وانتبهت  يا أيوب الصابوري ، وأنت تقرأ  تهديد  شلمون  للهدهد  في هذه  الكراسة التي ألفها  صديقك  حيدرة  الخولي إلى  التهديد الذي  ألقاه عليك  الخنزير  منذ ساعة ؛ وبمحضر  تماضر ابنة المرحوم  برهوم  ، وتساءلت أنت يا أيوب  عن الصفة التي  جعلت  التهديدين يرتبطان بيومين . وسرحت  بك أجنحة  الخواطر  بعيدا عن  مزامير  الأستاذ حيدرة  تستعرض علاقتك  بالعفر  لم يقطعها غير  زبون  يبدو من مظهره أنه درويش  ، فهو يضع طربوشا  أحمر متسخا  ويغطي  جبينه  مُلامسا حاجبيه  الكثيفين  ، بلحية  مشذبة بعناية  مثل لحى  مناضلي  حركة النهضة التونسية

 ويتشح  بإزار  أصفر  يسقط  من كاهله

إزار  لا يخفي  ملابس  عصرية  عادية  وإن   فقدت بهاءها  وبريقها ،

ويتوكأ على عصا غليظة .

كان ضامر  الصدر  من جهة القلب  منكمشا  ، لذلك  فهو  يميل بكليته  نحو اليسار ، وتنتفخ في ظهره  حدبة  لم يستطع إخفاءها .. صاح وهو يدخل  صيحة  من وجد بيضة النعامة في مكان غير متوقع :

ـ  أخيرا وجدتك.. أحقا هذه  مكتبة  العلامة  أيوب الصابوري  الشهيرة؟..

ادعى أنه  جاء  من بلاد  الجريد في تونس ، وسمع هناك  بغنى مكتبتك  وتوفر الكتب النادرة بها ، فضرب إليك أكباد الإبل ، وهو يسأل  بلهفة عن  كتاب ألفه   جني مسلم  من بلاد اليمن  يقال له  قمر الرجال

والكتاب  مشهور بعنوان   " الأسمار في الأسفار  حتى في وضح النهار .."

 كان الكتاب كتوفرا فعلا في مكتبتك 

، و كاد الدرويش  الأحدب  يخرج  من ثيابه  فرحا  بالكتاب وهو يراه،

وكان كتابا أصفر  ضخما  مجلدا  مطبوعا  في مطابع الأستانة  سنة 1234 للهجرة  وهو كتاب  يزخر بأشعار  زجل ركيكة ويمتلئ أسجاعا مشوبة  بالعامية  ورسوما  مسمارية  وهيروغريفية  من المستحيل  أن  يفكها غير المختصين ،

فماذا  سيفعل  به  هذا الدرويش  من ذوي الحاجات الخاصة  الذي  يبدو  بحدبته قميئا  حقيرا  في مظهره  متواضعا في علمه..

قدمت أنت له  كرسيا  خشبيا  قديما  قدم هذا المحل  ليتصفح  الكتاب الضخم  وهو مستريح ، وطلبت له من بائع الشاي  المتجول الذي اتخذ الشجرة الخضراء  مقاما  مؤقتا ، شايا  بالنعناع

 مادام  قد جاءك  من بلاد بعيدة  وقصد مكتبتك قصدا  على وجه التخصيص ؛ فأقل إكرام لمثل هذا الضيف أن تقدم له  كوب شاي منعنع..

طاب الشاي  للرجل القزم   فسوى  طربوشه المتقذر  الملطخ  بشحوم  العرق  والأدران ، وراح يتصفح  الكتاب  في اغتباط  ودهشة ،

ثم استرسل  في الحديث  بلسان متفاصح  وهو يرتشف  الشاي  مستمتعا  في اشتهاء؛ يشرح  لك مساعيه  في البحث  عن هذا المؤلف " الثمين"

والذي ألفه  جني  يمني  عاش   كما يزعم  في عهد الملكة  بلقيس

 وهو العفريت  الذي  أحضر  عرش بلقيس  لسيدنا سليمان في لمحة برق  قبل أن ترتد إلى شلمون  غمزة عينه ..، وقد امتد العمر  بالجني الخارق  وعاش  حتى  عصر  التنزيل  للرسالة المحمدية  الخاتمة ،

 وقد استمع هو مع نفر  من الجن  في ناشئة الليل  للرسول  الأكرم ، وقال مع  القائلين :

" إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد.."

وأخيرا دفع المبلغ  من غير مساومة  كبيرة ، شاكرا على الشاي  اللذيذ  وعلى الاستضافة ..  وخرج مبتهجا  بغنيمته  يدفع عصاه  أمامه  ليتجه  نحو عربة  جديدة  لماعة  مركونة  بعيدا  عن باب  مكتبتك ، والتي  لم تكن  تناسب  مظهره المشوه  التافه ،

وكانت لوحة  ترقيم  السيارة  تشير فعلا  إلى أنها  سيارة  تونسية ،

فيما أقبل عليه الفتيان  يطلبون إتاوة توقف العربة  في المركن قبل أن  يقلع..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 111 مشاهدة
نشرت فى 9 سبتمبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,950