-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب, العلم والدعوة والجهاد
القرآن والتفسير, مكارم الأخلاق
-----------------------
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
4/6/1411
قباء
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
* قوله تعالى : ( وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت ... ) - معنى كلمة سولت , في القرآن ودلالتها على عناصر جذب الإنسان إلى المعصية : النفس والشيطان - من سمات المؤمنين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ذنباً ندموا وبادروا بالتوبة - إجرام فرعون واجتراؤه على مقام الألوهية , وموقفه وموقف الطواغيت عند معاينة الموت - خطورة النفس , وضرورة حملها على الحق والهدى , وعدم الاستسلام لنزَغاتها وتطبيق ذلك على اخوة يوسف - * -------------------------
الخطبة الثانية : منزلة الصبر في القرآن وفضله - نموذجان للصبر في حديث " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " : 1-النموذج العملي : في زهده صلى الله عليه وسلم وصبره على شدة العيش 2- النموذج القولي : قوله للمرأة بعد أن جاءته : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " ودلالة ذلك ونموذج من صبر السلف
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد:
فقد قال الله تعالى: وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف:18].
قوله سولت من السول وهو الاسترخاء يقال: سولت له نفسه كذا أي زينت وسهلت جعلته سهلا أمامه حتى يرتكبه وقد وردت هذه الكلمة مسندة في القرآن في ثلاثة مواضع إلى ثلاثة أمور:
أولا: وردت مسندة إلى النفس في هذه الآية من سورة يوسف قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا [يوسف:18].
ثانيا: وردت مسندة إلى نفس السامري الوثني الذي صنع عجلا لبني إسرائيل له خوار فعبدوا العجل فقال له نبي الله موسى عليه السلام: قال ما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي [طه:95].
ثالثا: وردت مسندة إلى الشيطان في قول الله تعالى من سورة محمد: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم [محمد:25].
وجملة هذه المواضع تلخص لنا عنصرين يتجاذبان الإنسان إلى المعصية والذنب وهما النفس والشيطان فكلاهما يزينان المعصية للإنسان ويحرضانه على اقتراف الإثم حتى يندفع بلا روية إلى حمأة المعصية والذنب تحت وطأة التزيين والتسهيل وكثير من العصاة لا يدركون فداحة ما ارتكبوا من معاصٍ وما اقترفوا من ذنوب حتى يغرقوا في حمأتها إلى الأذقان وحينئذ كثيرا ما يكون التراجع صعبا ولكن من تنبه منهم قبل فوات الأوان فندم وتاب تاب الله عليه إذا تنبه قبل فوات الأوان حيث يكون باب التوبة مفتوحا فإن الله وصف المؤمنين ذكر من أوصاف المؤمنين أنهم قد يرتكبون شيئا من الذنوب والفواحش في ساعة تكون فيها البصائر والأبصار في حالة من العمى لكنهم إذا استيقظت بصائرهم وانفتحت أبصارهم تذكروا ربهم فندموا وتابوا في الوقت المناسب فتاب الله عليهم قال الله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [آل عمران:135]. وكذلك المجرم يرتكب جريمته في ساعة خذلان في ساعة استسلام لتزيين النفس وزخارف الشيطان ووساوسه ولكنه إذا تذكر قبل فوات الأوان وتاب قبل انصرام العمر وذهاب الزمان بحيث يتمكن من إصلاح ما أفسد إذا كانت جريمته قد ألحقت بالآخرين أضراراً ومفاسد فإنه إذا فعل ذلك في الوقت المناسب يتوب الله عليه أما إذا استمرت بصيرته مغلقة واستمر مصرا على المعصية والذنب وظلم الناس حتى حضره الموت ورأى بوادره فتاب حينئذ لا تنفعه توبته قال الله تعالى: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب [النساء:17]. أي يتوبون قبل أن يدركهم الموت ماذا تريد أن تصنع أيها العاصي أيها الظالم أيها السادر في غيه تريد أن تخادع ربك وتخادع المؤمنين تملأ حياتك كلها فسادا وإفسادا تفني عمرك في معصية الله حتى إذا رأيت بوادر الموت تتوب ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما [النساء:17].
