جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
أن يتعرض فتى وسيم لمطاردة من إحدى الجميلات المعجبات ، فأمر وارد ومحتمل في الحياة ، ويمكن أن يحدث في أي لحظة ومكان في مثل هذا الزمان الذي نعيش.. أما أن يتعرض كهل يتجاوز الخمسين ، ويغمر فوديه بياض المشيب ، ويفتقد الألمعية المناسبة والجاذبية المادية الخارقة ، وتنهض بهذه المطاردة فتاة متعلمة ذكية ، وفي قمة شبابها الرعن الوهاج ، فأمر يدعو إلى التساؤل وإلى وضع علامة الدهش والتعجب ، وإن رصدت مجريات الحياة مثل هذه المواقف ، فهي نادرة عصماء .
أبو القاسم القنطوري أستاذ علم النفس في إحدى دور المعلمين وجد نفسه بغتة ذات يوم محاصرا ، وعلى وشك أن تضع شرطة الآداب العامة في معصميه خلاخلها القابضة لولا حزمة ضوء من الوعي مفاجئة أبرقت في جبهته العريضة في اللحظة المناسبة ، فأبطل بها حبكة الطالبة النجيبة غالية رضوان ومساعديها
أول ما تفطن الأستاذ القنطوري لطالبته غالية بوضوح كان في عرض قدمه عن المكونات النفسية اللاشعورية للإبداع الفني حين طفق يبين لطلابه أن نصوصا أدبية كثيرة تقرأ لأول وهلة ، فتبدو غاية في البساطة ، ساذجة عفيفة ، وهي في جوهرها ليست كذلك إطلاقا ، وجاء بنموذج طالما تردد في الكتب المدرسية الموجهة للتلاميذ المراهقين في المرحلة المتوسطة من التعليم ، بوصفه نصا يعبر عن مشاعر الأبوة الحانية المتفانية ، ومنه هذه الأبيات :
وأطيب ساع الحياة لديا ...
ساعة أخلو إلى ولديا
متى ألج الباب يهتف باسمي الـفطيم ، ويحبو الرضيع إليا
فأجلس هذا إلى جانبي ...
وأجلس ذاك على ركبتيا
وأغزو الشتاء بموقد فحم ...
وأبسط من فوقه راحتيا..."
لقد برهن النفساني الأستاذ القنطوري على أن النص يتحدث فيه صاحبه عن شوقه إلى اللقاء بأهله بعد طول غياب ، وأن صورة حركة الولدين مجازية ، والبيت الأخير تعبير لا شعوري عن رغبة مكبوتة في الاتصال الجنسي بأم الولدين !.. وثارت ثائرة القاعة ، مستنكرة مثل هذا التحليل غير المالوف وغير اللائق أيضا بحق الشاعر العظيم ومكانته ؛ لكن حدث أن اخترق عجاجة الاستنكار صوت الطالبة غالية رضوان ، تدافع عن أطروحة الأستاذ وتؤيده بقرائن أخرى في النص ذاته ، والموقف بهذه الصفة عادي ، وفي غير حاجة لأن يسجل لو توقف عند هذا المستوى ، لكن ما حدث بعد ذلك أن القنطوري تأكد شيئا فشيئا أن غالية كانت كثيرا ما تتعمد التحديق في عينيه ، إذا صوب إليها نظره من وراء زجاجات نظارته الطبية ، وكأنما تود أن تلتهمه التهاما بعينيها البراقتين النافذتين ، كما لاحظ أنها تدلي في المناقشات بمواقف تأييدية قبلية لكل ما يعرض من آراء ، وكأنما اتخذت موقف المحاماة عنه، لكنه وأمام وطأة السنين وأعباء حياته الخاصة لم يعبأ كثيرا بهذه الحالات التي تعتري طالبته غالية إلا في حدود الشعور بالسعادة ، موطنا النفس على أن الأمر يتعلق بالإعجاب العلمي والأدبي ؛ إذ لا غرو أن ينجذب بعض الطلاب نحو أستاذهم ، إذا ما توافقت توجهاتهم الفكرية والنفسية مع توجهاته ورؤاه
في نهاية أحد العروض ، فاتحته الطالبة بشان خاص من شؤونها ؛ إنها تمارس الكتابة وسألته في أدب جم ، إن كان بإمكانه أن يشرفها ، فيتفحص بعضا من محاولاتها الكتابية وأن يبدي رأيه في كتاباتها ، وقد ركبه بعض مشاعر غرور لحظة وهو يرى طالبة تنصرف عن أستاذ الأدب وتتجه إليه بدله في عرض محاولاتها الأدبية ؛ وادعت أنها تشجعت حين علمت أن الأستاذ القنطوري ليس مجرد أستاذ في علم النفس ، بل له اهتمامات أدبية ، وخاصة في الكتابات النقدية ، وقالت بلهجة ماكرة : بشرط ألا تجري عليها تحليلا نفسيا فرويديا !..
