9

 لقد كانت تماضر بيضاء البشرة  ولكنها  كانت تبدو لك قصيرة القامة  بعض الشيء ، فضلا عن شخصيتها القوية  الجريئة الشموس  الشبيهة بشخصية أبيها ، مع أنها تصغرك  بثلث عمرك  تقريبا ، ففيما هي  كانت في العشرين  كنت أنت  في نحو الثلاثين .لكن طاووس  يتيمة الأب  هي بنت  الشهيد مسعد نايلي ، استشهد  قبل أن تولد ، ورغم أنها تربت  في أحضان  رجل عالي  السمعة  هو سي عبد الرحمن عابد  إلا أنها  ستظل  مفتقدة لعاطفة  الأبوة ؛ ورجل مثلك  سوف لا تتخذه  مجرد زوج  فحسب بل  سوف تتخذه بشكل من الأشكال  أبا طالما افتقدته ، كأنما لم يستطع سي عبد الرحمن عابد زوج أمها  تعويض عطش الأبوة  فيها وملء الفراغ  رغم كل كرمه وأريحيته . إنه ذلك النوع من العطش الأبدي لافتقاد شيء نادر الوجود..

كانت طاووس الحنان  سمراء البشرة ، لمياء الشفتين ،  وكانت لها عينا غزال  تتقدان انتباها  ويقظة ، وتتوجسان خيفة.. وكانت مع ذلك حيية  لعادة بنات البادية  اللواتي يتخذن  الخفر  شيمة  والحياء سمة ، وكنت أنت  في قيم الجمال  تميل  إلى السمراوات  الوضاءات ، وعرفت أنت  سبب ميلك اللاشعوري  إليها  حين قرأت بنفسك بعض كتب علم النفس ؛ إنه ميل لسبب بسيط ، هو أن أمك  المجيدة : الخامسة كانت سمراء ، كما أن أنفيهما كانا يتشابهان جدا ؛ عقدة اوديب ، أم عقدة إلكترا؟.. البنت  تميل لا شعوريا لأبيها  فيما يميل الولد  في عقله الباطن نحو أمه..

تماضر ، سماها  صديقك الشيخ برهوم  باسم الشاعرة  المخضرمة  الخنساء ، التي كانت  ترثي أخاها صخرا  في جاهليتها  وفيما قبل الإسلام وبكته بكاء مرا  يفتت  الصخور والجلاميد قبل أن يفتت  الكبد  والفؤاد .. فلما أسلمت بعد ذلك  هذّب  الإسلام  من وجدانها  وصقل مشاعرها ،

فتقبلت شهادة أبنائها  الأربعة  في سبيل العقيدة الجديدة  قبولا حسنا  ولم تبكهم  ولا رثتهم  واحتسبتهم عند ربها  فضلا وذخرا..

ترى  ماذا لو تزوجت أنت  َبتماضر؟.. هل كانت سوف تنجب لك؟   ذلك  الطموح البيولوجي  الذي يرجوه  الأزواج والذي  حرمك الزواج بطاوس منه للسف

لا ريب  أن هذه الصبية  التي تصاحب  تماضر هي حفيدتها ، يستحيل أن تكون  ابنتها ، هي الآن  لا بد أن تكون  في سن السبات الرحمي  الذي يسمونه سن اليأس

مسحت على لحيتك  البيضاء  بعرض كفك  وعدلت من نظارتك  وقد تفرست المرأة  من غير جدوى ، كانت  مجلببة منقبة ..

رحبت بها  في شيء من البرود  بسبب هذا الجلباب  الحاجب  الممقوت

 الذي  لم يكن له أثر  في يوم من الأيام  في بيئتكم  الجزائرية ..

نعم إذا كان لا بد  للمرأة   من حجاب  فينبغي أن يكون على الأقل  من تراثنا

وهو ذلك العجار  الأبيض  الذي كانت  المرأة  في هذه البلدة المحافظة  تتلفع به  أيام الاستعمار  ولم يختف إلا مع   بداية الثمانينيات ، كانت المرأة فيه تبدو كالحمامة البيضاء  جمالا وتأنقا.