كان عليما بأحوال الناس بسرائرهم وجواهرهم حكيما فيما يقدر ويفعل ويحكم سبحانه وتعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما [النساء:18]. لم يشهد التاريخ مجرما كفرعون لم يكتف بما سفك من دماء ولا بلا ما اقترفت يداه من آثام ومظالم حتى اجترأ على مقام الألوهية وادعى الألوهية وقال لقومه: ما علمت لكم من إله غيري وهذه عادة الفراعنة في كل زمان وفي كل مكان إن لم يقولوها بلسان مقالهم قالوها بلسان حالهم رددتها أجهزة إعلامهم ما علمت لكم من إله غيري [القصص:38]. وهذا غاية الاستبداد وغاية الغرور وغاية الطغيان من المخلوق واستمر فرعون في غيه وفي تجبره وطغيانه حتى إذا أدركه الغرق وأحيط به من كل مكان أحاطت به عقوبة الله من كل مكان وزال الخفاء وانكشف الغطاء صرخ فرعون في حالة الفزع: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل [يونس:90]. حتى اسم ربه لم يذكره لم يعرف ربه حتى يذكر اسمه فهل تنفع مثل هذه التوبة هل تنفع الإنسان مثل هذه التوبة مقتضى عدل الله ورحمته ألا يقبلها فقد فات أوانها ولذلك قيل في شأن فرعون: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين [يونس:91].
فيا أيها الناس: النفس خطيرة النفس خطيرة إذا حاربها المؤمن وانتصر عليها ونهاها عن الهوى وقهرها واجبرها على الهدى فقد نجا وسلم أما إذا استسلم لنزغاتها وشهواتها وأهوائها وتخاذل أمام مطالبها فتحكمت فيه غرائزها الحيوانية إذا تحكمت فيه غرائزها الحيوانية فإنها تودي به إلى الهلاك والخسران كما كاد يحدث ذلك لإخوة يوسف كاد يحدث لهم ذلك وكادوا يخسرون ويهلكون لما تحركت في أنفسهم غريزة حيوانية من أشد غرائز النفس البشرية غريزة الحسد فاستسلموا لها فتمكنت منهم وسيطرت عليهم حينئذ سولت لهم جريمة من أعظم الجرائم بعد الإشراك بالله تعالى وهي جريمة قتل النفس ولولا بركة بيت النبوة الذي عاشوا في كنفه ولولا بركة دعاء أبيهم يعقوب عليه السلام فتداركهم الله عز وجل بلطفه فتابوا في الوقت المناسب لهلكوا وخسروا وهكذا الإنسان يفكر ويدبر ويطغى ويتجبر لكن الله غالب على أمره والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون [يوسف:21].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فعن أنس رضي الله عنه قال: ((مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي لم تعرفه صلى الله عليه وسلم قال : فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم أي بعد أن انصرف صلى الله عليه وسلم أخبروها بأنها كانت تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت إلى بيته صلى الله عليه وسلم ذهبت إلى باب بيته فلم تجد عنده بوابين هكذا يقول أنس ذهبت إلى باب بيته فلم تجد عنده بوابين صلى الله عليه وسلم فقالت له: لم أعرفك فقال لها صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى))(1)[1] متفق عليه.
