جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
أراد سلال ـ رجل الإدارة المسكين الذي لا يفهم لا الرياضيات ولا الشعر ـ أن يتودد للرياضيات ، فلم يجد من سبيل غير أن يهجو الشعر.. موحيا لمستمعيه أن مدرستنا الجزائرية تنحصر رسالتها حاليا في تدريس الشعر.. هل هذا صحيح؟.. طبعا لا، والامر لا يعني سوى شيء واحد ، وهو أن الوزير الاول جاهل جهلا مركبا ومضاعفا ، وإلا لعلم أن مدرستنا الجزائرية لا تدرس شيئا بطريقة مهنية متينة ومفيدة ؛ لا تدرس الشعر كما قال ولا اللغة الفصحى التي تؤدي إلى تدريس الشعر وتذوقه ، ولا يتوفر مدرسون ليدرسوا اللغة ولا الشعر كما لا يوجد مدرسون للرياضيات سواء بسواء.. أنظر لخريجي مدارسنا على جميع المستويات إن كانوا يستطيعون أن يعبروا بجمل عربية صحيحة عن أي فكرة من الأفكار مهما كانت بسيطة وساذجة دون أن يستعينوا بلغة الكريول المضطربة اضطراب عقولهم بجملة واحدة ..أقول لو كانت مدرستنا تدرّس الشعر كما زعم سلال لدرّست الرياضيات ، ولكن ولأنها لا تدرس الشعر؛ لن تدرّس الرياضيات أيضا ؛ ذلك أن
الأنساق الفكرية واحدة في "الشعر ؛ اللغة وفي الرياضيات.. ونسق الدقة، والوضوح ، والتجريد ، والخيال نسق مشترك بين الشعر والرياضيات .. من يفهم الشعر بعمق هو وحده القادر على فهم الرياضيات ، والعلاقة جدلية..
إن من يتصفح مناهجنا في جميع المستويات وفي جميع المواد المعرفية سيبكي بالدم لا بالدمع لما يعتور تلك المناهج من فوضى وارتباك ناتج عن تلك اللجان المؤلفة لتسطير تلك المناهج ، وهي لجان تفتقد للكفاءة وتفتقد لوضوح الرؤية ..
وقراءة عجلى لمناهج التعليم الابتدائي تعطيك صورة حالكة عن مستوى تلك اللجان التي راكمت تلك المناهج مراكمة بلغة غامضة لا تكاد تفهم وبرؤى متداخلة .. ولا يتعلق الأمر باللغة ـ الشعر الذي لا وجود له تقريبا في التعليم الابتدائي ، لأن قصور تلك اللجان في الشعر وسوء فهمها له ،لم تجد سوى إبعاده.ـ ولا بالرياضيات بل في كل المواد التعليمية ..
وإذا كانت المناهج بذلك النحو من التعقد ومن الغموض الذي لا يسمح لأمهر المعلمين بفهم المراد منه ، وبما يراد للمتعلمين فإن المعضلة عظيمة ، والحاجة العاجلة التي لا يعلمها سلال بالتأكيد ؛ أن المطلوب الأول والمستعجل هو القيام بإعادة صياغة مناهج حقيقية بعيدا عن التلفيق والتعالم الذي أضاع المعالم وترك المدرسين يتخبطون فيما لا يعلمون.. وأن يتم تسطير تلك المناهج من قبل رجال متواضعين لا يقولون إلا ما يفهمون ، ويضمنون أن يكون حديثهم مفهوما من قبل المدرسين ، فمنهج غامض غير مفهوم منهج يؤدي إلى تعليم وخيم سقيم..
إن التهجم على الشعر ومن ورائه اللغة باعتباره هو ملمح مدرستنا شيء يبعث على الاسى والسخرية السوداء معا ، لأن مدرستنا الجزائرية لا تعلم لا الشعر أصلا ، ولا هي تحسن تعليمه ولا هي تعلم اللغة ولا هي تحسن تعليمها وإلا ما خرّجت ركاما عجبا من البشر لا يحسنون التكلم بأي لغة ، ويكفي أن سلالا وهو خريج هذه المدرسة لا يكاد يحسن تركيب جملة عربية سليمة ، ولا يستطيع الاسترسال في حديثه إلا من خلال الاستعانة بعكازات من لغة المستعمر الغاشم ؛ لغة الكولون والأقدام السوداء الذين كنا عبيدا لديهم فنحن ما زلنا نحنّ ّ لعباراتهم.. وإن كل مستعمل لتلك العبارات من بوتفليقة حتى سلال هو مجرد عبد يرى في الأقدام السوداء مثله الأعلى في الحكم..
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإن تفكيك منظومة الاقتصاد التي كانت تعتمد الصناعة جعلت الخريجين في شعب الرياضيات والعلوم لا يجدون مناصب الشغل التي قطعوا مسار حياة دراسية كاملة من أجل الوصول إليها ووجدوا أنفسهم ينشطون في كل شيء ما عدا في الاختصاص الذي وهبوا له أعمارهم.. فمن يذهب ليدرس الرياضيات ثم يجد نفسه في الأسواق الشعبية يبيع الأحذية والأخفاف والسخافات المستوردة من آسيا؟..
تدريس الرياضيات في المدرسة الأساسية كان ناجحا على جميع المستويات بدءا من المنهاج إلى الكتاب المدرسي ، لكن الديماغوجية السياسية التي أوصلت شلة بوتفليقة إلى الحكم عاثت فسادا في التربية من خلال لجنة بن زاغو المشؤومة ، وأول خلل جهنمي كان بمثابة مسمار في نعش الرياضيات هو تلك الفكرة العجيبة التي أدخلوها على المدرسة الجزائرية بدءا من السنة الأولى والتي أسموها زورا وبهتانا بتدريس الرياضيات والعلوم من خلال المصطلحات العالمية وصار المتعلم في المدرسة الجزائرية من السنة الاولى لا يستطيع أن يعين شكلا هندسيا بسيطا كالمربع والمثلث إلا بالحروف اللاتينية ، ودخل نسق كتابة الرياضيات وفق النسق اللاتيني ، ووجد الطفل الجزائري نفسه ضحية بين اتجاهين في الكتابة عجيبين ، ووجد نفسه في ارتباك شديد، لذلك كره الرياضيات ولم يستوعب معنى الفكر الرياضي من السنة الاولى الابتدائية
نعم يا أيها الوزير الاول في الجزائر ، إن المدرسة الجزائرية في حاجة إلى إصلاح عميق ، لكنه إصلاح يقوم به الوطنيون المخلصون لجهود رجال التربية الجزائريين في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي بعيدا عن شلة سيدك التي أوهت اللغة العربية وأوهنت التعليم كله وأضاعت الجدوى من التعليم ..وأول إصلاح ينطلق، لا مندوحة من ان ينطلق بتسريح بوتفليقة ونبذ شلته الفاسدة المفسدة لكل مجالات الحياة الوطنية.
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش