في تمام ساعة الألم بالضبط؛ استيقظت خاليا تماما من الأحلام، أودعتها قبل الفجر لوسادتي التي تتحملني و هرائي كل ليلة ، أداوم على هذه العادة منذ مدة طويلة.
تقترب مريم مثل ملاك بابتسامتها البريئة و العفوية، و تنسخ قبلة من خدي، و كأنها تنتشل روحي؛ فأنسل بدوري نحو معصمها لأكون سوارا يحرسها، تهمس برقة و دلال: أبي؛ لا تنس أن تحضر لي لوحة؛ فعصّوم يمتلك واحدة..
غرفت من براءتها حفنة أمل، و حملت نفسي المتآكلة قاصدا مصنع الألمنيوم؛ أعدها ليوم متعب من العمل. حيث تم تهميشي بصمت قاتل، صوتي ضائع وسط ضجيج ا
لماكينات، أزيز المحركات يشتت بحة أحلامي، و الأفران تحرق أيامي القادمة. الزمن بالنسبة لي؛ هو جدول من الأتعاب، و قائمة من المسؤوليات المتنامية.
أحمل حقيبة ذكريات أرهقت كاهلي..
صورا راكدة.. أحلاما من زمن الطفولة، و بعض الطموح الهش.. انهارت كلها يوم تسلمت شهادة؛ كنت أحسبها مفتاح النجاح، و لكنني اصطد
مت بجدار؛ اتكأت عليه زمنا ليس بقصير، أقارع البطالة و أنواع الذل.. يوما بعد يوم و كأن الزمن يتناسل بداخلي مثل جراثيم متعفنة؛ أراني أقترب ببطء من حافة الانهيار، مثل ناطحة سحاب أرهقها الوقوف، كحبة تفاح أنهكتها الجاذبية، فتخلصت الأشجار من حمولتها، إنه موسم الخريف؛ يرفض الانسحاب، يتناسل بداخلي؛ مثل فطريات متعفنة تنتظر احتضاري.
يقتات الحديد من إنسانيتي، يزحف
نحو عنقي، يشدد من حصاره، إنه عصر الحديد و المعادن، لا مكان للتراب، الطين فقد جرأة الرقص للمطر، تبا للاحتباس الحراري... المخلوقات المعدنية أصبحت تفوقنا، بعضها مصمم للحروب، و بعضها مصمم للتجسس
على همس القلوب الخائفة، حتى المواعيد ترتبها الكهرباء المخزنة، و تختفي ملامح البشر خلف سماعات تسرق لحظات الاحتكاك..
-اليوم هو موعد تسلم الأجور.. ق
الها زميل عملي؛ و الحس
رة تقضم ملامح وجهه، يرغم عينيه على الفرح، يعتصر ابتسامة سرعان ما تتحول لألم ي
قتات اللحظة.
-القابض على أجره مثل القابض على الجمر.. أردف قائلا بحزن و صوته يفتت حلقه.
-و أنت، هل نجحت في مسابقة التعليم؟.. و كأنه أراد اقتسام الألم، يدفعني نحو الصراخ، نحو البكاء..
-يبدو أنني سأدفن بين ركام من حديد
..
-سيكون شاهدك قطعة من خردوات،
و ربما عجلة سيارات مستوردة.. على الأغلب سيكون بيتك الأخير بعرض شبر.
أخذت نفسي، و أنا أجهز جسدي المنهك لإتمام بعض الأعمال، لأصنع قالبا معدنيا لأعمدة الأ
لمنيوم، وضعت قطعة الحديد في آلة التآكل الكهربائي، غريبة هذه الكهرباء، تنهش الحديد ببطء حتى تضع بداخله بصمة مصممة مسبقا، و بذلك تسمح
للألمنيوم الذي يكون مثل عجينة للنفاذ من خلال مخرج على أشكال كثيرة، بعضها ستكون واجه
ة، تعرض فيه أجساد بلاستيكية، كم هي جميلة الإناث البلاستيكية، مسالمة و سهل جدا التحدث إليهن.
