
أمي .. بقلم/ ناصر ناصر
مد يدا مرتجفة إلى علبة سجائره الموضوعة أمامه على الطاولة و أخرج منها سيجارة، بللها بلسانه، نظر إليها بتمعن . . . تفحصها ثم وضعها في فمه، قمت و أشعلتها له، شكرني بحركة سريعة من يده، " تابع " قلت له ثم أضفت : أنا أيضا تعرضت و واجهت الكثير من المواقف المحرجة في حياتي، قال وهو ينفث دخان سيجارته، كنت في العشرين من عمري عندما فتحت أمي فجأة باب غرفتي، كانت المرة الوحيدة التي أنسى فيها إقفال باب الحجرة بالمزلاج من الداخل، صمت قليلاً و أنه لا يريد الحديث أكثر، " تابع " قلت له بلهجة فيها رجاء و توسل ماذا حصل ؟ قال : شاهدتني عاريا ، كنت أبدل ثيابي و أستعرض مفاتني أمام المرآة و أفاخر بقوتي و فتوتي، أصبت بالذهول . . . لم أعرف ماذا أقول و لا ماذا أفعل، أخرج منديلا من جيبه ، وضعه أمام فمه و سعل عدة سعلات قوية، كان جسده يهتز و يرتج مثل ريشة، " و أنا أيضا نسيت إقفال الباب بالمزلات و في أماكن متعددة ... في البيت ... في العمل ... في المدرسة ... في الحمام ... في حجرتي " ، نظر إلي، صمت أنا و تابع هو حديثه : أغلقت أمي الباب بسرعة . .. لم تقل شيئا، بقيت ساعتين لا أستطيع الخروج، كنت متوترا و خجلا ، حاولت النوم و فشلت ، حاولت التشاغل بالقراءة ... لم أستطع ، عند الغذاء أتاني صوتها من خارج حجرتي : الغذاء جاهز، ما كنت لأبقى حبيس حجرتي و لابد من الخروج، استجمعت قواي و خرجت، لم تنظر إلي و لم أنظر إليها، تصرفت أمي و كأن شيئا لم يحدث، توقعت أن تقول شيئا و لكنها لم تقل، تناولت طعامي بسرعة و عدت إلى حجرتي، نسيت مع مرور الوقت هذه الحادثة أو تناسبتها و لكنني كنت و مازلت أعتبرها اللحظة الأكثر ألما و إحراجا و ارتباكا في حياتي و كنا طوال عمري أحاول أن أضع نفسي مكان أمي، ماذا لو دخلت حجرة أحد أولادي و وجدته يستعرض عاريا جسده يتفحص جماله و فتوته ، طبعا كنت سأتصرف كما تصرفت أمي ، كنت سأغلق الباب و أخرج، بقيت بعد هذه الحادثة سنين طويلة أهرب من المرآة و أتحاشى الوقوف أمامها و كنت كلما فكرت في ذلك أتوقع أن تفتح أمي الباب و تباغتني، أصبحت حريصا أكثر من اللازم على إغلاق جميع الأبواب، أغلقها لأتفه الأسباب و دائماً أتأكد من سلامة المزلاج، ماتت أمي منذ سنين طويلة، فكرت عدة مرات خلالها أن أتخلى عن خوفي غير المبرر و أن أعود إلى جسدي لأرى أثر السنين عليه لكنني لم أستطع، داهمتني بعد تجاوزي الخمسين جميع الأمراض، الضغط ... السكر، ألم المفاصل و الأسنان و في الستين تصلبت شراييني ثم صرت أنسى ... أنسى كثيرا، أنسى إحضار الخبز، أنسى تناول الطعام و الدواء، أنسى أين وضعت نظارتي ، أنسى من اتصل بي صباحا و قال أنه سوف يزورني بعد صلاة الظهر . وقفت بعد كل هذه السنين أمام المرآة، خلعت قميصي أولا، ابتسمت ، لازلت رغم ارتعاش أصابعي أملك جسدا جميلا، خلعت بنطالي، عجبت كيف فعلت ذلك دون الإستناد على الجدار، خلعت قميصي الداخلي الأبيض، اقتربت من المرآة مسحتها بيدي، كانت باردة لذلك تشكلت طبقة من البخار عليها، تابعت مسحها من الأعلى إلى الأسفل، عضلات صدري المترهلة تتحدث عن قوة حقيقية كنت أمتلكها في غابر الأيام، أردت استعراض جميع مفاتني وجميع أجزاء جسدي، فتحت أمي الباب فجأة ... سقطت عكازتي .


