الرجوع إلى الأمام

النص :

وقفت على حدود الروم أَقرأ

..

" بأنّ الروم قد غُلبتْ بأدنى الأرض

"

وأنَّ اللهَ .. ربُّ الناسِ ناصرهم " لبضع سنين

"

وقفتُ أرتّبُ الأشلاء

,

ألَمْلمُ حُلمَ أغراسي فقد داستهُ خيلُ عدوهم قهراً

.

دخلتُ شقوقَ مأساتي فحاصرني صدى صوتَ الصغارِ جياع

 

وحاصرني أنينُ الضوءِ في المرآة وكهلٌ لم يزلْ طفلاً غدا مِنْ قسوة الأيام لا مأوى

,

ولا خلِاّن فعدتُ أرتّبُ الأوراقَ ثانيةً وأقرأُ عِنْ مُصابِ الروم

.

أصبّرُ نفسيَ العطشى وأسترُ عورةَ الأيامِ لعلّ الأمسَ يَدفَعُنا إلى الإقدام

... ...

صهيلُ الغيمِ أخبرني بقرب القطر وشوقُ الأرضِ للأمطارِ علّمني سبيلَ النصرِ وصبرُ سفينة الصحراء عوّدني ركوبَ الصعب ِ وأطفالٌ قضوا في سجن أمنية الصغار صغار

,

وما كبروا بنوا في القلبِ ملحمةً

 

فعادَ الرومُ في بضعِ السنين عِظام وعادَ النورُ في قلبي يُزخرفُ أجملَ الأحلام

... ...

بقدرِ الرملِ

 

والأحجارِ

 

والأشواكِ والصفصافِ والأشعارِ والأنهارِ والأسرارِ والصُلاّحِ

 

والفّجارِ والأشياء كاملةً أحبُّ الأرض أهديها دماء بَنيَّ

..

أوردتي

..

أحنّي كفّها بالفخرِ والشهداء

..

لكي يحيا الصغارُ طفولةً سُلبت

.

ويمضي الطيرُ مبتهجاً يحلّقُ في مدارِ الحُلْم

 

لا يخشى رصاصَ الغدر أو يخشى لظى القضبان فإنْ كانتْ خُيولَ الروم قد سَحَقتْ مِدادَ الفرس

..!

سنقطعُ رأسَ أفعاهم

,

ونهدمُ زعمَ هيكلهم

,

ونطوي صفحتَ التاريخِ

..

نكتبها بحبر الدمّ

..

بالأفعال والأقوالِ فإن عُدنا إلى الماضي

..

فَعَوْدُ الأرض للأحضان

 

وَعَوْدُ سفينة الرّحال للأوطان وَعَوْدُ القاتل الفاشي إلى أشلائه الأولى إلى ما كان القراءة النقدية :  

إنَّ الشَّاعر  الفلسطيني خالد طالب عرار ، يقدم في هذا النص نبوءة للذات وللمناضل الفلسطيني ولعموم العرب ، نبؤته بهزيمة الروم ، والروم هنا المقصود بهم آل صهيون ، والشَّاعر  يبدأ نصه بالتناص مع القرآن الكريم في قوله تعالى :"غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون "حينما يقول : (" بأنّ الروم قد غُلبتْ بأدنى الأرض"  

وكان الشَّاعر  موفقا في هذا التناص حيث اختار قضية ملتهبة ، اشغل الوجدان العربي كله ، وهي قضية العرب مع الآخر / الغرب / الروم ، الصهاينة ، والشَّاعر  في نصه لا يفرق بين الغرب والصهاينة لأنَّ الغرب هو راعي الصهيونية وإسرائيل هي البنة غير الشرعية للغرب وأمريكا ، ومن هنا راح الشَّاعر  يوحد بين إسرائيل وبين الغرب ، وإذا كان الله تعالى بشر بانتصار الروم ( الغرب ) / إسرائيل بعد هزيمتهم ، فأنَّ الشَّاعر  هنا يبشر بهزيمتهم مرَّة أخرى ، ولكنهم هذه المرَّة لن يغلبون بعد غلبتهم

كما بشر القرآن : فإنْ كانتْ خُيولَ الروم قد سَحَقتْ مِدادَ الفرس

..!

سنقطعُ رأسَ أفعاهم

,

ونهدمُ زعمَ هيكلهم

,

ونطوي صفحتَ التاريخِ

..

نكتبها بحبر الدمّ

..

بالأفعال والأقوالِ فإن عُدنا إلى الماضي

..

فَعَوْدُ الأرض للأحضان

 

وَعَوْدُ سفينة الرّحال للأوطان وَعَوْدُ القاتل الفاشي إلى أشلائه الأولى

 هذه هي نبوءة الشَّاعر  ، وأمنيته ، ومن هنا يبدو أن الشَّاعر  يعرف كيف يوظف النص القرآني جيدا للتعبير عن قضيته ، ويتناص معه تناص اتفاق واختلاف ف الوقت ذاته ، فهو يتفق مع النص ألقراني في أني الروم ستغلب ، ويختلف معه ضمنيا في أنهم لن يغلبون بعد هزيمتهم كما بشَّر القرآن – وقتئذ – ومن هنا يبدو أيضَا كيف استطاع الشَّاعر  أن يوظف هذه الطاقة الهائلة من الإشعاع الرمزي في النص القرآني، الذي شحن به نصه ، بل وجعله نطقه انطلاقه وبؤرته الدلالية ،وهو توظيف يكشف عن وعي حقيقي للتعامل مع التراث للاستفادة من الطاقة الهائلة للنص والتي له رصيدٌ رمزي كبير لدى المتلقي .    

