
غياب القدوة ينسف جهد الطفل في الحفاظ على وزن مثالي
كثيرون هم الآباء الذين يشكون من زيادة وزن أبنائهم ومعاناتهم من السمنة. لكن قليلاً منهم فقط من يذكر أنه هو الآخر يعاني زيادة الوزن أو البدانة، ناسين أو متناسين أن الطفل يميل إلى تقليد أبويه في كل شيء، ويتجه إلى اعتبار أبويه قدوة له تؤثر سلوكاتُهما وأفعالُهما عليه أكثر بكثير مما تؤثر فيه أقوالهما. فكيف يسمح هؤلاء الآباء لأنفسهم بزيادة الوزن في حين يلومون أطفالهم على ذلك؟ ولم يستسهلوا مناداة الطفل بأوصاف قدحية مثل «البدين» أو «الدب» أو «البطة» أو غيره من المسبات الحاطة بكرامة بدنه؟ ولم يعتبروا زيادة الوزن أو السمنة نقيصة وليست مرضاً كغيره من الأمراض؟ هذا ما يحاول دليل جديد أصدره خبراء أميركيون الإجابة عنه عبر تقييم سلوكات الآباء والأبناء، وتحميل كل طرف المسؤولية في إنجاح أو إفشال عملية إنقاص الوزن ثم الحفاظ عليه، لا سيما الآباء باعتبارهم مؤثرين أكثر منهم متأثرين.
أظهرت دراسة جديدة أن الوقت الذي يقضيه الآباء الأميركيون في نُصح أبنائهم بالابتعاد عن السلوكات والعادات السيئة كالتدخين ومصاحبة رفقاء السوء أكثر بكثير من الوقت الذي يخصصونه في إرشادهم لتجنب الأطعمة غير الصحية المسببة للسمنة وزيادة الوزن. ويتساءل الباحثون الذين شاركوا في الدراسة عن السبب الذي يجعل الآباء يستثقلون الحديث إلى أبنائهم بشأن الوزن. فهل يصعب على الأب أو الأم مخاطبة الطفل بود «هذه الزوائد اللحمية في جسمك تجعل بدنك يعاني وصحتك تتضرر. دعنا نفكر معاً فيما يمكننا القيام به لتغيير ذلك»؟
تحد صعب
يبدو أن التمتع بوزن مناسب أو الحفاظ عليه هو تحد فشل فيه الكبار كما الصغار. ويقول هؤلاء الباحثون إن فداحة هذا الفشل تكمن في كونه حدث على جميع الصعد، بما فيها الثقافية والنفسية والعاطفية، فأضحى معظم الناس لا يجدون أي حرج في رفع الراية البيضاء، والإقرار بعجزهم عن إنقاص الوزن أو الحفاظ عليه.
وقد صدر مؤخراً دليل جديد موجه إلى الآباء خصوصاً يهدف إلى مساعدتهم على التواصل مع أبنائهم بشأن إنقاص الوزن عنوانه «كيف تنجح في التواصل مع أبنائك حول الوزن والصحة»، وهو إنتاج تشترك فيه رابطة «لنتحالف معاً من أجل وقف السمنة»، ورابطة «الجيل الأفضل لياقة». ويركز هذا الدليل على موضوع فرط الوزن باعتباره قضية صحية لا تتطلب بذل جهد فقط، بل معرفة إدارة هذا الجهد. ويقر الدليل بوجود عوامل عديدة تُسهم في إفشال خطط إنقاص وزن الأطفال، من بينها معاناة الآباء أنفسهم من زيادة الوزن أو السمنة وبالتالي غياب القدوة لدى الطفل، وعدم الإدراك الجيد لمقاييس مؤشر الكتلة الجسمية، وصورة الطفل عن جسمه، والتعرض للتنمر، علاوةً على الأنماط الثقافية التي تُفضل أصحاب الأجسام الضخمة حتى لو كانت متكرشة. وهذه الأنماط لا تصب طبعاً في مصلحة المقاربة البراجماتية المطلوبة والكفيلة بمساعدة الآباء على إقناع أبنائهم بالاهتمام بأوزانهم.
