-----------------------
سيرة وتاريخ
القصص
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة"جمال يوسف وحسنه - تعلق امرأة العزيز بيوسف - عصمة يوسف - بين ذل المعصية وعز الطاعة - مفاسد الترف - أنواع الصبر ومراتبه "
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إني ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف:22-24].
لقد نشأ يوسف الصديق عليه السلام في بيت العزيز بلغ أشده وهو في بيت العزيز أصبح شابا مكتمل الخلقة كامل العقل فآتاه الله الحكم والعلم وهذا كناية عن النبوة فقد أنعم الله عليه بهذه المزية العظمى لأنه كان أهلا لها أنعم عليه بالنبوة لأنه كان أهلا لها ولقد كانت من أعظم الأسباب لعصمته وسلامته من الذنب فبينما كان يوسف الصديق يتقلب بسبب الرق يتقلب في قعر دار الترف والفساد كان مع ذلك نورا في ديجور وأنموذجا للنقاء في مجتمع ملوث.
لقد تحقق في يوسف الصديق نوران نور الخلقة وكمالها ونور النبوة وجلالها فقد أوتي يوسف شطر الحسن(1)[1] كما اخبر بذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي إن الحسن كله قسم نصفين فنصف لسائر الخلق ونصف أوتيه يوسف الصديق وحده فتعلق به قلب امرأة العزيز لكنه تعلق قلب آثم ملوث بأقذار المعاصي وقاذورات الآثام لم تشاهد امرأة العزيز من حسن يوسف إلا وجها واحدا وهو الحسن الجسدي ولم تبصر من جماله إلا جانبا واحدا وهو جمال الظاهر فلما أن راودته عن نفسه ودعته إلى فعل الفحشاء تجلى أمامها الجانب الآخر من الحسن والجمال في هذا الشاب المهاب إنه حسن الباطن وجمال النفس ونقاء السريرة.
فقد كان يوسف من المحسنين أخلص عبوديته لله كان مخلصا لربه فكان مخلصا من ربه فعصمه عاصمان عاصم التقوى ومخافة الله تعالى التي تلجم اندفاع الغريزة وتضبط جموح النفس وعاصم النبوة بجلالتها وبركتها فإذا بامرأة العزيز التي أذلها سعار الشهوة فأصبحت طالبة لا مطلوبة تعرض نفسها على الصديق ولكن في مستنقع المعصية إذا بها تواجه شموخ الطاعة وعزة العبودية المخلصة لله تعالى وصلابة التقوى التي ضربت سياجها حول الصديق عليه السلام تواجه هذا كله في شخصية يوسف فإذا بهذا الشاب الرائع الحسن المكتمل الخلقة والحيوية يرفض بشموخ وعزة عرضها المهيب المحفوف بكل أسباب الفتنة والإغراء.
لقد مرت بيوسف الصديق عليه السلام حتى الآن محنتان عظيمتان وخرج من كلتا المحنتين سليما طاهرا نقيا ونجا من كلتا المحنتين جميعا.
أما المحنة الأولى فهي اضطهاد إخوته له وتآمرهم على قتله حتى ألقوه في ذلك الجب الموحش المهلك وأنجاه الله تعالى وهذه المحنة هي محنة الضراء وهي على ما فيها من قهر وعذاب جسدي ونفسي إلا أنها أهون من المحنة أخرى ألا وإنها محنة السراء فتنة الإغراء.
ففي قصر العزيز أتيحت أمام يوسف كل وسائل المتعة كانت بين يديه منقادة إليه وهذه فتنة شديدة الوطأة على الإنسان قلما يقاوم الإنسان داءها ويسلم من شرها وإغرائها فتنة السراء أشد فتكا في الناس من فتنة الشدة والضراء ولذلك كان سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه الكرام: ((ما الفقر أخشى عليكم - لا أخشى عليكم من محنة الفقر - ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ))(2)[2].