وافق القنطوري بسرور وحماس ، وجاءته في الغد بإحدى المحاولات ، وأزعجه أنها جاءت بمحاولة واحدة وكأنها بنت الساعة ، كما أزعجه أنها قدمتها بلا مبالاة . كانت المحاولة سطورا متراصة في ورقة مفرومة منزوعة من الكراس ومكتوبة على الوجهين . قرأ النص فبدا له للوهلة الأولى بلا معنى ، لكنه كان يدرك أن طالبة ذكية في مستوى غالية رضوان لا يمكن أن يصدر عنها نص بلا معنى ، وأعاد القراءة مرات ، فإذا النص يسفر عن رسالة حب مكتوبة بشفرة غير متفق عليها مسبقا ؛ لقد تفكك النص أمام فكره الثاقب ، لكن مالم يكن بمقدوره أن يبت فيه بملء الثقة هو من يكون المرسل إليه ؟!.. هو يدرك جيدا أن الكتاب الناشئين عادة يستهلون إبداعاتهم الفنية بالتعبير عن اهتمامهم المباشر ؛ وحياتهم الخاصة هي بؤرة كتاباتهم ، ولا يمكن أن تشذ الطالبة غالية رضوان عن هذا الحكم الدارج
استعرض ما يعلم من الأحداث والعلائق التي يعرفها عن الطالبة غالية وزملائها ولم يفلح في الوصول إلى نتيجة حاسمة ، واسترعى انتباهه أن غالية كانت قد قرأت محاولتها على أحد زملائها علانية وبشكل استعراضي بُعيد الانتهاء من عمل فوجي كلف به جماعة من الطلاب ، بل وتعمدت أن توثق مع هذا الطالب الخجول موعدا للقاء ؛ في مناسبة أتاحتها هيئة شبانية في غمرة عطلة الصيف الوشيكة .. جرى كل ذلك على مسمع ومشهد من الأستاذ القنطوري ، وقبل أن تسلم له المحاولة .. هذه المواقف كانت خليقة بأن تفصل في الموضوع وفي أن لا يحتار الأستاذ في تحديد بطل " النص الغرامي" ، ومع ذلك ، فإنه فسر سلوك الطالبة الظاهري على أنه التفاف أرادت به صرف الأنظار عن المحتوى الحقيقي لنصها ، وهي تعلم يقينا بأن صديقها الخجول لم يفهم من النص إلا أنه ألفاظ براقة بارعة تصف الطبيعة الميتة!..
كانت النقطة التي لم يفصل فيها القنطوري في النص هي : لمن تتجه الكاتبة بالخطاب في نصها الإبداعي؟ . واستعاد في ذاكرته تلك التحديقات الحارقة الطويلة التي كانت غالية ترسلها وتصبها في نظارته الطبية صبا ، وبدا له أنه هو نفسه المعني بفصل هذا الخطاب !. لكنه وهو يعد مقالته النقدية التحليلية التي طلبتها الآنسة ، تجاهل هذه الإشارات ، وتجاهل هذه الاعتبارات ، وجرت الظروف بأن دخلت العطلة الصيفية دون أن تستلم الطالبة تقويم أستاذها لمحاولتها ، إنما حدث ذلك في أول حصة من السنة الموالية ..
