الشاعر و الاديب علي الفشني

<< الحروف تبني صرحا إذا أوقدتها مشاعر صادقة >>

                   جليبيب

أعظم قصة زواج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قصة/ علي الفشني

كان دميم الخَلق عظيم الخُلق  رقيق الحال يبدوا للوهلة الاولى لكل من يراه كشجرة جرداء عارية من كل مظاهر الحياة ولكنه في حقيقته غمامة ممطرة وشجرة مثمرة يقطن في جوفه قلب نقي يتضوع مسكا تصافح ابتسامته كل من يقابله وجد نفسه بالعراء بغير أسرة تحتضنه كفرع اجتث من أصله لكنه غُرس بتربة الاسلام فنبت في بيت النبوة وشمله النبي صل الله عليه وسلم برعايته.
 وذات يوم ناداه النبي صل الله عليه وسلم قائلا:
ـ يا جُليبيب ألا تتزوج يا جُليبيب؟
قال في شيء من الدعابة متدثرا بالقناعة والرضا:
ـ يا رسول الله ومن يزوجني يا رسول الله؟!
فكان جوابه صل الله عليه وسلم:
ـ أنا أزوجك يا جُليبيب
فأطرق للحظة رأى فيها نفسه عند الناس كمثل بضاعة كاسدة لا تروق لاحد ولا احد يعيرها اهتماما ثم انتبه والتفت الى النبي صل الله عليه وسلم قائلا:
ـ إذاً تجدُني كاسداً يا رسول الله
فقال الرسول صل الله عليه وسلم:
ـ غير أنك عند الله لست بكاسد
أي شرف توشحت به يا جليبيب واي منزل أنزلكه رسول الله صل الله عليه وسلم ماذا بينك وبين ربك حتى يهتم النبي صل الله عليه وسلم بأمر زواجك أهي خبيئة أطلع الله سبحانه وتعالى نبيه عليها أم هي مكافئة أوحى الله بها الى نبيه صل الله عليه وسلم لعظيم سوف تصنعه ومرت الايام وما زال النبي صل الله عليه وسلم يبحث لجليبيب  عن كنز يقتنيه فخير كنز يكنزه الرجل في بيته المرأة الصالحة.
وذات يوم جاء رجل الى النبي صل الله عليه وسلم قد توفى زوج ابنته وترملت جاء ليعرضها على النبي صل الله عليه وسلم ليتزوجها فقال له النبي صل الله عليه وسلم كعادته وهو يبتسم:
ـ نعم ولكن لا أتزوجها أنا !
ظهرت على الرجل علامات الفرحة ممزوجة بالدهشة وقال:
ـ لمن يا رسول الله !
فقال صلى الله عليه وسلم:
ـ أزوجها جُليبيبا
نظر الرجل الى النبي صل الله عليه وسلم وقال وهو يحاول ان يخفي زهوله:
ـ يا رسول الله تزوجها لجُليبيب
ثم استطرد قائلا:
ـ يارسول الله إنتظر حتى أستأمر أمها !!
قال الرجل ذلك فأذن له النبي صل الله عليه وسلم فانصرف ومضى الى بيته تلاحقه صورة جليبيب .. تلك الشجرة العارية .. التي لا يستظل بها ولا تغني من جوع تلك الصورة العالقة بمخيلته فقد أبصر ظاهرا تتوارى خلفه حقيقة جليبيب فهو شجرة من شجر الجنة ظله ممدود وأكله دائم لا ينقطع فأصل الاشياء الجوهر وليس الشكل فرب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره.
ولما قدم الى زوجته قال لها وهو يتعرق من وطئة ما سيخبرها به:
ـ ان النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إليك ابنتك
قالت وقد أشرق وجهها فرحا:
ـ نعم ونعم برسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم قالت مستطردة:
ـ  ومن يرد النبي صلى الله عليه وسلم
فقال لها وعيناه تبرقان بالدموع:
ـ إنه ليس يريدها لنفسه ...!!
ـ لمن ؟
ـ يريدها لجُليبيب !!
دهشت الام وتملكها الانفعال وقالت:
ـ لجُليبيب لا لعمر الله لا أزوج جُليبيب وقد منعناها فلان وفلان
فاغتم الرجل لذلك وتملكته الحيرة كيف يرد خطبة النبي صل الله عليه وسلم كيف يرفض اختياره صل الله عليه وسلم  ثم قام رافعا على كاهله هم الاجابة ماذا سيقول للنبي صل الله عليه وسلم  ولما هم بالخروج الى النبي صل الله عليه وسلم صاحت ابنته من خدرها فقد استمعت الى مجادلتهما:
ـ من خطبني إليكما؟
ارتبك الرجل قليلا ثم قال:
ـ خطبك رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالت بلسان يحركه ايمان مستوطن في جوفها:
ـ أفتردان على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أمره
ثم قالت وقد أومأت اليهما في ادب جم:
ـ ادفعاني إلى رسول الله فإنه لن يضيعني !
فأجابها الاب على الفور:
ـ نعم
نعم فقضاء الرسول نافذ لا خيرة فيه فأمره صل الله عليه وسلم كله خير وهرول الرجل الى رسول الله صل اله عليه وسلم مستبشرا بفضل طاعته لرسول الله صل الله عليه وسلم وقال:
ـ يا رسول الله شئنك بها
فدعى النبي صلى الله عليه وسلم جُليبيبا ثم زوجه إياها ورفع النبي صلى الله عليه وسلم كفيه الشريفتين وقال:
ـ اللهم صب عليهما الخير صباً ولا تجعل عيشهما كداً كداً !!
ومضت بضعة أيام على زواجهما تمتع فيهما جليبيب بدفئ الاسرة ولذة محاورة أنيس يأنس وحدته ومتعة النظر اليه ولم يلبث الا قليلا في غمار هذه الحياة الجديدة التي لم يألفها من قبل ولم يخطر على باله أبدا انه سوف يعيشها حتى اذا نادى منادي الجهاد:
ـ يا خيل الله اركبي
ترك هذه الحياة  ونفض عن كاهله رغدها فقد تساوى الامر لديه سواء كان أمر بالحياة في أمر النكاح أو أمر بالموت في أمر الجهاد وفي كليهما حياة  فلب المسألة لديه هو الامتثال لأمر النبي صل الله عليه وسلم وفي التو خرج جليبيب يغزو مع رسول الله صل الله عليه وسلم وقاتل جليبيب في منتهى القوة والشراسة واحتدم القتال وكان النصر حليفا للمسلمين.
ولما أفاء الله على رسوله صل الله عليه وسلم قال لأصحابه:
ـ هل تفقدون من أحد ؟
قالوا :
ـ نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا
 ثم قال صل الله عليه وسلم:
ـ هل تفقدون من أحد ؟
 قالوا:
ـ نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا
ثم قال النبي صل الله عليه وسلم مكررا سؤاله:
ـ هل تفقدون من أحد ؟
وكأنه صل الله عليه وسلم لم يستمع الى الاجابة التي يريدها فربما في هذه المرة يستمع اليها فكان جوابهم:
ـ  لا
 فقال صل الله عليه وسلم:
ـ لكني أفقد جليبيبًا فاطلبوه
لم ينساه النبي صل الله عليه وسلم حيا وميتا طلبه النبي صل الله عليه وسلم ليعلي تضحيته ويعظم موقفه فالكرامة لا تسكن نسبا ولا تتغشى ثراءً انما ترتدي فقط ثوب التقوى .. ان أكرمكم عند الله أتقاكم.
وبالفعل تحرى الصحابة في طلب جليبيب في القتلى فوجدوه وقد تخضب جسده بالدماء و تفوح منه رائحة المسك وبجواره سبعة قتلى من المشركين قد أثخنهم جرحا قتلهم قبل ان يرقى الى ربه شهيدا فأتاه النبي صل الله عليه وسلم فوقف عليه فقال صل الله عليه وسلم :
ـ قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه
ثم رفعه النبي صل الله عليه وسلم فوضعه على ساعديه فتوسدهما رضي الله عنه حتى وضع في قبره.

تمت

alihamed

علي الفشني

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 59 مشاهدة
نشرت فى 30 نوفمبر 2019 بواسطة alihamed

ساحة النقاش

علي محمد حامد

alihamed
أنا قلم متصل بالوجدان مداده سيل العواطف المتدفق من منابعه و الجاري على صفحات الحياة طابعا عليها بواعث الأمل »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

90,844