المبحث السابع والعشرون - القولُ بالموجبِ
*- تعريفُه: هو أن ْيحملَ كلامُ الغيرِ على خلافِ مرادهِ ، وهو نوعان:
الأولُ- أن يقع َفي كلامِ الغيرِ إثباتُ صفةٍ لشيءٍ وترتيبِ حكم ٍعليها، فينقلُ السامعَ تلكَ الصفة َإلى غير ذلكِ الشيءِ من غيرِ تعرَّضٍ لثبوتِ ذلك الحكمِ له أو انتفائهِ عنهُ ، كقوله تعالى عن المنافقينَ: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (8) سورة المنافقون ،فالمنافقونَ أرادوا بالأعزِّ أنفسَهم، وبالأذلِّ المؤمنينَ ورتبوا على ذلكَ الإخراجُ من المدينةِ، فنقلتْ صفة ُالعزةِ للمؤمنين، وأبقيتْ صفةُ الأذلية ِللمنافقين، من غير تعرُّضٍ لثبوتِ حكمِ الإخراجِ للمتصفينَ بصفة ِالعزة ِو لا لنفيهِ عنهُم.
والثاني- حملُ لفظٍ وقعَ في كلامِ الغيرِ على خلافِ مرادهِ بذكرِ متعلَّقِ له كقول الشاعر:
وإخوَانٍ حسِبتهُمُ دُرُوعاً ... فكانوها ولكنْ للأَعَادِي
وخلتُهُمُ سِهاماً صائِباتٍ ... فكانوها ولكنْ في فُؤادِي
وقالوا قد صَفَتْ منَّا قُلوبٌ ... لقدْ صَدَقوا ولكنْ من ودَادِي
وقالوا قدْ سَعينَا كلّ سَعْيٍ ... لقدْ صَدَقوا ولكنْ في فَسادِي
فإنهم أرادوا الخلوصَ له، فحملهُ الشاعرُ على الخلوّ من ودادهِ.
وكقول الشاعر:
قُلْتُ :ثَقَّلْتُ إذْ أَتَيْتُ مراراً ... قالَ: ثَقَّلْتَ كاهِلِي بالأَيادِي
قلتُ: طَوَّلْتُ قالَ :لا بل تَطَوَّ ... لتُ وأَبرمتُ قالَ :حَبْلَ ودادِي
والاستشهادُ بقوله ثقلتُ وأبرمتُ دون قوله طولتُ.
ومنه قول القاضي الأرجاني :
غالطتني إذْ كستْ جسمي الضَّنا ... كسوةً عرَّت منَ اللحمِ العِظاما
ثمَّ قالتْ أنتَ عندي في الهوَى ... مثلُ عيني صدقَتْ لكنْ سِقاما
ولابن الدويدة المغربي من أبيات يخاطب بها من أَودع قاضياً مالاً فادَّعى ضياعه فقال :
إنْ قالَ قدْ ضاعَتْ فيصدُقُ أَنَّها ... ضاعَتْ ولكنْ منكَ يَعني لوْ تعي
أَو قالَ قد وَقَعَتْ فيصدُقُ أَنَّها ... وقَعَتْ ولكنْ منهُ أَحسَنَ موقعِ
==================