لقد وقع انقلاب  حاد في مظهر  لباس النساء  بسائق  انتصار الخميني  في إيران على  الشاهنشاه  محمد رضا بهلوي  وانبعاث التدين الوهابي  المتزمت ، وانتشار  الجدل الإخواني  المتبجح

، وانحسار  المد التقدمي  الاشتراكي في العالم ..

كان لون العجار الأبيض  يبعث على التفاؤل  والحياة  ولم يكن هناك نقاب  يحجب وجه المرأة ، إنما كانت المرأة حين تضطر أن تتخفى من معارفها  تجذب  طرفا  من العجار  الأبيض  نفسه لتغطي به  إحدى عينيها  ، وصديقك برهوم  كان رجلا  تقدميا  متفتحا  على القيم الإنسانية  يبشر باشتراكية  بمضمونها في العدالة الاجتماعية  وفي نطاق القيم الوطنية  الجزائرية  في أبعادها  الحضارية والإسلامية ، رغم  انتمائه  لجمعية العلماء . لو يخرج اليوم  من قبره  ويرى ابنته  التي رباها على الحق  وعلى الصراحة  إلى حد الوقاحة . لو يراها على  هذه الحال  من تفسخ الشخصية  والخضوع  لأفكار عصر الانحطاط  والظلمات  لندم على جهاده  من أجل الاستقلال..

الاستقلال يعني التطور والتقدم إلى الأمام مع العصر لا الرجوع إلى الوراء بآلاف السنين..،

أجل ضاع جهده أيضا من أجل توطيد الاشتراكية  ضمن بعدي الأصالة والمعاصرة ،

وقد قضى كل حياته  في الثانوية  ينير طلابه  من خلال  النصوص الأدبية  التي  يقدم فيها بعناية أفكار العصر وأنوار العلم  الحديث الذي  كان يجب  أن تصوغ حقائقه الراسخة   الإنسان الجزائري  الحديث،

ويدرس قيما إنسانية  بعيدا عن ترهات  عصر  الانحطاط  التي كانت  قد  أسلمت البلاد والعباد  للاستعمار..

 بدات الصداقة معه  حين جعل مراسلاته  تأتي  على عنوان محلك بما في ذلك  عنوان حسابه البريدي  الجاري .. لم يكن يشتري منك هذه الكتب  المستعملة  إلا في النادر ، بل كان  يستعيرها  لقراءتها ويعيدها ، وينفحك مقابل ذلك  ببعض الدنانير  في نهاية كل شهر  حين يسحب أجرته الشهرية من دار البريد ، كما لو كانت تلك الدنانير اشتراكا  قدره هو بنفسه  تقديرا من غير  مفاوضة  ولا اتفاق مسبق 

وتوطيدا للصداقة  كان  الأستاذ  المرحوم برهوم  هو من دلك على فتاتك التي كانت تلميذته الأثيرة  النجيبة الحيية  طاووس   ؛ حضر الخطبة  والعرس  رغم أنها صديقة ابنته  على حد تعبيره ، بعد أن يئس  من أن يلفت نظرك  لابنته  المتمردة تماضر ؛ هذه  المرأة التي  تقف الآن أمامك  في  هذ الكفن الأسود من غير هوية ، ماعدا هوية  الانغلاق  والشؤم والموت ..

الطاووس كانت  بنتا لأحد  رفاقه النابهين  في الصبا  مسعد نايلي  رغم أمنيته وكان يخطط ليجنده  معه في صفوف الكتيبة  التي كان يقودها ، لكن مسعد يسقط  ضحية  قبل  أن يجند ..

أجل  كان هو السبب  في تزوجك من الطاووس  وهي لم تكن من الجمال  الفتان كما كان يصفها  لك مبالغا  ظانا أنك لم ترها 

كانت ملامحها السمراء  تشبه ملامح الخامسة أمك  ماعدا أن أمك  نحيفة عجفاء  القوام  في حين أن الطاووس ممتلئة

 وكانت الخامسة ذئبة  شرسة عنود  أما طاووس الحنان  فكانت نعجة  سلسلة كاسمها  . كانت فتاة من ذهب ، وعلى كل حال  تركت أنت  في قلبها  غصة  حين لم   تستطع أنت أن تزرع في رحمها نطفة  حياة فلم تمكنها من الإنجاب  . ومع ذلك  أنت مستغن  بها عن كل نساء العالم ، راض بها ، وهي  تراك كذلك  شمسها المشرقة  على الكون كله ، راضية بك ، لولا ماظهر عليها  في السنوات الأخيرة  من داء السكري .. أجل ، أنت سعيد معها ، غير حافل  بالولد والخلف .

