الحق الأول عقيدة الإنسان: للشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر
حقوق الإنسان الحقيقية التي تكفل الله سبحانه بحفظها في دين الإسلام
الحقوق الخمسة الكبرى وهي:
حفظ العقيدة والنفس والعقل والعرض والمال الآتي بيانها:
الحق الأول عقيدة الإنسان التي فطره الله عليها ورَكَزَها في عقله قبل أن يُولد وهي: الإيمان بالله رب العالمين، والإيمان بأنه الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لجميع الأمور والمالك لكل شيء، والإيمان بأنه الإله الحق وحده لا شريك له، والإيمان بالصدق والعدل والأمانة، وإن لم يعرف هذه الأمور العظيمة بأسمائها وتفاصيلها لكنه يؤمن بها في الجملة، ثم يتعلمها بعد ما يكبر من وحي الله سبحانه الذي أنزله في القرآن الكريّم، قال الله تعالى مبينًا أنه خلق الإنسان مؤمنًا به موحدًا له وهو في صلب أبيه الأول آدم u: )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين *
أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون( [الأعراف: 172-173] فقد بين الله سبحانه في هاتين الآيتين أنه خلق الإنسان مسلمًا وأن فطرته التي خلقه عليها لا تقبل إلاّ الإسلام.
فلو أُتِيَ بإنسانٍ عاقلٍ عاش في معزل لا يعرف أحدًا فَعُرِضَتْ عليه الديانات والمذاهب لرفضها كلها واختار الإسلام؛ لأنه الموافق لفطرته، لكن الانحراف عن هذه الفطرة السليمة يحصل نتيجة تربية الوالدين والمجتمع الذي يعيش فيه، وكذلك فإنه لا يكذب ولا يخاف ولا يخون إلا نتيجة تلقيه ذلك الانحراف من مجتمعٍ عاش فيه، ولهذا أنكر الله على المشركين الذين يعبدون غيره وأنكر على جميع الكافرين به في الآية الثانية المتقدمة حجتهم الباطلة وهي: أنهم وقعوا في الشرك وهو عبادة غير الله وتأليه ذلك الغير تقليدًا لآبائهم عندما وجدوهم على هذا الانحراف، وبين لهم أنه لا عذر لهم في التقليد الأعمى، وقد أعطاهم الله عقولًا وفطرة سليمة هداهم بها إلى الحق لكنهم حادوا عنه إلى الباطل وقال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه»([1]) ولم يقل: (أو يمسلمانه) لأنه وُلِد مسلمًا، ولهذا قال العلماء: الأطفال كلهم في الجنة إذا ماتوا حتى أطفال الكفار على الصحيح.
ويبين الله عزوجل في القرآن العظيم أن الذين يستغيثون بأصحاب القبور ويطلبون منهم الحاجات وتفريج الكربات وشفاء المريض ويعتقدون فيهم أنهم يعلمون الغيب ويدبرون الكون بحجة باطلة هي حجة مشركي الجاهلية الذين يقولونه عن آلهتهم التي يعبدونها وهي أصنام ترمز لأنبياء مثل عيسى u وصالحين مثل مريم -عليها السلام - وود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا يقولون:)هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ( [يونس: 18]، ويقولون: )مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى( [الزمر: 3] يبين الله سبحانه أن هؤلاء الذين يعبدون أصحاب القبور ولو كانوا أنبياء أو أولياء وكذلك الذين يعبدون شيوخ الضلال من غلاة الصوفية يبين سبحانه أنهم كفار مشركون؛ وإن كانوا يدَّعُون الإسلام وينطقون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويحجون البيت، فيقول سبحانه: )ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير( [فاطر: 13-14]، ويقول سبحانه: )وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُون * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين( [الأحقاف: 5-6]، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وبهذا يتبين أن أعظم حقوق الإنسان التي تجب المحافظة عليها حمايةً له من الشقاء المحتوم في الدنيا والآخرة حفظ عقيدته التي هي حق الله على عباده وهي أن يعبده وحده لا شريك له، وبهذا يعلم اليهود والنصارى والبوذيون والشيوعيون والعلمانيون وجميع المشركين وفي مقدمتهم زعماؤهم أنهم قد أضاعوا أعظم حقوقهم وهو عدم دخولهم في الإسلام وتحكيم الشريعة الإسلامية التي جاءت في القرآن العظيم وأحاديث رسول الله تعالى إلى الناس أجمعين محمد ﷺ، وكان الواجب الأكبر على كل عاقل في العالم رئيس أو مرؤوس أن يعمل إلى جانب إنقاذ نفسه على إنقاذ الإنسان المنحرف عن عقيدة الإسلام بدعوته إلى الدخول فيه، وتعلم القرآن العظيم وسنة سيد المرسلين محمد ﷺ والعمل بذلك؛ لكي يسعد في الدنيا والآخرة، لأنه لا سعادة للإنسان إلا بتحرره من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق وهو الله رب العالمين الإله الحق وحده لا شريك له.



ساحة النقاش