توحيد الهدف
يضرب الباحثون مثال الأسرة التي يوجد فيها طفل يتمتع بوزن مثالي وأخ له يعاني زيادة الوزن. ففي أسرة كهذه، يتكرر التحرش بالأخ زائد الوزن داخل البيت، ولا يدافع عنه في الخارج. ويدعم الدليل هذا الرأي بدراسة حديثة وجدت أن قرابة نصف الإناث وثلث الذكور من المصابين بزيادة الوزن سبق لهم التعرض لمضايقات من قبل أفراد أسرهم، وأقرانهم. ويقترح الدليل على كل أبوين يعيش أبناؤهما وضعاً كهذا أن يُنذرا الأخ الساخر والمؤذي بعدم تكرار الأمر وإلا فإنه سيواجه عقوبة حرمانه من أحد امتيازاته، ويواجهانه بتعاليق من قبيل «إن أختك تعاني زيادة الوزن، وهذا يضر بصحتها، تماماً كما تضر الأمراض التي تصيب بعض أصدقائك وتؤثر على صحتهم مثل الربو أو قلة التركيز أو فرط الحركة»، أو أي تعليق مبسط آخر يدفع الأخ السليم إلى الندم على ما صدر عنه تجاه أخته أو أخيه، ومساعدته على التعافي من «مرضه»، مستحضراً بالفعل أصدقاء مصابين بأمراض ما لكنهم متفوقون في دراستهم أو أذكياء جداً أو حنونين أو أعزاء إلى قلبه. فقدرته على الفصل العاطفي بين أي مرض- بما فيه السمنة أو زيادة الوزن- وتمتع المصاب به بميزات شخصية فريدة، تجعله يحترم المريض ويرفض التهكم على شكله، ويدافع عنه إن تعرض للتنمر أو التحرش. ومن ثم يبدأ الأخ في التفكير جدياً في طرق بسيطة لمساعدة نفسه وإخوته على الحفاظ على الوزن، ويغدو تبني نظام غذائي متوازن ونمط عيش صحي هدف يسعى إليه على قدم وساق كل أفراد الأسرة.
مرض لا عيْب
أشارت تقارير صحفية إلى أن الدليل التواصلي الذي صدر حديثاً هو زبدة ما توصل إليه خبراء طب الأطفال وعلماء نفس واجتماع واختصاصيو سمنة وممارسون ميدانيون، والأهم من كل هذا هو أن هؤلاء الخبراء يأخذون بعين الاعتبار تجاربهم مع أبنائهم ويستعينون بها في بحوثهم. ويختم الدليل بدعوة الآباء إلى ضرورة أن يغرسوا في الأبناء حب الشخص زائد الوزن أو البدين، ليس بدافع الشفقة أو الرأفة بحاله، ولكن بالنظر إلى خصاله الجيدة العديدة وشخصيته المحبوبة. كما يدعونهم إلى تجنب توجيه النقد اللاذع إلى الابن البدين بسبب وزنه، والحذر كل الحذر من نعته بأوصاف تعيب شكله كأن نقول له «أيها البدين!»، فهي تبعث إليه وإلى إخوته رسالة مفادها أن البدانة سبة شنيعة، ما يجعله يحتقر شكله وجسمه، وربما نفسه، والحال أن البدانة هي مرض كباقي الأمراض قابل للعلاج والتعافي. كما ينادي الباحثون الآباء بنهج أسليب توجيهية وإرشادية ذكية وحنونة تخلو من الصراخ في وجه الطفل للتوقف عن الأكل أو الحديث معه بغضب وتوتر، أو إشعاره بالذنب بسبب شكله، فجينات الأبوين في نهاية المطاف لها دور فيما يعانيه، وكميات ما تطبخه الأم داخل البيت لها دور، وقنينات المشروبات الغازية التي تمتلئ بها رفوف الثلاجة لها دور، واصطحاب الأبوين لأبنائهما نهاية كل أسبوع إلى مطعم للوجبات السريعة لها أيضاً دور. ولذلك فما من سبيل لمساعدة الأبناء على إنقاص أوزانهم ثم الحفاظ عليها إلا التواصل الإيجابي البناء، وحسن إدارة الجهد المبذول ليتحقق الهدف الموحد: وزن سليم وجسم سليم وعقل سليم وقلب محب.
هشام أحناش


ساحة النقاش