وحتى ذلك الولد غسان  أو باديس  الذي عاش  سنوات  تحت كنفكما  ودللته طاووس  الحنان ماشاء  له أن يتدلل ، عاد لذويه  حين شدا  وفهم أن أمه  الفعلية  إنما هي  جهيدة ،

ورغب أن يحيا  مع أخويه  وقال ذات صباح  يخيّر خالته  التي يدعوها أمة طاووس:

ـ  أريد أن أكون مع  بشارة وزينوبيا .. إما أن ياتيا  للعيش معي هنا أو أذهب  للعيش معهم هناك..

وبالكاد  فطمت هي عن  الصبي  وتعودت  هي على الحالة الجديدة من شبه الوحدة  رغم أن باديس ما برح  يتردد على بيتكما  خاصة في العطل  والمناسبات ، وربما كان الخواء  الروحي  والفراغ العاطفي  والقلق الوجودي  المرتبط  بوهم الخلود  البيولوجي  من خلال الإنجاب ، وثمن ذلك الفطام  هو داء السكري  المستحكم  اللعين  الذي تعانيه  اليوم  والذي داهمها مبكرا ، وهو الداء الذي  ماتت به أمها  جوهرة  ومات به صاحب الكرم والشهامة زوج  أمها عبد الرحمن عابد  في السبعينيات ..

في السنوات الأولى  من زواجكما  ، ماتعجب له الناس أن جوهرة أم الطاووس  لم تمكث  غير شهرين  من وفاة  زوجها  ولحقت به  إلى دار البقاء

 حيث يمرح  أبناؤهما  الخمسة  في جنة الخلد و الذين قضوا  جميعا صغارا  بمرض مجهول  لم يفهم لأطباء . ماتت جوهرة  صغيرة السن ،  فيما  الأستاذ  برهوم  الأرمل  كان ينتظر منها أن تستكمل  حدادها على زوجها المرحوم ؛  وعدتها الشرعية ليستر بها  عرضه  ويكمل  بها  نصف  عقيدته الدينية ؛ العزوبة في العقيدة  الإسلامية ممقوتة   ومن مفارقات الحياة  أنه هو  الذي خطب  لك ابنتها  طاووس الحنان  ؛

أنه  كلفك ـ وهي حماتك  التي أمست  تنظر إليك  بعين الريب  وعدم الارتياح ـ  بأن توحي  لها بنيته  في الزواج بها  حين تنهي حِدادها وتنتهي عدتها ، لكن القضاء والقدر  كان بالمرصاد ..

في الحق أنت سررت بموتها .. كانت  حماتك أم زوجتك قد  بدت  في الشهور الأولى  من زواجك بابنتها  طيبة  مسرورة .. وأنت سررت بموتها

فما تزوجت بالأستاذ برهوم

ولا طلقت منك  طاووس بفضل موتها المفاجئ.

أجل لقد  تأخرت طاووس عن الإنجاب ، وخلال مساعيها  لدى المتطببين  الشعبيين من أجل  أن يعالجوا ابنتها  كي  تحبل وتنجب ؛  تحولت عنك برأيها ، وأظهرت  لك كرها  صامتا  ومقتا  مكتوما ،،  لقد أوحى  لها المعالجون  وأفهموها  أن العائق  في عدم إنجاب  طاووس الحنان  قد يكون بسبب  زوجها أيوب  الضبيعي  لا بسبب  ابنتها  طاووس الحنان 

وحينئذ  شرعت  توسوس في أذن  الطاووس  في شأن الإنجاب  ودخلت  أنت يوما  على حين غرة فسمعتها بأذنك تقول:

ـ

يتبع

أبو العباس برحايل 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 120 مشاهدة
نشرت فى 30 يوليو 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,948