إن الدنيا إذا انبسطت على الناس وتوافر لهم الرخاء والعيش المترف الهنيء فإن ذلك مظنة في الغالب لغفلة القلوب عن الله مظنة لغفلة القلوب عن الله وإعراض الناس عن الله وحينئذ فإن النتائج التي تترتب على ذلك أنهم يقعون في براثن الفساد العريض يغرقون في لجج الفساد العريض لكن يوسف الصديق عليه السلام كان من المحسنين كان قمة في إيمانه كان في إيمانه محسنا والإحسان أن يعبد الله كأنه يراه وأن يستحضر في قلبه دائما أن الله سبحانه يراه هذا مقام المراقبة والمشاهدة هذا مقام يوسف الصديق عليه السلام ولذلك كوفئ على هذا الإحسان بالنبوة قال تعالى: ولما بلغ أشده أتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين [يوسف:22].
وكان يوسف الصديق عليه السلام من عباد الله المخلصين قال تعالى: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين وفي قراءة (المخلِصين) بكسر اللام ومعنى ذلك انه عليه السلام لما أخلص العبودية لربه تعالى جعله الله من عباده المخلصين أي المجتبين المصطفين الأخيار ولذلك واجهت معصية امرأة العزيز جلال الطاعة مكن يوسف اصطدم ذل الشهوة من امرأة العزيز بعزة التقوى من يوسف فرجع الشيطان خاسئا وهو حسير يجلجل في أذنيه إعلان يوسف الصديق كأنه الأذان معاذ الله أي أعوذ بالله سبحانه مما تعرضينه علي ألوذ بجنابه تعالى من شر السوء والفحشاء معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون هذه ومضة من ومضات هذا الموقف الرائع العظيم الموقف الهام من مواقف هذه القصة الشريفة قصة الصديق يوسف عليه السلام وسنكمل الحديث عن هذا الموقف في الجمعة القادمة إن شاء الله وخاصة عن قوله: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فعن عطاء بن أبي رباح قال: ((قال لي العباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قال: فقلت: بلى قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف ادعُ الله تعالى لي فقال لها: المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك)) فقالت: أصبر ثم قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أتكشف ادعُ الله ألا أتكشف فدعا لها صلى الله عليه وسلم)) رواه البخاري ومسلم.(3)[1]
هذا النوع من الصبر نوع عظيم وهو الصبر على البلاء على ما يصيب العبد من بلاء جسدي أو نفسي فكل ما يكرب المؤمن إذا صبر عليه كان له ثوابا وأجرا قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يصيب المؤمن نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عن خطاياه)) رواه البخاري(4)[2].
ولكن أعظم من هذا النوع الصبر على طاعة الله أداء الأوامر الإلهية والصبر على ذلك وأعظم من هذا الصبر عن معاصي الله وأعظم أنواع الصبر عن المعصية صبر المتمكن عن المعصية أي التي تتوافر لديه الدواعي لفعل المعصية ثم يعصم نفسه منها ينهى نفسه عن الهوى ويصبر عن المعصية مثل الشاب القوي الشهوة القوي البنية فإن الدواعي التي تدعوه إلى اقتراف الزنا قائمة لديه فإذا ما نهى نفسه عن هذه المعصية واستعصم وعصم نفسه عن السوء والفحشاء وتعفف فهذا من أعظم الصابرين أجرا وأعظم صبرا مثلا من الشيخ الذي لا يشتهي ودواعي الزنا ليست قائمة لديه هذا الشاب هو من أعظم الصابرين أجرا إذا تعفف وعصم نفسه من السوء والفحشاء وكذلك الإمام العادل فإن أسباب السلطان بين يديه والدواعي التي تدعوه إلى التسلط والظلم قائمة لديه فإذا ما نهى نفسه عن ذلك وصبر عن الظلم وعن التسلط وأخذ نفسه بالعدل فهذا من أعظم الصابرين أجرا قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله)).
فبدأ بالإمام العادل لأن في عدله وصلاحه منفعة وبركة على سائر الرعية: (( إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها فلا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه))(5)[3].
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا))(6)[4] اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
__________
(1) أحمد (3/148)، ومسلم في الإيمان (259).
(2) البخاري: ك: الجزيه (2988).
(3) البخاري: ك: المرض (5328)، ومسلم : ك: البر والصلة (2576).
(4) البخاري: ك : المرض (5713).
(5) البخاري:ك : الجماعة والإيمامة (629)، مسلم: ك: الزكاة (1031).
(6) صحيح مسلم (408).



ساحة النقاش