم له مقعدا  قريبا من المدفأة:

ـ  لماذا تصر  كل هذا الإصرار  على ألا  تناديني  أمة حنان يا باديس يا ابني؟..

فقال بجفاء  وجفاف ، وقد صار يتحدث  بحديث  الفقهاء  على طريقة أصحابه المتزمتين  المتمسكين  بالشكليات  من الدين ،  المدعين  فهم  أصول الدين  وإقبالهم على التطبيق  الحرفي لنصوصه:


ـ  وماذا أفعل بقوله تعالى الذي يأمرنا :" ادعوهم لآبائهم .."  لي أم واحدة هي التي هناك في حي  فم القطوط .. طاعة الله وتقواه  أولى من طاعة  أهواء العباد .. أتمنى  خالتي طاووس  أن تناديني  باسمي المدون  في جواز سفري  " غسان"  انا غسان  حيدرة الخولي .. وإن ديني  في بلدي سوريا يناديني .

حقا  أنا أحوز الجنسية الجزائرية  بالمولد والإقامة  والميلاد من أم جزائرية ، لكني أشعر  أن انتمائي  إلى سوريا  موطن والدي أعمق وأسبق..

 

يتبع
أبو العباس برحايل 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 75 مشاهدة
نشرت فى 2 ديسمبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,949