لا أعلم من كان يتآكل منا، هل الحديد أم داخلي المحطم؟.. أتجاوز المكان نحو الماضي على سلم الوقت، هل كان أنشتاين محقا عندما اكتشف نظرية ال
نسبية؟، و هل هو صحيح أن السفر في الزمن ممكن، لو أني أذهب نحو زمن التقاء والدي بوالدتي، كنت سأزيح فكره نحو امرأة أخرى، و حتما سأغري أمي برجل آخر، فقط حتى لا أوجد هكذا و هنا تحديدا... و ماذ
ا لو سافرت نحو المستقبل، نحو مصيري... سأذهب لأستطلع ياسين كيف سينال جائزة نوبل في
الفيزياء، و هو يهيل مسؤوليه بنظرات عتاب و لوم، استهزاء.. سأحلم.. و أدعي أنني ركبت صهوة الزمن، سأعاقب من تسبب في مشاكلي، سأتصو
رني رئيسا، و أعاقب الفاسدين.. ماذا لو تعطلت آلة الزمن، و توقف بي الرحيل في قبيلة من ال
نساء، و أكون أميرا لمدينة نقية.. مدهش هو السفر في مكانك؛ دون حاجة لتأشيرة لدخول عوالم الخيال...
أيقظني من رحلتي صديقي و هو يصيح علي:
-لقد أتى المحاسب..
نعم هو موعد قبض الأجور، أمسكت أجري و الذي بدى ناقصا، تناولت كشف الأجر، لأندهش
أنه تم محاسبتي على أساس 30 يوما عوض 31.
سألت المحاسب عن السبب:
-أليست الأجرة لشهر أكتوبر؟..
أجاب بثقة و فمه مملو
ء بالقذارة:
-إنه قانون جديد..
أصبت بصدمة، و كدت أخرج من حالة الهدوء.. لولا صراخ و صياح.. سارعنا بالركض نحوه
و هو يحوم مثل نسر، رأسه
يتدلى نحو الأسفل، يقفز أحيانا و أحيانا أخرى يضرب برجله الأرض.. أرانا يده التي كانت محترقة جراء إمساكه قالب حديد ساخن.. كان قد أوتي به لتصح
يح بعض العيوب به؛ و هو ما يزال ساخنا..
-500 درجة و لم تنتبه له.. قالها أحد الحا
ضرين، و همس آخر في أذني:
-كان في حديث حميمي مع إحدى الفتيات، و ما أن أقفل النقال حتى أمسك القالب.
أجبته: أيهم ساخن؛ حديث حبيبته، أم القالب... فأردف: أعتقد أنها أجرته هي الأعلى غليانا من بين الجميع.
***************
***** النقد: للكاتب عبدالله خزعل النقد
كائنات معدنية
عتبة العنوان بما لها من كاشفية وسعة أفق تحيلنا إلى خيال واسع وتكهنات كثيرة،إذ من الممكن أن القاص يريد بهذا العنوان لغة المجاز أو ما يسمى بالانزياح .هياكل معدنية :عنوان فيه من لغة الرمز الكثير وسوف نرى أنّ الهياكل التي يتحدث عنها القاص تتكثر عناوينها بين الآلة المعدنية والآلة البشرية والتي أصبحت مطيعة للآلة المعدنية واتّحدت معها في نفس القالب.أو أن القاص يحيلنا إلى حالة تبلد المشاعر الإنسانية إثر حالة المجاورة بين الإنسان وبين الآلة ولعلّ هذه من الحالات النفسية التي يتعرض إليها علماء النفس،ويتناولونها بالدراسة والتحليل ويخلصون إلى نتيجة مفادها تأثير المحيط الذي يعيش فيه الإنسان على مجموع تصرفاته ومشاعره وإن كان هذا التأثير بالجملة .المهم أن عتبة العنوان فيها من الرمزية ما يجعلها عنواناً يتحمل مختلف القراءات.