لقد ذكر الصبر في القرآن العظيم في خمسة وتسعين موضعا ولم يذكر وعد بالجزاء كما ورد في الصبر لم يرد وعد بالجزاء الجزيل كما ورد في الصبر فقال تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر:10]. ثم تأملوا هذا الحديث النبوي الشريف تجد فيه أنموذجين للصبر أحدهما عملي والآخر قولي أما العملي فيتجلى في حال سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم كيف عاش متقللا من الدنيا عازفا عن زينتها وبهارجها وزخارفها مترفعا عن خيلائها وترفها بينما هو أكرم الخلق وأعظم الخلق أين منه الأكاسرة والقياصرة والجبابرة وسائر ملوك الدنيا لا يساون في القدر قلامة ظفر من أظفاره صلى الله عليه وسلم ومع ذلك انظروا الفرق بينه وبينهم أما هم فوجه بعضهم أنهم استعبدتهم الدنيا بزخارفها وشهواتها وخيلائها وزخارفها هذا وجه بعضهم وأما وجه عظمته صلى الله عليه وسلم فإنه كان أرفع وأسمى من أن تستعبده تلك الدنيا الغرارة فعاش صلى الله عليه وسلم عيشة المساكين بينما الدنيا كلها بين يديه إن أراد وأحب عاش عيشة المساكين لم تجد تلك المرأة المكلومة الحزينة عند بيته بوابين لا حجاب ولا حرس ولا ستور ولا عوائق لما أرادت أن تعتذر له صلى الله عليه وسلم من خشونتها في الجواب فإنها لم تعرفه وكانت تحت وطأة المصيبة لما أرادت أن تعتذر له وجاءت إلى بيته لم تجد أي عوائق تعوق بينها وبين لقاء أكرم الخلق وأعظم الخلق صلى الله عليه وسلم هذا الأنموذج العملي أي نفس عظيمة تلك النفس التي صبرت على ذلك وآثرت ما هو خير وأبقى على هذه الدنيا الفانية ما أعظمها من نفس تلك النفس الشريفة أما الأنموذج الثاني فهو في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) فهذه قاعدة عظيمة لو التزمها المسلم في حياته العملية فإنه لا يغلب ولا يخسر لأنه لا يستدرك ولا يستفز لا تستطيع شياطين الإنس والجن أن تستدركه إلى حبائلها ولا تستفزه في إيمانه ودينه لو التزم المؤمن بهذه القاعدة فإنه لا يغلب ولا يخسر أبدا إذا تسلح بالصبر وخاصة في تلك اللحظات الحرجة في اللحظات الأولى من المواجهة من مواجهة المصائب والحوادث والأمور التي يقدرها الله عز وجل عليه إذا تسلح بالصبر في اللحظات الأولى فإنها لحظات تنهار عندها عزائم الرجال في الغالب وتغور قواهم ويذهب تجلدهم وتضيع أناتهم وحكمتهم. في صحيح مسلم أن أبا طلحة رضي الله عنه مات ابن له صغير من أم سليم فقالت أم سليم لأهلها: لا تحدثوه بابنه حتى أكون أنا أحدثه فلما جاء أبو طلحة قدمت إليه عشاء فأكل وشرب ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع من قبل أي تزينت وتهيأت فوقع بها جامعها فلما أن رأت أنه شبع وأصاب منها قالت له: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوها قال: لا قالت: احتسب ابنك فغضب أبو طلحة وقال: تركتيني إلى أن تلطخت ثم أخبرتيني أي تركتيني إلى أن تلطخت من الجماع ثم أخبرتيني بموت ابني فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان أي بما حدث بموت ابنه وبفعل امرأته أم سليم رضي الله عن الجميع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بارك الله لكما في ليلتكما))(2)[2] ما أعظمه من مكسب يثني به الرسول صلى الله عليه وسلم على موقف هذه الزوجة وعلى صبرها وعلى حسن صنيعها دعا لهما بالبركة بالذرية المباركة فحملت أم سليم فولدت غلاما فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه عبد الله قال رجل من الأنصار لقد رأيت لعبد الله هذا من الأولاد تسعة كلهم قرأ القرآن كلهم حفظ القرآن وأتقنه وهذه بركات ذلك الدعاء النبوي الذي كان سببه موقف تلك الزوجة وصبرها على النائبة وحسن تصرفها.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان ثم صلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا)) اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة أبى بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
__________
(1) البخاري: ك: الجنائز (1194).
(2) مسلم: ك: فضائل الصحابة (2144).



ساحة النقاش