1- نظرية ثورنديك:
تنسب تلك النظرية إلي العالم الأمريكي إدوارد لي ثورنديك Edward Lee thorndike وهو أول من حصل من تلاميذ جيمس كاتل علي درجة الدكتوراه 1898 وكان قد تخرج من كلية المعلمين بجامعة كولومبيا . وإن كان بافلوف قد أثري المنهج العلمي التجريبي في دراسة النشاط العصبي الراقي ، فإن ثورنديك يعتبر أول من أوضح أهمية التدعيم الذي يعقب الإستجابة في بناء السلوك الإنساني .
تفسير ثورنديك للتعلم:
تقوم النظرية أساسا علي المعارف الفسيولوجية التي تم تقديمها في الفصول الأولي من الكتاب : الخلية العصبية – الأعصاب الحسية والحركية والرابطة .
ويرى ثورنديك أن التعلم ، في رأيه ، لا يقرر علاقات عصبية جديدة لم تكن موجودة وإنما هو عملية تسهيل في وظائف الأعصاب من خلال الوصلات العصبية Synapses ، فتلك الوصلات العصبية هي التي تمر بتغيرات فسيولوجية تصاحب حدوث التعلم .
وقد مرت نظريته في ثلاث مراحل أساسية هي:
1- عرض فرض الإرتباط وتفسير التعلم علي أساس قانوني "الأثر" "والتدريب" .
2- وشهدت المرحلة الثانية دحض قانون التدريب وعدل فيها قانون الأثر وأضاف القوانين الثانوية ، التي فسرت التعلم البشرى .
3- أما المراحل الثالثة نادى فيها ثورنديك بفرض الإنتشار والتشتت .
أما محور فكر ثورنديك من الناحية المنهجية يقوم علي أن عالم النفس لابد وأن ينصب إهتمامه علي ما يمكن ملاحظته فعلا بطريقة قابلة للقياس العلمي الدقيق فهو صاحب المقولة الشهيرة " إن كل ما يوجد بمقدار وكل مقدار يمكن قياسه " .
تجارب ثورنديك :
قام بتجارب علي الأسماك والقطط :
وأشهر تجاربه هي تلك التى قام بها علي القطط بتصميم نوع من الأقفاص أو الصناديق الميكانيكية وفيها القط جائع ( دافع ) في القفص ويحاول الوصول إلي الطعام الذي يراه أمامه ولا يستطيع الوصول إليه بسبب عائق ( باب مغلق ) يمكن فتحه بعدة طرق ، فإذا فتح الباب حصل علي الطعام ( يترك أثرا طيبا ) ومن ثم يزداد إحتمال ظهور تلك الإستجابة التي فتحت الباب في المرات التالية ، وحتى يضمن إستمرار وجود دافع فقد بلغت الفترة الزمنية بين الوجبة والأخرى ثلاث ساعات .
ويشير أحمد زكي صالح 1969 إلي أن التعلم حدث بعد 24 محاولة بقوم بها القط ، ثلاث منها قد ثبت فيها زمن الوصول للطعام . أما التعلم فهو يقاس بمدى التحسن في أداء الحيوان عن طريق حساب زمن المحاولة فقد بلغ زمن المحاولة الأولي 160 ثانية (مـائـة وسـتـون ثانية) ووصلت بعد21 محاولة إلي سبع ثواني وقد فسر ثورنديك إنخفاض الزمن التدريجي في شروط تجريبية دقيقة من خلال قانوني التدريب والأثر حيث تقوى بعض الإرتباطات العصبية المسئولة عن ظهور الإستجابة ( الأعصاب والعضلات المشتركة في فتح باب الصندوق ) بينما تضعف إرتباطات عصبية أخرى ويتضمن قانون الأثر في عبارات ثورنديك "حينما يحدث إرتباط بين موقف و إستجابة ويصاحب ذلك أو يتبع ، بحالة إشباع ، فإن قوة الإرتباط تزداد إما حينما يصاحب الإرتباط أو يتبع بحالة ضيق ، فإن قوة الإرتباط تضعف وتقل ويختلف تأثير التقوية في حالة الإشباع أو تأثير الإضعاف في حالة الضيق ، علي إرتباط عصبي ما تبعا لإقتراب الإرتباط الأصلي منه أو بعده عنه" .