منذ ذلك اليوم غيرت غالية رضوان سلوكها رأسا على عقب ، فبعد أن كانت تدخل في كل مناقشات العروض والدروس وتبدي آراءها بقوة وحماس ، خاصة في الدفاع عن طروحات الأستاذ القنطوري ، التزمت الآن الصمت ، وانكفأت على ذاتها ، ولم تعد تنبس ببنت شفة أثناء المناقشات ، مهما كانت ساخنة ومشجعة على الإدلاء بالرأي ، واحتالت ذات مساء بعد انتهاء الحصة ، واختلت بالأستاذ القنطوري وقد غادر الطلاب جميعهم القاعة ، ولم يكن الحديث الذي فتحته معه عن الدروس ونحوها بل كان محوره محاولتها الأدبية وما تسنى للأستاذ أن يفهمه منها ، فتأكدت لديه عندئذ الاعتبارات التي تجاهلها ولم يدونها في ملاحظاته النقدية ، وقد فوجئ ، حين أرادت أن تطيل الخلوة إلى مالانهاية ، مع ما في هذا الاختلاء المطول من حرج ؛ والأمر المؤكد أن أعوان سير المؤسسة يكونون قد لاحظوا الوضع غير البريء للطالبة غالية في ملاصقتها للأستاذ وهما يغادران القاعة بعد لأي كتفا لكتف .
لم تمض أيام قلائل حتى وافته "بمحاولة" ثانية ، لكنها احتفلت الآن غاية الاحتفال بطريقة عرض النص ، أما محتواه فلم يكن غير رسالة حب صريحة صارخة وتتجه إليه رأسا من أول سطر وبلا مواربة ، وبعبارات واثقة تماما تضطرم جراءة ، وكان المنتظر من أستاذ حصيف يدرس علم النفس ، وقد تعلقت به إحدى طالباته أن يتصرف بحكمة وأن يصرفها بلباقة ، لكنه ـ لعلة ما ـ أنشأ مقالته " النقدية" الثانية ، لكنه لم يقدم على حسم الأمر بالوضوح الكافي ، ورغم أنه دس بعض العبارات المثبطة والباعثة على اليأس ، إلا أنه ترك عمدا فجوات هامة يمكن من خلالها أن تتصاعد السنة اللهب الحارقة ، ولقد ضمن نقده ما يمكن اعتباره إقرارا واعترافا جازما بالفهم الأكيد لا لمحتوى رسالة النص الإبداعي المزعوم .. فهذه الكوى ألهمت الطالبة الذكية أن تلك العبارات الدافعة إلى التيئيس لا تعدو أن تكون مجرد احتياط مدبر بعناية ، وأنها قناع خادع ، وإنما الأستاذ يمارس " التقية" لا أكثر . أما عواطفه فتصب في ذات المجرى الذي تجري فيه عواطفها الهادرة الرقراقة
وراودته بنص ثالث تستعجل فيه الدخول إلى الفردوس الموعود استعجالا ، وتصف تعلقها الناشب المستميت ، وإذ تردد في أن ينفحها بالمقالة النقدية الثالثة ، انقطعت في بعض الحصص عن الحضور . وأمسى القنطوري حساسا يخشى في حالة تسليم المقالة النقدية أن يؤول الطلاب تبادل الكتابات تأويلا مغرضا يذهب إلى أن وراء الأكمة ما وراءها !.. فكان يسوف في التسليم كل مرة إلى آجال قادمة ، ومع أن المقالة عادية وجاهزة وهي معه دوما في الحفظ والصون .
كان لابد لغالية رضوان أن تنتظم من جديد في دراستها ، فعادت ذات يوم ، وقد هيأت الأمور بحيث تدفع بالعلاقة مع الأستاذ القنطوري إلى موقف جديد ، فارتأت أن تتأخر قليلا في الدخول إلى القاعة مثلما تفعل الشخصيات ذات النجومية سعيا للفت الأنظار . وفعلا ، اقتحمت القاعة بعد عشر دقائق من بدء العرض . كانت في أبهى زينتها وفي منتهى تبرجها ، وجلبت انتباه زملائها الطلاب واستقطبت أنظارهم في قوة واستفزاز ، ولا شك أن هذا التمظهر له دلالته ، وقد اندهش الأستاذ ذاته للطف الطلاب حين لم يندفعوا في تصفيق صاخب أو تصفير مدو . وهو السلوك العفوي والتلقائي الذي يواجه به مثل هذا الاستعراض الاستفزازي المباغت..
اختارت غالية آخر مقعد في المدرج ، بعد أن كانت معتادة على الجلوس في الصف الأول المباشر لأستاذها ، لا شك أن اختيارها لمكان جلوسها يوائم الغاية التي توختها بحضورها على هذا النحو من التبرج ، ولكنه تغيير يدفع الجميع إلى توجس ما يتضمن التغيير من موقف جديد .