القصة يمكن النظر إليها عبر تقطيعها إلى لقطات سيمية متعددة وحسب المقاطع التركيبية وكالآتي:
1- المقطع الأول الأسلوب الحكائي الذي بدأ به القاص سرده على لسان بطله والذي ينتهي عند عبارة :أبي على لسان ابنته الصغيرة.المقدمة تبين الحالة الحياتية المتكررة والتي يعيش فيها البطل وما ولّدته له من حالة امتعاض وكآبة من تشابه أيامه وعدم وجود جديد فيها،حتى رأيناه يسمي الساعة التي يذهب بها إلى عمله ساعة الألم... )) في تمام ساعة الألم بالضبط؛ استيقظت خاليا تماما من الأحلام، أودعتها قبل الفجر لوسادتي التي تتحملني و هرائي كل ليلة ، أداوم على هذه العادة منذ مدة طويلة. تقترب مريم مثل ملاك بابتسامتها البريئة و العفوية، و تنسخ قبلة من خدي، و كأنها تنتشل روحي؛ فأنسل بدوري نحو معصمها لأكون سوارا يحرسها، تهمس برقة و دلال))
إذا هي اللقطة الأولى من مجموع اللقطات التي سجلتها كامرة المراقبة الإنسانية في هذا النص ،ولها حيثيات كثيرة يمكن إجمالها في ما يلي:
أ- إنسان خالٍ من الطموح والحلم الذي يمكن تجسيده على أرض الواقع لأسباب كثيرة جداً وسوف نرى في بقية هذه القصة الأسباب مفصلة وكما يرويها القاص على لسان بطله.
ب- الحالة المعنوية والتي هي انعكاس للحالة المعيشية للبطل وكيف وصلت به الأمور أنه لا يستطيع تحقيق أمنية بسيطة لطفلته البريئة.
ت- شعور الأب والذي عبر عنه بلغة انزياحية جميلة بكلمات أنيقة وقد رأيناه بعد اقترابها منه كملاك بريء يطبع قبلة على خدّه ينسل نحو معصمها ليكون سواراً يحرسها ولقد أجاد بلغة المجاز وبعث لنا صوراً جديدة في التشبيه ولغته الجميلة.
2- المقطع الثاني يبدأ من حوار الطفلة الصغيرة مع أبيها الشخص الرئيسي في القصة((أبي؛ لا تنس أن تحضر لي لوحة؛ فعصّوم يمتلك واحدة.. غرفت من براءتها حفنة أمل)).ربما هي كلمات قليلة ولكنها تحمل معاناة كبيرة لرجل سوف يسرد علينا معاناته بشكل يعتبر هو مصداق لكلّ الصور التي تشبه هذه الصورة والتي سوف يجسدها السرد المتبقي لبطل القصة. اللقطة في المقطع الثاني يبين لنا صورة الطفلة البريئة والتي حمّلت أباها أمنية صغيرة ((لوحة)) لأنّ الطفل عصّوم يمتلك واحدة .أمام حسرة أبيها وعجزه وعدم اعترافه بالفشل أمامها على الأقل يجدد في نفسه الأمل علّه يستطيع تحقيق رغبتها ((غرفتُ من براءتها حفنة أمل)).
3- المقطع الثالث طويل نسبياً وهو المفصل الرئيسي في القصة فهاهو البطل يتحدث عن معاناته بعد أن تصور أنه اقترب من تحقيق أمله بامتلاك شهادة الهندسة الزراعية والتي لم يصرح بها ولكنها واضحة من قوله)) إنه عصر الحديد و المعادن، لا مكان للتراب، الطين فقد جرأة الرقص للمطر))..لذا فإن البطل يسرد كلّ معاناته أمام ذاكرته التي أيقظتها ابنته الصغيرة بطلبها البريء((و حملت نفسي المتآكلة قاصدا مصنع الألمنيوم؛ أعدها ليوم متعب من العمل. حيث تم تهميشي بصمت قاتل، صوتي ضائع وسط ضجيج الماكينات، أزيز المحركات يشتت بحة أحلامي، و الأفران تحرق أيامي القادمة. الزمن بالنسبة لي؛ هو جدول من الأتعاب، و قائمة من المسؤوليات المتنامية. أحمل حقيبة ذكريات أرهقت كاهلي.. صورا راكدة.. أحلاما من زمن الطفولة، و بعض الطموح الهش.. انهارت كلها يوم تسلمت شهادة؛ كنت أحسبها مفتاح النجاح، و لكنني اصطدمت بجدار؛ اتكأت عليه زمنا ليس بقصير، أقارع البطالة و أنواع الذل.. يوما بعد يوم و كأن الزمن يتناسل بداخلي مثل جراثيم متعفنة؛ أراني أقترب ببطء من حافة الانهيار، مثل ناطحة سحاب أرهقها الوقوف، كحبة تفاح أنهكتها الجاذبية، فتخلصت الأشجار من حمولتها، إنه موسم الخريف؛ يرفض الانسحاب، يتناسل بداخلي؛ مثل فطريات متعفنة تنتظر احتضاري. يقتات الحديد من إنسانيتي، يزحف نحو عنقي، يشدد من حصاره، إنه عصر الحديد و المعادن، لا مكان للتراب، الطين فقد جرأة الرقص للمطر، تبا للاحتباس الحراري... المخلوقات المعدنية أصبحت تفوقنا، بعضها مصمم للحروب، و بعضها مصمم للتجسس على همس القلوب الخائفة، حتى المواعيد ترتبها الكهرباء المخزنة، و تختفي ملامح البشر خلف سماعات تسرق لحظات الاحتكاك..((مقطع فيه عدّة لقطات رائعة يمكن تعدادها:
أ- ((نفسي المتآكلة)) ...وهنا اقترب البطل من تشبيه نفسه بمعدن متآكل وهذا قد قلنا عليه من أثر المجاورة مع الماكنة والتي ألقت بظلالها حتى على تفكير البطل.إذ إن التآكل خاصية الأجسام المعدنية لا غير.
