10

ـ إما أن تدفعيه  للذهاب إلى الحكماء للمعالجة أو يتركك لحالك .. ما حاجتك في رجل  لا ينجب؟  .. أستاذك  الأرمل  سي برهوم  والد  حبيبتك تماضر ، وإن كان شيخا لكنه  أنفع لك منه.. "

هذه العبارة  هي التي  جرحت  كبرياءك بعمق،  وجعلتك فيما بعد لا تبلغها  برغبة سي برهوم  فيها هي لا في ابنتها ..

وقد ولّدت لك العبارة  في نفسك شيئا  مبهما من الغيرة  والغبطة المكتومة تجاه صديقك  الذي كان  السبب  في  زواجك  من الطاووس ، مع أنه  هو لا ذنب  له  في الأمر ،

وربما لو بلغتها أنت نية الأستاذ  في الزواج منها  ما ماتت  حسرة  على زوجها  سي عبد الرحمن عابد ،

ولو لم  يدركها هادم اللذات  ويصفعها  بكفه الماكرة ، وهي بعد في الأربعينيات  من العمر  لربما  فرقت بينك وبين  ابنتها  طاووس الحنان  وهي  المتلهفة  على حكاية إنجاب الأطفال  أكثر من ابنتها..

أنت لا ترى في الإنجاب  ولا في الأولاد  أي ميزة  وجود أو خلود  أو قيمة مضافة ،

 وصممت على أن لا تعرض  نفسك على  الأطباء  لأنك مستغن    عن هذا  المسعى الذي  يتخذه الأزواج  علة  لزواجهم ، وسبب الأسباب لسعادتهم ..


 هل أنت أناني    أم مترفع عن الأنانية  التي تغمر  الخلق  وتجعلهم  يتلهفون  على الإنجاب ؟..

الأنبياء وحدهم  الرائدون العقلاء  حين أعلنوا صراحة  بأنهم  لا يورثون  ..

أنت ترى الأبناء  عبئا  ولؤما وفقرا  لا أكثر ..

ما أصدق المعري  في قوله  وهو  يصف حاله  حين استنكف  عن الزواج  وعن الإنجاب:

هذا جناه  أبي  حين أنجبني     

وما جنيت أنا   على أحد 

ما الذي استفاده   والدك  منذ حين خلفك؟.. لا شيء  ماعدا  اجتراؤك  على بيع أغراضه الموروثة  وإتلافك لمكتبته  ببيعها  بأبخس الأثمان  ومحو ذكراه  وإدانتك  له لأنه  لم يعلمك ، ولم يهتم  بمصيرك البتة ، وهذا ما جعل لسان حالك  يردد  ما صرح به المعري  منذأكثر من ألف سنة  باستثناء أن  المعري  يصدر  سلوكه  وقوله عن رأي  في الوجود برمته  وعن فلسفة انطولوجية  تشاؤمية  معينة ترسم  كل خطوات حياته  الزاهدة التي لا ترى  جدوى في أي جانب من جوانب ذلك  الوجود  بسبب  بلائه الناجم عن سجن العمى ، وسجن المكان ، واعتبار نفسه رهين محبسين اثنين ..فيما أنت  تسلك طريقا سبهللا  فوضويا  لا تحكمه فلسفة  صارمة  ما عدا  ربما فلسفة  رجال النهضة  البسيطة والإصلاح  المستنيرين  أمثال الأفغاني  وعبده  وابن باديس وابن نبي.. 

وفي الفراش ، همست أنت  لطاووس الحنان  ذات ليلة  في شجا وحزن :

ـ لن أقف  حجر عثرة  في طريقك إن كنت راغبة في الولد.. أنت حرة ..

وأجابت  برد حاسم  أثلج صدرك:

ـ  طاووس الحنان ستظل مع أيوب الكتبي ما دام هو يرغب  في البقاء معها .. جهيدة  حامل  وهي لم تكن تريد  المزيد من  إنجاب الأولاد .. سوف  تمنحني وليدها القادم  لأتخذه ولدا  ما رأيك؟.. لقد لمحت لها بالفكرة ، ويبدو أنها قبلت؟.."

تماضر  وما أدراك ما تماضر؟ هي  معلمة الأجيال؛ والمتقاعدة اليوم ؛و التي  لو قبلت بها ذات يوم  لكانت زوجتك,,

تماضر عرضت عليك   الكتب التي تتحدث عن الرقية  بمختلف أنواعها  في صمت وحياد   فأنت لست من المتحمسين  أصلا لهذا النوع  من الدجل والشعوذة  التي تلبس لبوس الدين ،

وأنت من مذهب  أبيها برهوم  النهضوي  الباديسي الاتجاه  الاشتراكي المنزع ،  وتشعر بتأنيب الضمير  عرضت هذا الهراء وهذا  الوباء .. وها أنت تبيع  مثل هذا الهراء  الفارغ بل هذا الوباء  الفتاك القاتل للناس، الذي يحتمه عليك  باعة الجملة  مع بعض الكتب النادرة المطلوبة ..