ولا شك أن حدوث التعلم علي حالة الإستعداد Readiness التي تكون لدى الكائن الحي وقت حدوث التعلم ، وقد أفرد ثورنديك ثلاثة إحتمالات لمعنى الإرتياح والضيق هي :
أ- عندما تكون الوحدة العصبية علي إستعداد للسلوك أو العمل فإن سلوكها يريح الكائن الحي .
ب- وعندما تكون الوحدة العصبية علي إستعداد للعمل فإن عدم عملها يضايق الكائن الحي .
ج- حينما تجبر الوحدة العصبية علي العمل يجعل الكائن الحي في حالة ضيق .
وجدير بالذكر أن ثورنديك عندما عدل قانون الأثر فقد أقر قيمة أثر المكافأة أو الراحة النفسية في إحداث التعلم علي حين حذف العقاب حيث أنه لا يؤدي إلي التحسن في الأداء . ( راجع مراكز المكافأة والعقاب عندما أوضحنا الأسس الفسيولوجية للتعلم ) .
وقد ظهرت تطبيقات عديدة في مجال تربية الإنسان - تشكيل المخ – خصوصا فيما يتعلق بالتدريب في مجال التأهيل العلمي والنفسي المرتبطة بتحقيق أمثل شروط يتعلم الفرد السليم والمعوق .
2- التغيرات التي تحدث في المخ بالتدريب والخبرة :
إن كان ثورنديك منذ عام 1933 قد ركز بشدة علي الوصلات العصبية synapses كمحور هام في تفسير عملية التعلم فإنه يعتبر من أوائل الرواد الذين أشاروا إلي أهمية معرفة ما يدور داخل الوصلات قبل وبعد حدوث عملية التعلم ومنذ بداية الخمسينيات ظهرت دراسات عديدة أكدت أن التدريب المقصود وغير المقصود داخل بيئات تختلف في درجة ثراء المثيرات بها لابد وأن يؤدي إلي تغيرات وفروق يمكن قياسها للتغيرات التي تحدث بالوصلات العصبية ومادة المخ Brain homogenate of the ، وتخص تلك التغيرات كيمياء الخلية العصبية وخصائصها البنائية .
( رينر ، روزينفايج Renner & Rosenzweig 1987 ) وقد حاول الباحثين الكشف عن إرتباطات الفروق الفردية في حل المشكلات لدى الفئران ومستوى نشاط إنزيم الإستيل كولين (AchE) acetylcholinesterase في القشرة المخية .
وقد أشار روزينفايج وكريخ في دراسة قاما بإجرائها في الستينات إلي أنه كلما زادت صعوبة المشكلات التي تقوم بحلها مجموعات محددة من الفئران ، كلما إرتفع مستوى إنزيم الإستيل كولين في القشرة المخية . وقد قوبلت تلك الدراسات بنقد أساسي يفيد بأن احتمال إرتفاع مستوى هذا الإنزيم يرجع إلي الفروق النوعية التي تخص أنواع تلك الفئران ولا يمكن إرجاعه إلي التعلم .
وقد أدت تلك النتائج إلي المزيد من الدراسات التي إختارت ثلاثة شروط بيئية مختلفة يخضع لتأثيرها الفئران هي :
1- مجموعة قياسية تخضع فقط لشروط الطعام والماء عددها "2" من الفئران وهو الظرف الأمثل لحيوانات التجارب الذي يعمل علي الإحتفاظ بالسلوك العادي .
