المصباح....كتاب الأدب

للمحتوى الثقافي والأدبي العربي




مقال غير منشورلخليل حاوي

2 ـــ الكلاسيكية المستحدثة في الأدب الإنكليزي 

كانت فرنسا في القرن السابع عشر بؤرة حضارية كبرى تشعّ منها تيّارات الفكر والشعر وتعمّ أوروبا. وكان التأثير الفرنسي يتزايد في إنكلترا بعد عودة الملكية إليها وتوثّق العلاقات الشخصية المباشرة بين البلدين. فانتشر الأدب الفرنسي في الطبقة الإنكليزية المثقفة وكثر تقليده وعُدّت معايير الكلاسيكية المستحدثة مصدر ثقةً في قضايا الشعر والنقد. غير أنّ شاعراً كبيراً وناقداً كبيراً هو جون درايدن )1631 - 1700) حاول أن يخالف العرف الشائع ويضع مذهباً يفترق عن المذهب الكلاسيكي المستحدث من بعض الوجوه. لقد أراد درايدن أن يستند الحكم النقدي إلى النظر في العناصر التاريخية وحياة العصر. وأراد المحاكاة أن تكون استلهاماً لروح الشعر القديم وليست نسخاً لتفاصيله الخارجية وخضوعاً لقواعد عديدة صارمة مُستمَدَّة منه. يجب ألا يُفرض على الشاعر إلاّ الحدّ الأدنى من القوانين التي بدونها لا يكون شعر ولا نقد. 

وتظهر أصالة درايدن في دفاعه عن شكسبير (1564 - 1616)، ونقض التهم التي ألصقها به دعاة الكلاسيكية المستحدثة، وأهمّها أنّ عبقريته بربريّة لا تستطيع الإبداع في حدود القواعد التي تعصم الشاعر من الفوضى واللامعقول، وأنّه أفاد من القدامى وقصّر عن مجاراتهم وبلوغ شأوهم في مدارج الكمال الفنّي. 

يعترف درايدن أنّ شكسبير أفاد من القدامى، ولكنّه لم يُحاكهم محاكاة التابع للمتبوع، بل وثق بعبقريته واستنطق طبيعته وطبيعة الحياة في عصره، فأبدع جديداً وتفوّق بجديده على التراث القديم. ولئن رفض شكسبير التقيّد بوحدة المكان والزمان، فإنّ القدامى أنفسهم أغفلوا الأولى ولم يراعوا الثانية إلاّ في حالات نادرة. ويكون درايدن قد برّر أصالة شكسبير وبرهن في الوقت نفسه، على أنّ مفهوم الكلاسيكيين المحدثين للمحاكاة لا يستند إلى معرفة صحيحة لفن القدامى، كما أنّه يفرض على الشعر قواعد نافلة جامدة ليس لها من طبيعة الشعر ما يبرّرها. 

ويرى درايدن أنّ ما يُدعى عادة بالحبكة، أو وحدة الحدث في مسرحيات الكلاسيكيين المستحدثين، بسيطة إلى حدّ يجعلها تفتقر إلى التنوّع فتقع في فتور يبعث على السأم. ولما كانت المسرحية محاكاة حيّة للطبيعة الإنسانية كان الانتظام الصارم والتشدّد في الصياغة يفقدانها صفة الحيوية والتفجّر. وكانت من ثمّ المأساة الملهاة في مسرح شكسبير واجبة بحكم المشاعر المتغيّرة وحالات النفس المعقّدة حيث يمتزج الحزن بالفرح. وكلّ حالة تكمل الأخرى ولا تنقضها. أمّا العقد التحتية [الثانوية] فتُفيد في التنوّع، ولا تضرّ بالوحدة، لأنّها تخضع للحدث المحوري والتصميم العام. ويعتمد درايدن منهجاً تجريبياً يولي العناصر التاريخية اهتماماً كبيراً في تبرير ما يُداخل مسرح شكسبير من عوامل الغيب واللامعقول، مرجعها جميعاً في المعتقدات السائدة في البيئة والعصر. 

النقد بعد درايدن 

اتّسع نطاق النقد بعد درايدن اتساعاً جعله يفيد من مجالات ثقافية متعدّدة. وفي بدء القرن الثامن عشر دُرست الكلاسيكية المستحدثة في أبعاد أكثر وضوحاً، الأمر الذي جعل تأثيرها يتأصّلُ ويشيع حتى يصبح السنّة الأدبية النقدية المتّبعة. غير أنّ بوادر المعارضة التي كانت تعمل منفصلة أخذت تتجمّع وتتّحد وتمهّد السبيل لرفض الكلاسيكية المستحدثة رفضاً نهائياً حاسماً. وكان من أهمّ المؤثّرات الاهتمام الزائد بمؤلَّف لونجينوس في الجليل. لقد حمل هذا الناقد لهب العاطفة والانطباعية إلى عصر العقل، وأسبغ عليهما حرمة كلاسيكية تستند إلى مقامه الكلاسيكي. ويتردّد صدى لونجينوس في مذاهب النقد جميعاً في القرن الثامن عشر، وبخاصة مذهب أديسون (1672 - 1719). وقد صاحب ذلك تعرّف أوثق بالتراث والفنّ الإغريقيين واستعداد متزايد لتذوّق الآداب غير الكلاسيكية كالشعر العبري والأغاني الشعبية القديمة وتذوّق آثار تشوسر (1344 - 1400) وشكسبير وميلتون (1608 - 1674). 