انزعج أبو القاسم القنطوري من هذا المسلك المكشوف المباشر ، مبتلعا انزعاجه في أعماق ضميره ولم يبد ما يند عنه ، فقد كان حريصا على مراعاة مظاهر الاحترام التي ينبغي أن تسود علاقته مع جميع طلابه ، وقد كان تصرف غالية أول طعنة دامية في هذه العلاقات ، وما كان لها أن تعرض أستاذها الرصين لمثل هذا الحرج.. وخيل إليه أنه توافد على سمعه الثقيل بعض همسات تلمح في سخرية وإشفاق إلى العلاقة المشبوهة بين الطالبة المتبرجة وأستاذها الوقور! لا سيما وأن الشبهات يتم ضخها وتضخيمها عادة وتخلق حولها مختلف الخرافات والأساطير
لم يمض طويل وقت على استعراض غالية ، حتى جاء أحد السعاة في المؤسسة يستأذن للطالبة غالية رضوان حتى تقابل إحدى قريباتها !.. فأتيحت لها فرصة ذهبية ثانية لاستئناف الاستعراض الانفرادي بارتداد ، وفعلا لمح القنطوري امرأة شابة عليها سمت الجد والوقار تتحدث إلى الطالبة غالية في باحة المؤسسة بالقرب من مدخل الجناح الإداري ، وقد كان المدير على مبعدة منهما بخطوات معدودات يجذب نفسا طويلا من مبسمه الذي يشد بلفافة تبغ في اطمئنان فيلسوف مستغرق في التأمل
في فترة الراحة الفاصلة ، وجد أبو القاسم القنطوري عند عتبة المدرج المدير نفسه يرسم ابتسامة عريضة ويدعوه على غير العادة إلى فنجان قهوة في مقهى خارجي قريب ، مع أن نادي المؤسسة حاشد بصنوف المشروبات ، زاخر بضروب المرطبات والمعجنات ، وفهم بعد أن فات الأوان أن الدعوة إلى المقهى إنما كان من أجل المرور أمام مسكن الآنسة غالية رضوان باتفاق مع تلك السيدة ذات السمت الوقور التي زارت المؤسسة منذ قليل ، وفعلا أشار المدير عند العودة بصفة عرضية إلى القصر وهو يتحدث عن الأعيان المجاورين لمؤسسته العتيدة ، وفات القنطوري أن يتبين ذلك الحشد من رؤوس النسوة خلف زجاج إحدى نوافذ الطابق الأول من القصر ، وقد أزيح الستار عن النافذة بشكل مريب ، ولو اهتم أبو القاسم القنطوري بعض اهتمام لاكتشف بعوينات نظارته الطبية أنه كان محل معاينة دقيقة من قبل ذلك الجمهور المحتشد من النسوة ومن بينهن تلك المراة ذات السمت الوقور التي تبينها منذ حين قليل في باحة المؤسسة تفاوض غالية وتحيك جانبا من المسرحية .
