مصرنا الحبيبة

الماضي والحاضر والمستقبل

 

التعليم والتصنيع ركيزتا اقتصاد ما بعد الثورة

 

تتباين مدارس الفكر الاقتصادي وتتعدد الأيديولوجيات‏,‏ ولكن أيا كان التباين أو التعدد فالجميع يعلن أن هدفه النهائي هو تحقيق أعلي معدل للنمو مع عدالة توزيع عائد هذا النمو.. والصراع والجدل بين هذه المدارس والأيدلوجيات إنما يدور حول أيها, بفكرها وأيدلوجيتها, أكثر كفاءة في تحقيق هذا الهدف النهائي من غيرها, مع اختلاف حول الأولويات والأهمية النسبية لكل من عنصري هذا الهدف النهائي وهما النمو من ناحية وعدالة توزيع العائد من ناحية أخري.
وفي ظل نظام ديمقراطي حقيقي, وهو ما نتوقعه

من الطبيعي أن تتعدد المدارس والأيدلوجيات في مصر بتعدد الأحزاب, والذي يحسم الاختيار بينها هو صندوق الانتخابات.. وأيا كان الفائز, فإن السياسات الاقتصادية التي يقوم بتطبيقها, وإن كان من الطبيعي أن تعكس ما يؤمن به من فكر وأيدلوجي, إلا أن نجاح هذه السياسات لابد وأن يرتكز علي حقائق الاقتصاد المصري وما يتوافر له من موارد, وأن تتوافق هذه السياسات مع طبيعة ومقتضيات المرحلة التي يمر بها الاقتصاد..

فالسياسات الاقتصادية أيا كانت المدرسة أو الأيدلوجي التي تستند إليها, لايمكن أن تتجاهل الواقع..

فاليمين قد يري أن فكر وأيدلوجية حرية السوق أكثر كفاءة لتحقيق الهدف النهائي من نمو وعدالة

بينما قد يري اليسار أن حرية السوق لاتعني بالضرورة كفاءته, وأن الدولة لابد وأن تتدخل لتقيم تلك المشروعات الاستراتيجية ذات العائد الاجتماعي الايجابي, التي قد لايقبل عليها القطاع الخاص لضآلة أو سلبية عائدها التجاري

كما تتدخل الدولة لتلعب دورا مؤثرا في توجه السوق وضمان كفاءته. ولكن سواء كان الفائز في الانتخابات هو اليمين أو اليسار أو الوسط, أيا منهم لابد وأن يقيم سياساته الاقتصادية علي ركائز تتفق مع حقائق الاقتصاد المصري..

ويصبح السؤال المهم الذي يطرحه هذا المقال هو: ماهي هذه الركائز التي تتفق مع حقائق الاقتصاد المصري في مرحلة ما بعد الثورة, والتي يتعين أن يستند عليها متخذ القرار الاقتصادي في مصر, بعد الانتخابات القادمة أيا كان فكره أو أيدلوجيته؟


إن نقطة البداية في تحديد هذه الركائز تتمثل في التعرف علي ما يتمتع به الاقتصاد المصري من موارد وميزات نسبية. وهنا نجد أن أهم الحقائق الأساسية أن الاقتصاد المصري لا يتمتع بوفرة من الموارد الطبيعية.. فالمياه وهي مصدر كل شيء حي أصبحت محدودة لا تسمح كثيرا بالتوسع الأفقي, بإضافة المزيد من الأراضي لزراعتها, والميزان التجاري للبترول ومنتجاته يتجه لغير صالح الاقتصاد المصري, وإذا كان هناك فائض من الغاز الطبيعي, فإن الاحتياجات المستقبلية آلية محليا تزداد بمعدلات عالية.. كما لايوجد لدينا ثروات طبيعية أخري من المعادن والمواد الخام بمقادير تسمح لبعض منها بتغطية احتياجاتنا المحلية, أو بتصدير الفائض من بعضها الآخر بكميات كبيرة مؤثرة.. ولكن إذا كان الاقتصاد لايتمتع بوفرة من الموارد ا لطبيعية, فإنه يتمتع بوفرة في القوي البشرية..

ومن مسلمات الفكر الاقتصادي التنموي الحديث أن التنمية هي الانسان.. بمعني أن العنصر الأساسي للتنمية, هو الانسان المبتكر الخلاق القادر علي تحويل الفكرة إلي حقيقة علي أرض الواقع, والذي يتمتع بكفاءة إنتاجية عالية.. وأن أهمية هذا العنصر تفوق أهمية العناصر الأخري من رأس مال وأرض.. الخ.