وتدفّقت موجات جديدة من فرنسا تحثّ على البحث الحرّ وتطبيق المناهج التاريخيّة النفسيّة على مسائل النقد وعلى البحث الجمالي في الشعر والفنون الأخرى. وأخذ النقد يتّجه إلى شرح الشعر وتذوّقه، وأعيد النظر في مبدأ المحاكاة والمبادئ الأخرى التي قرّرتها الكلاسيكية، فأعطي الشعر مجالاً للتحرّر من القواعد الشكليّة الجامدة، كما أعطيت الأهمية الكبرى للعبقريّة الأصيلة المبدعة وانطلاقاتها العفوية في عالم الطبيعة والخيال. 

وكان يتحدّى المقاييس الكلاسيكية المستحدثة وعي بوجود مقاييس نسبية وبقيمة النظرة التاريخية التي تأخذ عنصري البيئة والعصر بعين الاعتبار في عملية النقد والتقييم. وكان من اتّساع النظرة النقدية أن ساعدت على دراسات عميقة في شعر شكسبير كان لها أثر عميق في تطوير النقد وتغذية المعارضة المزايدة للكلاسيكية المستحدثة. وكانت هناك قوى عاطفية تثور بوجه العقل ومنها القصّة والملهاة العاطفية وشعر المقابر وعقيدة روسو (1712 - 1778) في المتوحش النبيل. 

ثم نأتي إلى طاقة عقلية كبرى هو صموئيل جونسون (1709 - 1784) الذي كان نقده من العوامل الفعّالة في تهديم النقد العقائدي ، مع العلم أنّه المدافع الأخير عن المذهب الكلاسيكي المستحدث في طور احتضاره. 

يهدف جونسون في آثاره النقدية جميعاً إلى بثّ روح التذوّق الصحيح ويتوسّل إلى ذلك بتحسين المناهج النقدية، فيشير إلى نقائص معيّنة في النقد المعاصر. كان يرفض منهج النقد المستند إلى الذوق الذي يحتفل بالصفّات الجمالية وحدها. فالجمال بالنسبة إليه ليس المعيار الأكيد للقيم الأدبية، لأنّه صفة غامضة نسبية تختلف باختلاف العقول واختلاف الأزمنة، وهو لذلك معضلة لا تقبل الحلّ. ويتّهم بعض النقّاد المعاصرين بأنّهم يمدحون أو يذمّون دون قراءة ما ينقدون، ثم يهاجم النقّاد الذين يضخّمون الأخطاء التافهة. 

يريد جونسون أن يرسي النقد على أسس متينة تتّجه إلى العقل ووظيفته. وفي رأيه أنّ مهمّة النقد تقرير المبادئ ورفع الرأي إلى مرتبة المعرفة، والتمييز بين وسائل الإمتاع التي تستند إلى استنتاج منطقي، وتلك الأناقات التي لا يمكن شرحها أو تسميتها، والتي تأسر الخيال بالغبطة دون أن ندرك مصدرها. ويكون على النقد أن يُحرّر الحكم الأدبي من الجهل ومن نزوات الخيال، وأن يُرسي القيم على أسس عقلية منطقية. يريد من الناقد أن يرفع مشعل العقل ولا يذهب إلى أبعد من مرامي أشعّته. ويستند جونسون إلى لونجينوس في تقريره أنّ الآثار الأدبية التي تثبت على الزمن يستحق احترامها، لأنّ ثباتها دليل قاطع على أنّها تلائم ملكاتنا وترضي الطبيعة الإنسانية العامّة. ويكون الزمن المعيار الأفضل للحكم على الأدب، وليس الذوق الجمالي الذي مارسه بعض معاصريه من النقّاد. 

كان جونسون من الأوائل الذين مارسوا المنهج التاريخي في النقد. وكان يؤكّد على ضرورة مقارنة الشعر بحالة العصر الذي يوجد فيه، وذلك لاعتقاده أنّ هناك علاقة صامتة بين الآثار الأدبيّة والتراث الحضاري المتراكم عبر العصور. 