بعد أن تناول وجبة الغداء في مطعم المؤسسة مع المدير ومع بعض الأعوان الذين كانوا يعقبون بانفعال غامض عن أهمية دروس علم النفس بالنسبة لطلبة يكونون غدا أساتذة ، وامتد الحديث إلى الخصوصية التي يتمتع بها الأستاذ أبو القاسم القنطوري ، وسر هو بهذا الإطراء دون أن يتفطن لما كان يحاك له . وعقب الوجبة دعاه المدير إلى الاستراحة قليلا في قاعة مكتبه وما كاد يرمي بثقله على إحدى الأرائك المواجهة للمكتب حتى اقتحمت عليه غالية جلسته بذات المظهر الاحتفالي ، وأسرع المدير يقدمها على أنها من خيرة طلبة الدار كلها وأنها ناضجة وكأنها في الأربعين سنة لو يقاس العقل والرشد بالسنين ، وأنه دعاها ليستكمل معها محاورة أدبية سابقة لم يتمكن فيها هو ولا غيره من أساتذة الأدب من أن يقنعوها بجملة آراء .. وأن الأستاذ القنطوري هو وحده القادر ـ فيما يبدو ـ على إقناعها وعلى تطويع آرائها . ورحب أبو القاسم على مضض بمهمة التحكيم رغم المفاجأة ، ولكن المناظرة لم تنطلق ، ولن تنطلق أبدا .. ذلك أن الهاتف سرعان ما شرع يصخب بالرنين ، فتناول المدير السماعة ليبث فيها حشرجة كلمتين مبهمتين كأنهما شفرة ويغادر القاعة في عجالة دون استئذان ، لكنه حرص على أن يسحب الباب خلفه ويحكم غلقه بطريقة أيقظت حذر القنطوري بقوة ، ونبهته إلى اساليب تمثيلية ظلت تتقاطع معه دون أن يتفطن لها .. وفهم أخيرا وفي اللحظة المناسبة الموقف الاحتفالي كله منذ البداية حتى النهاية . ها هو الأستاذ ابو القاسم القنطوري إذن في خلوة عجيبة أحكم إعدادها مع طالبته النجيبة غالية رضوان وجها لوجه .. يا لها من مؤامرة جميلة من طالبة بالغة الذكاء بالغة الفتنة بالغة الدهاء والكيد .. ينظر إليها وتتعانق نظراتهما وإن فصلت بينهما زجاجات النظارة الطبية ..يحاول القنطوري أن يتجلد ويتحكم في مشاعره ، ويتجاهل ما دبر بليل .. يحاور الآنسة في بعض الشؤون الأدبية في انتظار عودة المدير وانطلاق المناظرة المزعومة ، كان يجوس المكان بكل حواسه عساه يكتشف بعض وسائل الجوسسة من لاقطات أصوات أو مسجلات أو نحوها ، وبدأ صوته يخونه شيئا فشيئا وتوتر نبر صوته وجف وافتضح الموقف بارتجاج صوته ، وهاله تماسك الطالبة واحتفاظها بطلاقتها و عفويتها التامة ، مع ان عمرها لا يتجاوز النصف من عمره وأبدى علانية امتعاضه من الموقف ، وعبر عن رغبته في الانصراف ففاجأته غالية تقول : " يمكنك أن تنصرف" كما لو كانت صاحبة الحل والعقد ، وحينئذ جابهها بأنه حريص على أن يبقى بعيدا عن كل شبهة ، ونهض إلى محفظته مبادرا بالمغادرة ، فسعت الآنسة بين يديه تستقدم المدير .. وتبين أنه كان في مكتب مجاور يتصنت أو ربما ينتظر أحسن لحظة مناسبة ليقتحم فيها قاعة المكتب ، فيؤخذ أبو القاسم القنطوري متلبسا مع طالبته في جلسة أعدت للإيقاع به ، فتعرض عليه الشروط فإما يقبل بها بلا مناقشة ، او تجري الإجراءات القانونية الصارمة مجراها ، والحق أن أبا القاسم كان في غاية الدماثة والخلق ، فترك الأمور على سجيتها وكما لو كانت خدمة من المدير ، فشكره الشكر الجزيل على مالقيه من خدمة وتكريم وصافحه مودعا تاركا المؤسسة وهو غير متاكد بعد إن كان تجاوز منطقة الخطر ؟ وإن كان الاطمئنان قد أخذ يتسرب إلى وجدانه ويملأ عليه فكره بل وخطر في باله ما يشاع خطأ من أن رجل التعليم قد فقد وجاهته وتألقه ، وأنه يحتل ذيل الطبقات الاجتماعية ، فلو كانت هذه الإشاعة صحيحة ، كيف تتشبث فاتنة ذكية متعلمة ثرية بمدرس في سن الكهولة لولا كرامة هذه الوظيفة ونبلها ، وابتسم لهذا الخاطر السعيد ، وزادت سعادته أنه ظل مع طالبته متحفظا في وقار ولم يجر على لسانه لفظ واحد فقط يمكن أن يتهم به ، وحينما اصطنعت غالية حركة ولمست ذراعه عمدا انبتعد عنها بطريقة لبقة جدا حين نهض يتناول من الرف كتابا جرى ذكره توا على لسانه ، فلم يخدش للطالبة حياء ، ولكنه تساءل وهو يبتعد عن المؤسسة بخطاه الوئيدة المألوفة ، ترى ما الذي كانت سيارة الأمن تنتظره هناك عند مدخل المؤسسة الخارجي؟!..
9/5/1997
أبو العباس برحايل
ساحة النقاش