ب- ((تهميشي بصمت قاتل))... حالة أخرى من حالات الشكوى والإحساس بالتغييب والضياع في مجتمع الآلة لو صحّ التغبير.
ت- ((صوتي ضائع وسط ضجيج الماكينات، أزيز المحركات يشتت بحة أحلامي، و الأفران تحرق أيامي القادمة.))صورٌ كلها متداخلة وتؤدي نتيجة واحدة مع الرّد العكسي على حياة البطل.
4((هو جدول من الأتعاب، و قائمة من المسؤوليات المتنامية. أحمل حقيبة ذكريات أرهقت كاهلي.. صورا راكدة.. أحلاما من زمن الطفولة، و بعض الطموح الهش.. انهارت كلها يوم تسلمت شهادة؛ كنت أحسبها مفتاح النجاح، و لكنني اصطدمت بجدار؛ اتكأت عليه زمنا ليس بقصير، أقارع البطالة و أنواع الذل.. يوما بعد يوم و كأن الزمن يتناسل بداخلي مثل جراثيم متعفنة؛ أراني أقترب ببطء من حافة الانهيار، مثل ناطحة سحاب أرهقها الوقوف، كحبة تفاح أنهكتها الجاذبية، فتخلصت الأشجار من حمولتها، إنه موسم الخريف؛ يرفض الانسحاب، يتناسل بداخلي؛ مثل فطريات متعفنة تنتظر احتضاري. يقتات الحديد من إنسانيتي، يزحف نحو عنقي، يشدد من حصاره، إنه عصر الحديد و المعادن، لا مكان للتراب، الطين فقد جرأة الرقص للمطر، تبا للاحتباس الحراري... المخلوقات المعدنية أصبحت تفوقنا، بعضها مصمم للحروب، و بعضها مصمم للتجسس على همس القلوب الخائفة، حتى المواعيد ترتبها الكهرباء المخزنة، و تختفي ملامح البشر خلف سماعات تسرق لحظات الاحتكاك))
لقطات سريعة وأحداث متلاحقة تحركها الذكريات لتصلَ إلى قمة الهرم المأساوي في حياة قلقة ...بدأها بلقطة سيمية بها ومعها حصل الانهيار التام لكلّ طموحاته التي نمت في داخله من مراحله العمرية السابقة على يوم نيله لشهادته والتي كانت حبراً على ورق في مجتمع فضل الآلة على الإنسان.بلغ أوجها تصرح البطل بأن هذه الماكنة أو الآلة أصبح لها الريادة في حياة الإنسان((المخلوقات المعدنية أصبحت تفوقنا، بعضها مصمم للحروب، و بعضها مصمم للتجسس على همس القلوب الخائفة، حتى المواعيد ترتبها الكهرباء المخزنة، و تختفي ملامح البشر خلف سماعات تسرق لحظات الاحتكاك))وصف دقيق لحالات يُنتزع فيها الطموح البشري ويحلّ محله الفكر الآلي لو صحّ التعبير.
