المبحثُ الخامس-  حُسْنُ التعليلِ

 

*- تعريفُه : هو أن ينكرَ الأديبُ صراحةً، أو ضمناً، علةَ الشيءِ المعروفةِ، ويأتي بعلةٍ أخرى أدبيةٍ طريفةٍ، لها اعتبارٌ لطيفٌ، ومشتملةٌٌ على دقةِ النظرِِ، بحيثُ تناسبُ الغرضَ الذي يرمي إليه، يعني أنَّ الأديبَ: يدّعي لوصفٍ علّةً مناسبةً غيرَ حقيقيةٍ، ولكنَّ فيها حسناً وطرافةً، فيزداد بها المعنى المرادُ الذي يرمي إليه جمالاًً وشرفاً ،كقول المعري في الرثاء :

وما كلْفةُ البَدْر المُنير قديمةً ولكنها في وجْههِ أثرُ اللَّطم

يقصدُ: أنَّ الحزنَ على (المرثي) شملَ كثيراً من مظاهر الكون، فهو لذلك: يدَّعي أنَّ كُلفة البدر (وهي ما يظهر على وجهه من كُدرة) ليستْ ناشئةً عن سبب طبيعيٍّ، وإنما هي حادثةٌ من (أثر اللطم على فراقِ المرثي) .

ومثله قول الشاعر الآخر :

أَما ذُكاءُ فَلمْ تَصْفَرَّ إذْ جَنَحَتْ … …إلا لِفُرْقَةِ ذَاكَ الْمَنْظَر الْحَسَن

يقصدُ: أنَّ الشمسَ لم تصفرَّ عند الجنوحِ إلى المغيب للسببِ المعروفِ ولكنها (اصفرتْ مخافةَ أنْ تفارقَ وجهَ الممدوحِ) .

 ومثله قول الشاعر الآخر:

ما قصرَ الغَيْثُ عن مصرٍ وترْبتها ... طبعاً ولكنْ تعدَّاكم من الخَجَلِ

ولا جَرَى النِّيلُ إلاَّ وهو معترفٌ ...   بسبقكمْ فلذَا يَجْري على مَهْلِ

ينكرُ هذا الشاعرُ: الأسبابَ الطبيعيةَ لقلةِ المطر بمصر، ويلتمسُ لذلك سبباً آخر: وهو (أنَّ المطرَ يخجلُ أنْ ينزلَ بأرضٍ يعمُّها فضلُ الممدوحِ  وجودُه) لأنهُ لا يستطيعُ مباراتهِ في الجودِ والعطاءِ.

 ولا بدَّ في العلةِ أن تكون ادعائية، ثم إنَّ الوصفَ أعمُّ من أنْ يكونَ ثابتاً فيقصدُ بيانُ علته، أو غيرُ ثابتٍ فيرادُ إثباتُه.

وهذا الوصفُ الذي يدَّعَى له العلةَ واحدٌ من أمرين : ثابتٌ وغيرُ ثابتٍ

الأولُ- الثابتُ وهو نوعان :

(أ)- وصفٌ ثابتٌ غيرُ ظاهر العلَّة – كقول الشاعر:

بينَ السيوفِ وعينيها مشاركةٌ     من أجلِها قيلَ للأجفانِ أجفانُ

وقول الشاعر :

زَعَمَ البنفسجُ أنه كعِذاره ... حُسناً فسلُّوا من قفاه لسانَهُ

فخروجُ ورقةِ البنفسجِ إلى الخلفِ لا علَّة له، لكنه ادَّعى أنَّ علَّته الافتراءُ على المحبوبِ.

(ب) - وصفٌ ثابتٌ ظاهرُ العلةِ، غيرُ التي تذكَرُ، كقول المتنبي :

ما بهِ قَتْلُ أعاديهِ ولكِنْ     يَتّقي إخلافَ ما ترْجو الذّئابُ

فإنَّ قتلَ الملوكِ أعداءَهم في العادةِ لإرادةِ هلاكهِم وأنْ يدفعوا مضارَّهم عنْ أنفسهِم حتى يصفوَ لهم ملكهُم من منازعتهِم ، لا لما ادعاهُ من أنَّ طبيعةَ الكرمِ قدْ غلبتْ عليهِ، ومحبَّتُهُ أنْ يصدقَ رجاءَ الراجينِ بعثتَهُ على قتلِ أعدائهِ لما عُلم أنهُ لمَّا غدا للحربِ غدتِ الذئابُ تتوقعُ أنْ يتسِعَ عليها الرزقُ من قتلاهُم، وهذا مبالغةٌ في وصفهِ بالجودِ، ويتضمَّنُ المبالغةَ في وصفهِ بالشجاعةِ على وجهٍ تخييليٍّ أي تناهَى في الشجاعةِ حتى ظهرَ ذلكَ للحيواناتِ العُجم ،فإذا غدا للحربِ رجتِ الذئابُ أنْ تنالَ منْ لحومِ أعدائهِ ،وفيه نوعٌ آخرُ من المدحِ، وهو أنه ليسَ ممنْ يسرفُ في القتلِ طاعةً للغيظِ والحنقِ .

والثاني – وصفٌ غيرُ ثابتٍ، وهو نوعانِ :

(1)- إمَّا ممكنٌ ، كقول مسلم بن الوليد :

يا واشِياً حَسُنَتْ فينَا إِسَاءَتُهُ ... نَجَّى حِذَارُكَ إِنْسَانِى مِنَ الغَرَق

فاستحسانُ إساءة الواشي ممكنٌ، ولكنه لما خالفَ الناسَ فيه، عقبهُ بذكرِ سببه، وهو أنَّ حذاره منِ الواشي منعَه من البكاءِ، فسلمَ إنسانُ عينهِ من الغرقِ في الدموعِ. وما حصلَ ذلك فهو حسنٌ

(2) وإما غير ممكن – كقول الخطيب القزويني  :

لَوْ لَمْ تكنْ نِيَةُ الجَوْزاءِ خِدْمَتَهُ ... لَمَا رَأَيْتَ عليها عِقْدَ مُنْتَطِقِ

فقد ادّعى الشاعرُ: أنّ الجوزاءَ تريدُ خدمةَ الممدوحِ، وهذه صفةٌ غيرُ ممكنةٍ، ولكنه علّلها  بعلةٍ طريفةٍ، ادَّعاها أيضاً ادّعاءً أدبياً مقبولاً ،إذ تصوَّر أنَّ النجومَ التي تحيطُ بالجوزاء، إنما هي نطاقٌ شدَّته حولَها على نحو ما يفعلُ الخدمُ، ليقوموا بخدمةِ الممدوحِ .

------------------

 الأسئلةُ :

<!--عرفْ حسنَ التعليل  وهاتِ مثالا عليه

<!--الوصفُ الثابتُ نوعان عرِّفهما وهاتِ مثالاً على كلِّ نوع منهما

<!--الوصفُ غيرُ الثابتِ نوعانِ هاتِ مثالا  على كلِّ نوع منهما

 

****************

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 18 مشاهدة
نشرت فى 2 أكتوبر 2025 بواسطة asmaalkhwas

اسماء محمد الخواص

asmaalkhwas
مرحباً بك في عالم المعرفة، بوابتك الشاملة نحو التعلم المستمر. قصتنا بدأت بإيمان عميق بأن التعليم هو المفتاح لفتح آفاق جديدة. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

14,359