11

وإذ كنت مرعوبا  من الصوت  المفخم  لشبح  الحيوان  المتوحش  المقتحم ، توارى  الشبح  عن الأنظار  دون أن  يمكنك  من الاستفاقة  من هول الرعب  لاستفهامه  عما يعني  من تهديد  صريح ، وحينئذ  بسملت وحوقلت  وتشهدت ، فقالت تماضر  الأرملة المدرسة  المتقاعدة  الملفوفة  في السواد ، بعد ان  تخلت عن التحديق  في الصورة  وراحت تتفحص  محتويات الكتاب  وتقلب صفحاته  بأصابع في قفاز  من حرير أسود لامع

ـ هل حدث شيء  يا سيدي الشيخ؟..

فأشرت بوجل  ورعب إلى الصورة  التي  على غلاف الكتاب ، فتحركت صورة  العفر من جديد  وتململت ، وهمت ان تنتأ منفلتة من الغلاف ثانية .. كما فعلت في المرة السابقة ، وارتعش النور من جديد ..وعندئذ القت المراة بالكتاب  أو تركته  يسقط  من بين يديها  مرتاعة  فيما  صرخت البنت  الصغيرة  المتحجبة  رغم أنف الطفولة  وقد التصقت التصاقا  بجدتها  ناشبة أظافر يديها  كلتيهما  في الجلباب  المتهدل  كأنها تحتمي  من شر مستطير  يتهددها  ويريد ان يبطش بها  او يمسك بتلابيبها ، واستعاذت  تماضر  المدرسة بدورها  بالله من الشيطان الرجيم  عدة مرات ، وهي  تستقبل  الصبية الفزعة  وتضمها  إليها  باسطة عليها  حماية الأمومة  في فطرتها ولدنيتها .. مرت لحظات  كالدهر قبل ان تنجلي الغمة . بسطت إثرها  يدك  إلى الكتاب ترفعه  من وجه البلاط  المغبر . كانت صورة  وجه العفر المورد  قد تعفرت  بذلك الغبار ؛ نفضت  الغبار عن الكتاب ، ومددت يدك  به إلى  المدرسة المتقاعدة ..


خيل إليك أنها مسكت بالكتاب ، لكن تماضر ، وفي لحظة  كانت  تلاشت  ولم يعد أحد امامك ، هل غادرت دون أن تنتبه  إلى ذلك  وكيف حدث؟..

كل ذلك تم في غبش انطفاء النور  في وضح النهار .. هل هي نوبة صرع  لا إرادية  ولا واعية  فقدت خلالها  قدراتك العقلية  وتخيلت ما تخيلت؟.. لكن لا عهد لك  بالصرع .. كيف حدث ذلك إذن؟..

تدفق النور من جديد  كما يتدفق الدم  إلى شرايين القلب  وتلافيف المخ .

ارتحت لذهاب تماضر  خشية أن يمتد  حديثها لمضمون  الكتاب  الذي لا علم لك به ، وإن لم ترتح  للطريقة التي انصرفت بها . وجدت فوق المحسب  قطعة  الخمسين دينار  المعدنية الصفراء  تلمع في عينيك .. مادهاها؟.. ثمن الكتاب 500دينار ؟.. وكانت منذ قليل تساوم  دون ان  تفصح لها انت  عن ثمن البيع النهائي..لن تفعلها .. ولسوف تعود ، في الأمر سر؟.. مهما  كانت عقليتها  الصريحة جدا  إلى حد الوقاحة  لا تعجبك  فإن  صديقك برهوم  لا يمكن  ان ينجب  خطافة نشالة  أو يربي محتالة , وهي بعد مدرسة  متقاعدة..لقد جاءتك ذات مساء  في هذه المكتبة  عقب خطبتك  لصديقتها  طاووس الحنان ، وانت تتهيأ  لتسدل  الستار  الزنكي  على الواجهة ، قالت لك  من غير اعتبار للمارة  كلمات  قاسية  مؤثرة  لم تستطع ان تنساها  قط . قالت بجدية  وبصراحتها المعهودة  فيما يشبه خطبة  أعدتها سلفا :

ـ  أيوب الضبيعي.. دع  ستارك الزنكي  لحظة ، وأعر لي  أذنيك كلتيهما  كي أحشوهما  لك بكلمات  لا ينبغي ان تنساها ..

وتوقفت انت  طائعا  لأمرها  عن سحب  الستار من أعلى  لتصغى لخطابها مشدوها:

ـ اعلم ْ أنك كسرت  بخاطر والدي  حين سقته  ليخطب لك  غيري .. لقد سألني  إن كنت اميل  لأحد من الشبان ، لأن الفتيان  بداوا  يطرقون  باب بيتنا  بجد يخطبونني . وهو لا يريد أن يزوجني  إلا  وفق  رغبتي  للفتى الذي أريد ،فقلت له بأني أميل  إلى صاحبك  الكتبي  الذي في  عين  الضوء ، فلم يخف بهجته  لحسن  اختياري ، لكنه  بعد ايام  جاء مكسور  الخاطر  يطلب مني  أن أصرف  نظري عن مطمحي نهائيا  فيك ، وان اختار  فتى آخر  غير فتى  عين الضوء .. تنهد والدي  وهمس في أذني :

ـ تماضر ..انسي  كتبي عين الضوء ..إنه قد قلاك .. وهو يتطلع  لصديقتك  طاووس الحنان ، بل  وقد كنت أنا الخاطب  له بلسانه .."هي صديقتي  وستظل  كذلك ، ولكنك انت  بالتأكيد  لست رجلا  كاملا ، لقد  أعرضت  بدناءة  عن اللبوءة  التي تقف بكفاءة  أمامك  لتنحاز  إلى  نعجة تنهشها  او بقرة تحلب  ضرعها  والأيام بيننا....."

وغادرت  المكان  وقد أفرغت غضبتها  وحقدها  ماضية  بخطى واثقة   في تنورتها القصيرة  التي  تظهر منها ركبتان  عاجيتان  جذابتان ، فيما نسمات  الريح المباغت  التي هبت  راحت تداعب  خصلات  شعرها المتموج  إلى وراء  مثل  سبيب  عرف  فرس  جموح .."

عدت إلى  كتب الأستاذ  الخولي  تفرزها ، وكأن ماحدث لا يستدعي  التامل  مع ان  بريق  الخمسين دينارا  ما برح   يدهشك      فالخمسون دينارا  ليست  ثمن الكتاب ، فيما عبارة العفر  المتوعدة : أمهلك يومين " ما زالت  تطن في  أذنيك  وصورة خطمه  المتوثبة  من الكتاب الأصفر  ما برحت  تعترض بصرك . لكن  كيف تلاشت  تماضر وحفيدتها ؟..  وهي هذا الخضم  من فوضى  الحس وعدم  القدرة على  التمييز  والتركيز . وبين  الكتب المرقعة  التي جلبها الأستاذ  حيدرة ، ومن خلال الأوراق  المتطايرة  لتلك الكتب  نتأت  أوراق بيضاء مشبكة  من طرفها العلوي  بمساك معدني  غليظ براق  على الغلاف  ـ الورقة الأولى ـ  كتب بخط  غليظ  في الأعلى :، ومع ذلك نزعت النظارات  لتقرأ الكتابة الغليظة:  " من مزامير شلمون"  أو  " سور من  زبور شلمون" وفي أسفل الغلاف  كتب " مشروع ملحمة نثرية"

يتبع

أبو العباس برحايل 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 66 مشاهدة
نشرت فى 4 أغسطس 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,945