ينكر جونسون على الكلاسيكية المستحدثة ما تلزم به الشعر من محاكاة القدامى، ومن تقيّد بالقواعد المستمدّة من تراثهم، ويؤثر عنه القول: لا يمكن للإنسان أن يكون عظيماً بالمحاكاة. ولئن كان يحترم إلى حدّ ما التراث الكلاسيكي فإنّه يثور على محاكاة أنماطه في عبودية واجترار وهو في الوقت نفسه يهاجم الذين يهملون التراث ويعتمدون اعتماداً تاماً على العبقرية الطبيعية. وإذا كانت المحاكاة للقدماء تعجز عن جعل الشاعر عظيماً، فعلى الشاعر في القرن الثامن عشر أن يفعل ما فعله شكسبير، فينظر بعينيه ويعبّر عن الصور التي يراها. هذا ما مكّن شكسبير من أن يُعطي ذخيرة من المعرفة تفوق ما أعطاه المتأخّرون فأغنى بلاده وعصره وبثّ فيهما روح الجدّة والابتكار. إنّ من يطمح إلى الحصول على احترام الإنسانية عليه أن يملك القدرة على الابتكار في التصميم والإنجاز، فإمّا أن يكون التأثير جديداً وإمّا أن تكون وسائل إحداثه جديدة. فالشهرة لا تمتد وتثبت طويلاً ما لم تسعفها الطبيعة وما لم يسعفها الفنّ. 

بعد أن رفض جونسون مفهوم الكلاسيكية المستحدثة للمحاكاة اقترح نظرية في الشعر تستند إلى الطبيعة، كلمة السرّ والفكرة المسيطرة في القرن الثامن عشر، وكانت هي والعقل حقيقة واحدة، قوانينها قوانينه، ثابتة راسخة تسيطر على القضايا المادية والروحية معاً. وأخطر تلك القوانين النظام والتناسب والملاءمة والوضوح. وقد كانت جميعاً نتيجة حتمية لاستناد جونسون إلى قوانين الطبيعة والعقل وتغليب العام على الخاص والكلّي على الجزئي، فيقول مثلاً إنّ شكسبير في تصويره الطبيعة الإنسانية لم يُثبت سوى صفاتها الأساسيّة العامّة، وإنّ شخصياته تمثّل نماذج عامّة مجرّدة من كلّ صفة فردية عرَضية. ولا يستطيع الشعر أن يُحصي التفاصيل الدّقيقة التي تميّز فرداً عن آخر، دون أن يخسر بساطة الرفعة التي تملأ المخيّلة. ولا يستطيع أن يشرح المزايا الخفيّة الكامنة في طبيعة الأشياء دون أن يخسر قدرته العامّة على إشباع العقل عن طريق استعادة العقل لمفاهيمه العامّة.


المصدر: عن ملحق النهار الثقافي
almsbah7

نورالمصباح

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 66 مشاهدة
نشرت فى 16 يونيو 2014 بواسطة almsbah7
almsbah7
"بوابة لحفظ المواضيع والنصوص يعتمد على مشاركات الأعضاء والأصدقاء وإدارة تحرير الموقع بالتحكم الكامل بمحتوياته .الموقع ليس مصدر المواضيع والمقالات الأصلي إنما هو وسيلة للنشر والحفظ مصادرنا متعددة عربية وغير عربية . »

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

36,069

حال الدنيا

حال الناس
عجبا للناس كيف باتوا وكيف أصبحوا.
ماذا جرى لهم ؟
وما آل إليه أمرهم والى أي منحدرا ينحدرون،
أصبح الأخ يأكل لحم أخيه ولا يبالي ،انعدمت القيم والأخلاق 
والمبادئ، من الذي تغير نحن أم الحياة.إننا وان تكلمنا 
بصدق لا نساوي شيئا ،فالكذبأصبح زادنا وزوادنا، ،
إن الإنسان في العصر الحجريرغم بساطته فَكّرَ وصَنَع فالحاجة أم الاختراع، أما نحن نريد كل شيء جاهزا، أجساد بلا روح تأتي ريح الشرق فتدفعنا وتأتي ريح الغرب فتأخذنا إننا أحيانا نتحرك من دون إرادتنا كحجار الشطرنج أنائمون نحن أم متجاهلون ما يدور حولنا أم أعمتنا المادة .كلنا تائه في طريق ممتلئه بالأشواك، أشواك مغطاة بالقطن الأبيض نسير عليها مخدوعين بمظهرها بدون
انتباه وبين الحين والأخر يسعى الحاقدون لقتل واحد 
منا، فيزول القطن الأبيض ولا يبقى إلا الشوك،
فنستغرب لحالنا، لان عيوننا لا ترى إلا الأشياء البراقة 
اللامعة والمظاهر الخادعة أما الجوهر المسكين فَقَدَ 
قيمته لم يعد إلا شعارات رنانة نعزي بها أنفسنا بين 
الحين والأخر، 
هكذا أصبح حال الناس هذه الأيام.
ـــــــــــــــ
حسين خلف موسى

 دنياالوطن