2- والمجموعة الثانية بلغ عددها إثنا عشر فأرا تعيش في قفص واحد وسط بيئة غنية من المنبهات والأشياء التي كانت تتغير كل يوم .
3- أما الشرط الثالث فيمثله فأر واحد معزول .
وبعد الإنتهاء من فترة الإعاشة في تلك الظروف والتي تراوحت من 25 – 80 يوم تم تشريح كل من فئران الشروط الثلاثة – وكانت النتائج مثيرة:
- إرتفع مستوى إنزيم الإستيل كولين عند مجموعة الشرط الثاني – بيئة غنية بالمثيرات مقارنه بالشرط الأخير
(بيئة تفتقر إلي المنبهات حيث يعيش الفأر في عزلة) .
- ظهرت نتائج مثيرة غيرت المفهوم السائد منذ بداية القرن العشرين حيث إزداد وزن القشرة المخية عند فئران الشرط الثاني – البيئة الغنية.
- إزداد سمك القشرة المخية بدرجة طفيفة في مجموعة الشرط الثاني الخاص بالبيئة الفقيرة .
- ترتفع عدد أشواك (تفرعات) الشجيرات العصبية عند مجموعة البيئة الثرية مقارنة بالمعزولة .
وتعني تلك التجربة أن الحرمان المعلوماتي من المثيرات والخبرات يؤدي إلي عدم نمو المخ في الإتجاه الصحيح الأمثل المطلوب لتأدية وظائفه.
وعلي العكس فإن ثراء البيئة والمنبهات الخارجية والتغيرات المستمر والتنوع في الخبرات يؤدي إلي تغيرات كيفية وكمية ملحوظة في القشرة المخية.
وعلي أساس ما قدمته نظرية الجشطلت Gestalt Psychology فإن أي خبره إدراكية أو إدراك لخبرة في موقف تعليمي يترك أثرا Trace في المخ وذلك الأثر يعكس البناء الكلي المدرك (كوفكا 53) وقد صاغ الجشطلت هذا المبدأ في ما يعرف بالتشاكلية Isomorphism الخاص يتكوينى الجشطلت المخي .
ويمكننا إذن نقف علي عدة أمور هامة في تفسير ثورنديك للتعلم أبرزها أنه كان محقا في تأكيده علي الوصلة العصبية من ناحية إنها أساس عصبي فسيولوجي ضروري لفهم التعلم وتشغيل وتخزين المعلومات بمصطلحات العصر الحالى ، ولكنه لم يكن علي حق عندما قال " وليس المقصود تقرير علاقات عصبية جديدة " . وقد أثبت مؤلف هذا الكتاب في رسالة الدكتوراه عام 1976 مستخدما منهجا يقوم علي إستقبال ذبذبات من المخ كنظام كلي – علي مستوى النظام وليس الوحدة العصبية – أن عدد الإتصالات بين مراكز المخ يرتفع عندما يقوم الفرد بحل مشكلة عقلية . وعلي الرغم من ذلك التقدم الهائل في أساليب دراسة وملاحظة الحالة الوظيفية للمخ فإن ما نعرفه لا يمثل سوى نقطة في المحيط .
ثالثا: التعلم والنصفين الكرويين بالمخ
ذكرنا أن المخ هو عضو النشاط النفسي وعلي الأخص القشرة المخية بالنصفين الكرويين Two-Hemispheres وكذلك فإن الإنسان ببناء جهازه العصبي المعقد يمثل بلا جدال المعلومات ، التي يتم تشغيلها من خلال المخ حيث يتم ممارسة العمليات النفسية .
ومما لاشك فيه أن البيئة الخارجية بجميع أبعادها الفيزيقية و الإجتماعية تمثل المصدر الرئيسي للمعلومات ولذلك فإننا عند ممارسة أي نشاط نفسي سواء كان عقليا معرفيا أو مزاجيا إنفعاليا فإنما نقوم بتشغيل ما تم إستقباله وإختزانه وتنظيمه من معلومات كما أوضحنا من قبل .