ولا يخفى على القارئ الكريم كيف امتطى الشاعر صهوة الحلم في تعامله مع قضية وطنه ، ولم لا والحلم هو الأداة التي لا تخذل صاحبها ، ورغم قسوة الواقع المر الذي يعايشه الشاعر :  

وقفتُ أرتّبُ الأشلاء

,

ألَمْلمُ حلمَ أغراسي فقد داستهُ خيلُ عدوهم قهراً

.

دخلتُ شقوقَ مأساتي فحاصرني صدى صوتَ الصغارِ جياع

 

وحاصرني أنينُ الضوءِ في المرآة وكهلٌ لم يزلْ طفلاً غدا مِنْ قسوة الأيام لا مأوى

,

ولا خلِاّن

هذا هو الواقع الذي يقاسيه الشاعر هو كل أهله في الأرض المحتلة ، ورغم هذا الواقع المأزوم لم يكف الشاعر عن تعاطي الُحلم ، وفي الحقيقة الشاعر لا يلجأ للحلم – مختارا – بل هو مضطر له اضطرارا لأنَّ الواقع لا يبشر بخير ، ومن هنا كان لا يملك إلا الحلم ليعيد لنفسه توازنها بعدما أطبق الواقع على نفسه وتسلطَّ عليها بأشكال المحن يقول (رولان بارت) في كتابه (لذة النص) حول أهمية الحلم: "إن الحلم ليضع تحت الضوء مشاعر أخلاقية رهيفة رهافةً قصوى، بل وميتافيزيقية. وإنه ليدعم المعنى الأكثر دقة للمعاني الإنسانية. وهو يسمح بالاختلاف الراقي. ويمتلك معرفة من أعلى المعارف الحضارية. وباختصار، إن له منطقاً واعياً، مترابطاً ترابطاً رهيفاً لا مثيل له، لا يستطيع امتلاكه سوى عملٍ يقظ مكثَّف. وبإيجاز، إن الحلم يجعل كل ما ليس فيَّ، وما ليس أجنبياً عني يتكلم: إن هذه نادرة غير متحضرة صُنعت بمشاعر جدُّ متحضرة".

ومن الملفت للنظر في هذا النص تلك الصور الشعرية التي بثها الشاعر عبر النص وصبغها من شعوره لبني بها عالمه الخاص ، ويحملها رؤاه والتي تكشف عن صراعه مع واقعه فالصراع إذن قائم بين الذات الشاعرة وواقعها المحبط، بين عالم التجربة الإنسانية، والعالم الواقعي المجرد، بين مفهوم الزمن من خلال التجربة الشعرية التي تطمح إلى تحقيق ثباتها ومنعتها ضد الزمن،   ومفهومه الموضوعي، الميقاتي المجرد، بجميع أبعاده. وتكون نتيجة هذا الصراع الزمني – بطبيعة الحال – ذات وقع عنيف على نفس الشاعر ووجدانه، وبما أن الإنسان هو مجموع ما كانه وما يأمل أن يكون، أو بعبارة أو ضح مجموع تجاربه الماضية وأحلامه المستقبلية، فإن التجربة تُحلل الماضي والمستقبل مكانة أسمى من الحاضر، وتحاول إحلالهما محلّه، ولكن الواقع يفرض عكس ذلك؛ فالماضي ليس له من وجود إلا في الذاكرة، والمستقبل وجود غير متعين بينما الحاضر هو وحده الذي يمارس حضوره في الواقع، وهكذا تبقى الذات الشاعرة كلما فكرت بالماضي والمستقبل في لحظات الحسرة على ما فات، أو ترقبها لما سيأتي، كلما تضاعف وعيها بالوقت واشتدَّ، وازدادت حصرتها بسبب عدم قدرتها على قبض اللحظة الهاربة، وعجزها عن امتلاكها 

ولا ننسى عنونة القصيدة ( الرجوع للأمام ) وما فعلته المفارقة في هذه العنونة من اهاش وارباك للمتلقي قبل أن يلج إلى عالم النص ، وهذه المفارقة  قد لعبت دورا دلاليا رائعا في النص ، كما أنَّ الشاعر استطاع أن يختزل الأزمنة الثلاث في نقطة واحدة ، فالرجوع يكون للماضي ، والاستشراف والحلم يكون للمستقبل ( الأمام ) ومن هنا تولدت المفارقة العجيبة التي بناها الشاعر بقدرة لغوية عجيبة ، وكأنه يستشرف المستقبل من خلال الماضي . 

وفي النهاية أستطيع أن أبشر بميلاد شاعر سيتمم مسيره السابقين ، وأراه عما قليل سيكون وريثا لمحمود درويش في تبنيه لقضية وطنه ، ويكون سفيرا لفلسطين لدى العالم .

 وأود لهذا الشاعر مزيدا من العطاء والتألق .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 425 مشاهدة
نشرت فى 14 فبراير 2012 بواسطة alaaf

ساحة النقاش

الشاعر علاء البربري

alaaf
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

7,155