5- ((اليوم هو موعد تسلم الأجور.. قالها زميل عملي؛ و الحسرة تقضم ملامح وجهه، يرغم عينيه على الفرح، يعتصر ابتسامة سرعان ما تتحول لألم يقتات اللحظة. -القابض على أجره مثل القابض على الجمر..)) لقطة إنسانية أخرى وشخص جديد في قائمة أبطال السرد وإن كان شخصاً ثانوياً إلا إنه يعتبر ذا دور أساسيّ في إثارة مشاعر بطل القصة واسترساله فيما بعد بشرح الحالة الإنسانية المعقدة. صورة مؤلمة لحظة استلام الأجر بعكس صورة الفرح والتي يجب أن تكون حاضرة في مثل تلك المواقف ولكن الأجر يكاد لا يسدّ رمق العيش ولا يكفي لتحقيق أمنية صغيرة كجلب لوحة لطفلة بريئة.فكانت عبارة السارد((القابض على أجره مثل القابض على الجمر)) هي قمة في التعبير عن حجم المأساة التي يمرّ بها البطل ونظرائه كصديقه الذي رأيناه والعبارة لعل فيها تناص من حديثة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وهو يخبر عان آخر الزمان وأحوال الناس، ما في معناه((القابض على دينه كالقابض على جمر)). 6- ((أردف قائلا بحزن و صوته يفتت حلقه. -و أنت، هل نجحت في مسابقة التعليم؟.. و كأنه أراد اقتسام الألم، يدفعني نحو الصراخ، نحو البكاء.. -يبدو أنني سأدفن بين ركام من حديد.. -سيكون شاهدك قطعة من خردوات، و ربما عجلة سيارات مستوردة.. على الأغلب سيكون بيتك الأخير بعرض شبر. أخذت نفسي، و أنا أجهز جسدي المنهك لإتمام بعض الأعمال، لأصنع قالبا معدنيا لأعمدة الألمنيوم، وضعت قطعة الحديد في آلة التآكل الكهربائي، غريبة هذه الكهرباء، تنهش الحديد ببطء حتى تضع بداخله بصمة مصممة مسبقا، و بذلك تسمح للألمنيوم الذي يكون مثل عجينة للنفاذ من خلال مخرج على أشكال كثيرة، بعضها ستكون واجهة، تعرض فيه أجساد بلاستيكية، كم هي جميلة الإناث البلاستيكية، مسالمة و سهل جدا التحدث إليهن. لا أعلم من كان يتآكل منا، هل الحديد أم داخلي المحطم؟..)) في هذا المقطع يسترسل القاص على وصف حالة شعورية حتى للأثاث البلاستيكية والتي كانت من صنع الآلة وبتأثير الكهرباء ((مسالمة وسهل جداً التحدث إليهن)) هنا نقف أمام الحالة اللاشعورية التي وصف بها البطل هذه الأدوات وهو يعكس حاله وسط الضجيج وعدم سماع صوته وتهميشه المطلق.سبقتها وصف البطل لما يمرّ به من روتين قاتل وتشابه عجيب لمطلق ساعاته وفي كلّ أيامه. 7- ((أتجاوز المكان نحو الماضي على سلم الوقت، هل كان أنشتاين محقا عندما اكتشف نظرية النسبية؟، و هل هو صحيح أن السفر في الزمن ممكن، لو أني أذهب نحو زمن التقاء والدي بوالدتي، كنت سأزيح فكره نحو امرأة أخرى، و حتما سأغري أمي برجل آخر، فقط حتى لا أوجد هكذا و هنا تحديدا... و ماذا لو سافرت نحو المستقبل، نحو مصيري... سأذهب لأستطلع ياسين كيف سينال جائزة نوبل في الفيزياء، و هو يهيل مسؤوليه بنظرات عتاب و لوم، استهزاء.. سأحلم.. و أدعي أنني ركبت صهوة الزمن، سأعاقب من تسبب في مشاكلي، سأتصورني رئيسا، و أعاقب الفاسدين.. ماذا لو تعطلت آلة الزمن، و توقف بي الرحيل في قبيلة من النساء، و أكون أميرا لمدينة نقية.. مدهش هو السفر في مكانك؛ دون حاجة لتأشيرة لدخول عوالم الخيال...)) من أجمل المقاطع التي قرأتها هذا المقطع والذي جعله القاص وسط كمٍّ هائل من صور المعاناة ولعلّه تكملة لجميع هذه الصور ولكن ببوحٍ يختلف ؛فهاهو البطل يتمنى أن يعود عبر الزمن ليصحح خطئاً جلب عليه المآسي ويتمنى أن يكون في مكان آخر ليحقق كلّ رغباته وأمنياته ولكن هل هذا ممكن ؟ إنّه الخيال الذي يجعلك تسافر دون تأشيرة الدخول لعوالمه المتعددة. 8-((... أيقظني من رحلتي صديقي و هو يصيح علي: -لقد أتى المحاسب.. نعم هو موعد قبض الأجور، أمسكت أجري و الذي بدى ناقصا، تناولت كشف الأجر، لأندهش أنه تم محاسبتي على أساس 30 يوما عوض 31. سألت المحاسب عن السبب: -أليست الأجرة لشهر أكتوبر؟.. أجاب بثقة و فمه مملوء بالقذارة: -إنه قانون جديد.. أصبت بصدمة، و كدت أخرج من حالة الهدوء.. لولا صراخ و صياح.. سارعنا بالركض نحوه و هو يحوم مثل نسر، رأسه يتدلى نحو الأسفل، يقفز أحيانا و أحيانا أخرى يضرب برجله الأرض.. أرانا يده التي كانت محترقة جراء إمساكه قالب حديد ساخن.. كان قد أوتي به لتصحيح بعض العيوب به؛ و هو ما يزال ساخنا.. -500 درجة و لم تنتبه له.. قالها أحد الحاضرين، و همس آخر في أذني: -كان في حديث حميمي مع إحدى الفتيات، و ما أن أقفل النقال حتى أمسك القالب. أجبته: أيهم ساخن؛ حديث حبيبته، أم القالب... فأردف: أعتقد أنها أجرته هي الأعلى غليانا من بين الجميع(( المقطع الأخير والذي يعني نهاية الرحلة اليومية لبطل أضحت أيامه متشابه ومعاناته متكثرة ... لقطات عديدة ابتدأها من لحظة إيقاظه من حلمه الجميل لوصول المحاسب الذي ضيّع عليهم يوماً كاملاً بحجة القانون الجديد والذي يرمز إلى قانون الغاب وقانون الأقوياء وتسلطهم على الضعفاء والفقراء.وهنا لم يستطع البطل الصبر على الضيم وكاد ينفجر بوجهه ولكن....؟؟ وهذا هو السؤال هل كان يستطيع أم أنه حاول ولكنّه أحجم عن ذلك لاعتبارات كثيرة أمام هذه التساؤلات لا يبقى احتمال آخر كما أراده القاص بقوله... .. ((لولا صراخ و صياح..)) إذ إنها حالة اتفاقية أي صدفة فلماذا لم ينفجر أو يخرج من حالة الهدوء تلك قبلها ....المهم النهاية كانت حادثة لأحدهم ولم نعرف ماهية الرجل ولكن الملاحظ إنه من الرجال المقربين لأصحاب العمل بدليل قول محاور البطل في النهاية ((أعتقد أنها أجرته هي الأعلى غليانا من بين الجميع((... ملاحظاتي: 1- القصة بالمنظور العام وبعيداً عن إشكالية الزمان والمكان تتحدث عن حالةٍ عامّة في زمن التطور التكنلوجي وغياب المشاعر والعواطف وتبلدها كما قلنا في وسط هذا الكم الهائل من المكننة والآلات . 2- الاسترسال الذي رأيناه لم يَخُلْ بالوحدة الموضوعية للبناء العام للقصة. 3- لغة القاص توزعت بين الوصف الدقيق لجميع حالات النفس في مراحل المعاناة التي يمرّ بها البطل وكذلك استخدم لغة الانزياح في بعض تشبيهاته وأحلامه وخياله. 4- توصيف العنوان كان رائعاً في جميع مفاصل القصة ومقاطعها. 5- لغة القاص في المحور الأفقي كانت سليمة وتربط بين عناصرها اللفظية علاقات كثيرة مقومة للبناء التركيبي لوحدة النص . 6- لغة الانزياح في المحور العمودي كانت حاضرة وبنسبة جيدة. 7- النهاية كانت لها ارتباط بالكائنات المعدنية فالمحايثة كانت المحور الرئيسي في لغة القاص وشكايته من هذه الكائنات المعدنية وما آلت إليه أموره المتدهورة. 8- الملاحظ أن النَفَسَ الروائي كان حاضراً لدى القاص رغم وضع قصته في خانة القصص القصيرة. أكتفي بهذا الكلام وأرجو ألا أكون قد قصّرت في تقييمي لهذا النص الباذخ والسرد الرائع.. تحياتي للقاص عبد الله خزعل بغداد 9/10/2015