القرآن شرعة  ترسم السلوك القويم  في الحياة ؛ فحولوه إلى طلاسم  تتلى  على رؤوس المرضى  والأموات..  إنك تسهم بهذا  في ضرب العقل الذي  لا يفصل  العلة عن معلولها  ؛ وفي قتل الفكر  اليقظ ؛  الذي  لا حياة فعلية  من غير يتقظه ؛ وفي  تبلد قدرات التمييز  والتحكيم لدى افنسان  الذي يعيش  في بيئة يفترض فيها  تكون مشبعة  بالعلوم الدقيقة  وبالعلوم التجريبية  والتطبيقية  ةبالعلوم افنسانية  المتنورة  ولكن ما العمل؟

لكن ما العمل؟ 

أنت لا تكره  المكتبة  بل مفروض عليك إما أن  تبيع مثل هذه الخزعبلات  السامة أو تغلق دكانك..

إن منحة  المعاش  التي تقبضها  كل شهر  من صندوق التقاعد  لغير الأجراء  لا تكاد  تسد فواتير  الكهرباء والغاز  والهاتف والإنترنيت ، وإلا كنت غادرت هذا النشاط  واسترحت . ذاتها ، لكنك تكره  المطالب الجديدة  التي يفاجئك  بها  هذا الرهط  من الزبائن الجدد  كل يوم ، وهي مطالب تدفع بشخصيتك التي  تكونت على مدار  خمسة عقود  إلى الانحدار  والانحطاط ..  


لقد خدمت العلم  والثقافة والوعي  والذوق الأدبي  أكثر من خمسين سنة  حين كنت  تبيع أمهات الكتب  التي تحدث  الضجيج المدوي  في العالم

وكان القراء  متنورين وأهل حس نقدي وذوق فني ،  يناقشونك  ويجادلونك  في الكتب التي  تقتنيها منهم  أو يشترونها منك .. تتبادلون الرأي  في مضامينها  ،

وها أنت  اليوم تنخرط  في خدمة الجهل  والشعوذة  ببيع هذه  الكتب الصفراء  الماكرة مكر الغباء ، والتي تشطب  بجرة قلم  على كل الجهد  البشري  في التنوير ، وعلى كل  خطوات التقدم  الذي أحرزته الإنسانية  عبر التاريخ..

 

ـ بكم  تترك لي هذا الكتاب  يا شيخنا ؟.. لا بد أن تساعد  بنت صديقك..

صدحت تماضر  بصوت جهوري  غليظ  وكأنها في قسمها  مع تلاميذها  ، مع أنها منذ قليل  خاطبتك  بصوت  ضامر كالهمس ، وأشارت إلى كتاب أصفر  تتصدره صورة  لمخلوق  يشبه العفر  البري  بخطم مفرطح  وأنياب شيطانية  يحمل عنوان " الرقية  الشرعية  في كتاب  الصارم البتار"

وذهلت أنت ، إن هذا الكتاب وبهذه الصورة الغريبة  لم يسبق لك  أن رأيته  مع أنه  في مكتبتك ، ومصدر  ذلك هو أن  الصورة  التي  تتصدر غلافه  هي صورة  الظل الذي  تجلت لك  شبحا  يحتك بزجاج  الواجهة  منذ لحظات ..

قبل أن تدخل هذه المعلمة صاحبة الصوت الغليظ  الفصيح ،  والتي هي تماضر  بنت  الشيخ برهوم  صديقك .. والتي لم يبعد  أن تكون  زوجتك  لو .. لو قبلت يومئذ.. لو أه

. . هل أنت مصاب بالدوار ؟.. وقلت أنت   في تشاؤم وفزع :

ـ عجبا ..إنه هو ..

ـ ماذا تعني  يا سيدي الشيخ ؟.. ولكن ما ثمن هذا الكتاب؟..

ـ العفر بخطمه المفرطح  المورّد ، وبنابيه  البارزين  كأصابع المدرى

لم تفهم  منك المرأة  أو المعلمة المتقاعدة  ما تعني ، وطفقت تحدق  مجددا في صورة  غلاف الكتاب  وفجاة  تنطفيء  الأنوار ؟.

دام ذلك لحظات  فقط  ومع ذلك  بدت  تلك اللحظات   وقتا طويلا  ممتدا  كالسرمد الفطحل .. خلال انقطاع النور  لم تعد  ترى  غير الظلال  تتحرك  وتتكلم ..

اقتحم العفر  زجاج واجهة  المكتبة دون أن يتحطم الزجاج؟.. أو خرج من  غلاف  كتاب الرقية  المبطلة للسحر بين يدي المدرسة  الملفوفة في عباءة  السواد السميك  إلى حد اللمعان ، وقال بصوت  يخرج  من  منخري  خطمه المفرطح ،

وهو بلا ريب صوت  الغندور بن قزوان .... قال من غير تمهيد  ولا سلام  مهددا  بلسان فصيح  لا يشوبه  شائبة  مع أنه  حيوان بري  متوحش:

ـ أمهلك يومين ..

وكررت أنت  آليا  من غير أن تعي  ما تقول:

ـ يومين؟.. 

يتبع

أبو العباس برحايل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 80 مشاهدة
نشرت فى 2 أغسطس 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,946