وإذا كانت هذه هي إحدي أهم حقائق الاقتصاد المصري, فإن أية سياسات اقتصادية, وأيا كان الفكر الأيدلوجي, لابد وأن تحدد أولوياتها لتستفيد بما يتوافر لديها من قوي بشرية علي أفضل وجه.. وهنا تأتي أهمية الركيزة الأولي وهي التعليم,, فالعنصر البشري يصبح عديم الجدوي بدون نظام تعليمي متقدم, بل وبدونه يصبح هذا العنصر بجهله وأميته عبئا علي الاقتصاد لعدم أو ضعف انتاجيته.

وعندما نتحدث عن نظام تعليمي متقدم فإننا نركز علي العناصر الأساسية لهذا النظام التعليمي وهي التعليم العام والجامعي والفني, والتدريب والتأهيل, وأخيرا وليس آخرا البحث العلمي. أن تحقيق نظام تعليمي متقدم بعناصره الثلاثة الرئيسية هذه, من شأنه أن يرتفع بجودة العنصر البشري وزيادة انتاجيته مما يزيد من مساهمته في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.


ويبقي السؤال.. هذا العنصر البشري الذي ارتفعت جودته وانتاجيته من خلال نظام تعليمي متقدم, يمكن توظيفه علي نحو يحقق تعظيم العائد منه؟ وهنا نجد أن التصنيع بمفهومه الشامل هو المجال الرئيسي للاستفادة علي أفضل وجه من القوي البشرية ذات الجودة والانتاجية العالية, التي يتيحها نظام التعليم المتقدم. وعندما نتحدث عن التصنيع بمفهومه الشامل فإننا نعني التصنيع ليشمل القطاعات الأخري, فالتصنيع إحدي الوسائل المهمة لتنمية وزيادة الفائض في القطاع الزراعي عن طريق توفيره لمستلزمات الانتاج من أسمدة وبذور ومبيدات, وبما يحققه من ميكنة واستخدام لوسائل الري الحديثة الموفرة للمياه النادرة.. الخ, ومن خلال تصنيع المنتج الزراعي تتحقق الزيادة في قيمته المضافة.. ولكن يبقي العمود الفقري لنهضة صناعية شاملة هو تطوير الصناعات التحويلية, التي لابد وأن تحظي بأولوية قصوي, شأنها شأن التعليم, إذ أن هناك تكاملا وتزاوجا قويا وضروريا بين التعليم والتصنيع.


وبدون الدخول في الكثير من التفاصيل فإن ما نريد أن نؤكده في هذا المقال أمران: الأول أنه لاتوجد دولة توصف بأنها متقدمة إلا إذا كانت دولة صناعية ومتقدمة علميا, والثاني هو ضرورة أن نقوم في مصر بوضع خطط واضحة وواقعية لكيفية تحقيق التزاوج بين النهضة التعليمية والتصنيع مما يحقق أكبر عائد لاقتصاد ما بعد الثورة من خلال تكاملهما.. هذه الخطط لابد وأن تتضمن إعطاء هذين القطاعين الأولوية القصوي في تخصيص الموارد, وأن يخطط نظام التعليم ليخدم قطاع الصناعة وفقا للمرحلة التي يمر بها الأخير, وأن نخطط لقطاع الصناعة ليوفر فرص التشغيل لناتج النظام التعليمي المتقدم.. فإذا أسفرت الدراسات في مصر علي أن العشر سنوات القادمة تتطلب علي سبيل المثال التقليل من معدلات البطالة بين الشباب وارساء قواعد النهضة التكنولوجية, فإن خطط التصنيع يتعين عليها المزج بين الصناعات كثيفة العمل وتلك التي تعتمد علي التكنولوجيا المتقدمة, وإذا أقرت هذه الخطط فإن أجهزة الدولة المختلفة لابد وأن تتبني تنفيذها, وأن تضع في مقدمة أولوياتها ضرورة نجاحها..

وهنا تأتي أهمية الديمقراطية وقدرة السلطة التشريعية علي القيام بوظيفتها الأساسية في الرقابة والتشريع, وعلي نحو فعال بما يحقق نجاح هذا التزاوج بين التعليم والتصنيع.

 

 

المصدر: د - مصطفى السعيد
belovedegypt

مصرنا الحبيبة @AmanySh_M

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

475,205

عن الموقع

الموقع ملتقى ثقافي يهتم بالثقافة والمعرفة في كافة مجالات التنمية المجتمعية ويهتم بأن تظل مصرنا الحبيبة بلدآ يحتذى به في القوة والصمود وأن تشرق عليها دائمآ شمس الثقافة والمعرفة والتقدم والرقي

وليعلو صوتها قوياّ ليسمعه القاصي والداني قائلة

إنما أنا مصر باقية

مصرالحضارة والعراقة

مصرالكنانة  

 مصر كنانة الله في أرضه