والتربية السليمة مقصودة أم غير مقصودة تمثل أهم الركائز الأساسية لتشكيل الشخصية الإنسانية ومن ثم كان لمحتوى المنهج Curriculum دور خطير في تنظيم عمل النصفين الكرويين بالمخ ، علي أساس أن إدخال معلومات محتوى المنهج يتم من خلال التعلم والتدعيم .
والسؤال المطروح للمناقشة الآن – هل أمكن للعلم أن يتعرف علي طبيعة عمل النصفين الكرويين بالمخ علي الأقل فيما يختص بنوع المعلومات التي يتم تشغيلها داخل كل من نصف الكرة اليسارLeft-Hemisphere ونصف الكرة اليمينRight-Hemisphere .
هل يؤدي كل من نصفي المخ نفس الدور والوظيفة بالنسبة لنوع المعلومات ؟ لقد ظل الفلاسفة وعلماء السلوك لفترة طويلة يبحثون عن وحدة الإنسان و فرادة الإنسان ظهرت لأنه المخلوق الوحيد مستقيم القامة والذي يمشي علي رجلين ومن ثم هو القادر علي ممارسة اللغة والمنطق وجميع ألوان النشاط الفني والإبتكاري .
والتجارب الحديثة في العلوم السلوكية تشير إلي أن أهم الملامح الرئيسية الفردية للنوع الإنساني تكمنى في ما يمكن تسميتة مجازا بالعقل ثنائي الكاميرا Bicameral mind.
ويعني ذلك أن لكل من النصفين الكرويين بالمخ نمطا إدراكيا معرفيا يتميز به عن الآخر من حيث نظام البرمجة ونوع محتوى المعلومات وكأن كل نصف كرة يقوم بتصوير العالم الخارجي كل حسب نمطه الإدراكي المعرفي .
النصفين الكرويين والنمط الإدراكي المعرفي:
تؤكد جميع الدراسات الإلكتروفسيولوجيا أن النشاط الكهربي الذي يمكن تسجيله من فروة الرأس يأخذ أطوارا تعكس أونتوجينية التخصص النصف كروي ، ( جرويل وآخرون سنة 1973 جاردينر سنة 1973 ، مولفيز 1973 ) .
فمن الممكن ملاحظة إستجابة كل من النصفين الكرويين عندما يبلغ الرضيع حوالي عام ويعتبر جرويل من بين الأوائل الذين أوضحوا تمايز النشاط النصف كروي عند الأطفال . عندما تم تعرضهم لأصوات موسيقية ( نشاط نصف الكرة اليمين ) أو الكلام – نشاط نصف الكرة اليسار ويؤكد كل من الباحثين المذكورين أعلاه حقيقة أساسية تنحصر في كلا من النصفين الكرويين يصلح للوظائف اللغوية فقط خلال الخمس السنوات الأولى تقريبا من حياة الطفل ،أما بعد هذا فإن خاصية النوع الوراثية تعمل علي إنتصار نصف الكرة الشمالي فيما يختص بإكتساب اللغة . ولهذا تعرف بنصف الكرة المهيمن .
إلا أن تمايز كل من النصفين الكرويين في مدى صلاحية أي منهم لنمط إدراكي ومحتوى نوعي من المعلومات يحدد مسئولية كل من النصفين الكرويين والخصائص المعرفية لها .
وجميع الأبحاث التي أجراها كل من جراي وولتر سنة 1967 ، أشيهارا ديالوجان تراباني سنة 1969 – 1970، و فوجل 1968 ، و أشيهارا سنة 1972 وغيرهم من الباحثين . قد توصلت إلي وصف للتخصص النصف كروي Hemispheric specification كنمط إدراكي نسوقه في السطور القادمة ( أولي Olee سنة 1977 ) .




ساحة النقاش