استحقاق الإيمان بالخروج من الشرك وتصديق الأنبياءوإن اللّه تبارك وتعالى بعث نوحاً إلى قومه ﴿أنِ اعْبُدُوْا اللَّهَ وَاتَّقُوْهُ وَأَطِيْعُوْنِ﴾[نوح: 3]، ودعاهم إلى اللّه وحده لا شريك له، ﴿وَإِبْراهِيْمَ وَمُوْسَى وَعِيْسَى أَنْ أَقِيْمُوْا الدِّيْنَ وَلاَ تَتَفَرقُوْا فِيْهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِيْنَ مَا تَدْعُوْهُمْ إِلَيْهِ اللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِيْ إِلَيْهِ مَنْ يُنِيْبُ﴾[الشورى: 13].
ثم بعث الأنبياء عليهم السلام، إلى قومهم على شهادة أن لا إله إلا اللّه، والإقرار بما جاء من عند اللّه؛ فمن كان منهم مخلصاً، ومات على ذلك أدخله اللّه الجَنَّة بذلك، وإن اللّه ليس بظلام للعبيد، ولم يكن اللّه تعالى ليعذب عبداً حتى يكتب عليه العمل، وينهاه عن المعاصي التي أوجب لمن عمل بها النار.
فلما استجاب لكلِّ نَبِيٍّ مَنِ استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً. والشِّرعة: السُنَّة. فقال تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوْحٍ وَالْنَّبِيِّيْنَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْراهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيْسَى وَأَيُّوْبَ وَيُوْنُسَ وَهَارُوْنَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَوُادَ زَبُوْراً﴾[النساء: 163]، فأمر كل نبي أن يأخذ بالسُّنَّة والسبيل.
وكان من السُّنة والسبيل التي أمر اللّه سبحانه وتعالى بها قومَ موسى، أن جعل عليهم السَّبت، فكان مَنْ عَظَّم السبت ولم يستحله - يفعل ذلك من خشية اللّه - أدخله اللّه الجنة بذلك، ومن اسْتَخَفَّ بحقه، واسْتَحَلَّ فيه ما حَرَّم اللّه سبحانه وتعالى من العمل الذي نهاه عنه؛ أدخله اللّه النار، حتى ابتلاهم اللّه بالحيتان التي كانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً .
فلما اصطادوا الحيتان يوم السبت واستحلوا أكلها غَضِبَ اللّه سبحانه عليهم بذلك، من غير أن يكونوا أشركوا بالرَّحمن، ولا شكوا في شيء مما أنْزَل على موسى صلى اللّه عليه وسلم، فقال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِيْنَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِيْ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُوْنُوْا قِردَةً خَاسِئِيْنَ﴾[البقرة: 65].
وبعث اللّه سبحانه عيسى عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا اللّه والإقرار بما جاء به من عند الله، وجعل له شِرْعَةً ومِنْهَاجاً، فَهُدِمَ السَّبتُ - الذي كان بنو إسرائيل يعظمونه قبل ذلك - وعامةُ ما كانوا عليه من السُّنة والسَّبِيل، وأُمِرُوا أن يتبعوا سُنَّة عيسى عليه السلام وسبيله، فمن اتَّبَع سُنَّة عيسى عليه السلام وسبيله أدخله اللّه الجنة، ومن ثبت على السبيل الذي جاء به موسى ولم يتبع عيسى عليه السلام أدخله اللّه النَّار؛ وإن كان مؤمنا بما جاء به الأنبياء عليهم السلام لا يشرك بالله شيئا. فلم يزل من اتبع عيسى عليه السلام مهتدياً ما عمل بسنة عيسى عليه السلام وسبيله مِنْ بعده.


ساحة النقاش