27-وفاة الرسول ص
الحدث:
يجتمع في شهر ربيع الأول أحداث ثلاثة ، وهي مولد النبي ص وهجرته إلى المدينة ووفاته.ولا ريب أن كلًا منها كان حدثًا مهمًّا في حياة المسلمين ، لا بل وفي حياة الثقلين أجمعين.
ويوافق بعض المسلمين النصارى وغيرَهم من الوثنيين ، فيجعلون حدث المولد أهمَّ الأحداث الثلاثة ، بل ويعتبره بعضهم أهمَّ أحداث السيرة النبوية قاطبة.
والحق أن ميلاد النبي ص حدثٌ مبارك ، حيث أشرق ص على الأرض بمولده ، لكن هذا الحدث ليس له تميز عن سائر ولادات الناس لو لم يبعث ويرسل ص.
* والحدث الأهم من ولادته هو هجرته ص التي أوجدت لنا المجتمع المسلم والدولة المسلمة التي استمرت قرونًا طويلة ، وقدمت للإنسانية حضارة فريدة على مرّ الزمن ، ولأهمية هذا الحدث أرخ به عمر بن الخطاب توالمسلمون بعده التاريخ الإسلامي.وقد روى ابن أبي شيبة في(المصنف) عن الشّعبيّ أنّ أبا موسى كتب إلى عمر:إنّه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ فجمع عمر تالنّاس فقال بعضهم:أرِّخ بالمبعث وبعضهم:أرِّخ بالهجرة فقال عمر:(الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها).
والحدث الأهم في سيرة النبي ص هو وفاته ص ؛ لأن وفاته ص ليست كوفاة سائر الناس ، ولا كسائر الأنبياء ؛ إذ بموته ص انقطعت النبوات ، وانقطع خبر السماء ووحي الله عن الأرض.
أعظم مصيبة حلت بالمسلمين:
وقد نبه النبي ص إلى عظم هذه المصيبة التي حلت بالمسلمين فقال:$ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ـ أَوْ مِنْ الْـمُؤْمِنِينَ ـ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنْ الْـمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي ؛ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي# (صحيح رواه ابن ماجه).
$ فَلْيَتَعَزَّ # أي يخفِّف على نفسه مؤونة تلك المصيبة بتذكّر هذه المصيبة العظيمة ، إذ الصّغيرة تضمحلّ في جنب الكبيرة فحيث صبر على الكبيرة لا ينبغي أن يبالي بالصّغيرة.
قال أبو العتاهية:
اصْبِرْ لكـلِ مصيــبةٍ وتجلَّدِ واعلـمْ بأن المـــرءَ غــــيرَ مخلَّـــدِ
واصبِرْ كما صبَر الكرامُ فإنها نُــوَبٌ تنوبُ اليــومَ تُكشَفُ في غدِ
أوَما ترى أنّ المصائبَ جمَّــةٌ وتــرى المنيـــةَ للعبـادِ بمرصـــدِ
فإذا أتتْك مصيبةٌ تُشْجَى بها فاذكُر مُصَـابَك بالنبي محمـــدِ ص
وها هي أُمَّ أَيْمَنَ لبَكَتْ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ ص فَقِيلَ لَهَا : «تَبْكِينَ» ، فَقَالَتْ :«إِنِّي وَاللهِ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص سَيَمُوتُ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى الْوَحْيِ الَّذِي انْقَطَعَ عَنَّا مِنْ السَّمَاءِ» (رواه الإمام أحمد).
قال رسول الله ص:«النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»(رواه مسلم).
مَعْنَى الْـحَدِيث:أَنَّ النُّجُوم مَا دَامَتْ بَاقِيَة فَالسَّمَاء بَاقِيَة.فَإِذَا اِنْكَدَرَتْ النُّجُوم ، وَتَنَاثَرَتْ فِي الْقِيَامَة ، وَهَنَتْ السَّمَاء ، فَانْفَطَرَتْ ، وَانْشَقَّتْ ، وَذَهَبَتْ.
وَقَوْله ص:( وَأَنَا أَمَنَة لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ )
أَيْ مِنْ الْفِتَن وَالْحُرُوب ، وَارْتِدَاد مَنْ اِرْتَدَّ مِنْ الْأَعْرَاب ، وَاخْتِلَاف الْقُلُوب ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا أَنْذَرَ بِهِ صَرِيحًا ، وَقَدْ وَقَعَ كُلّ ذَلِكَ.
قَوْله ص:( وَأَصْحَابِي أَمَنَة لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ ) مَعْنَاهُ مِنْ ظُهُور الْبِدَع ، وَالْحَوَادِث فِي الدِّين ، وَالْفِتَن فِيهِ ، وَطُلُوع قَرْن الشَّيْطَان ، وَظُهُور الرُّوم وَغَيْرهمْ عَلَيْهِمْ ، وَانْتَهَاك الْمَدِينَة وَمَكَّة وَغَيْر ذَلِكَ.وَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ مُعْجِزَاته ص.
معرفة النبي ص باقتراب أجله:
بُشِّرَ النبي ص باقتراب أجله في آيات عدة في القرآن الكريم ، منها قوله تعالى:( إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ) (الزمر:30) ، وقوله سبحانه:( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ ٱلْمَوْتِ) (الأنبياء:34 ، 35) ، وقوله:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ) (آل عمران:144) ، وقوله:( إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجًا * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا) (سورة النصر).
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍبأَنَّ عُمَرَ ت سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ.
قَالَ مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ :أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ص نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ (رواه البخاري).
وقد أشعر النبي صأصحابه في أكثر من موطن بقرب أجله وانتقاله إلى جوار ربه ، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صإِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ صيُوصِيهِ ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللهِ صيَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ:« يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا أَوْ لَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا أَوْ قَبْرِي » ، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللهِ ص.(رواه أحمد وإسناده صحيح).
وعَنْ عَائِشَةَ لقَالَتْ:أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صفَقَالَ النَّبِيُّ ص:«مَرْحَبًا بِابْنَتِي » ، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ ؟
ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ :«مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ص» ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صفَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ:« أَسَرَّ إِلَيَّ : «إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي ، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي » ؛ فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ :«أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ » ؛ فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ». (رواه البخاري ومسلم).
بداية المرض بالنبي صوسببه:
كان سبب مرض النبي ص مؤامرة اليهودية حين دست له السم في طعامه ص الذي دعته إليه ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللهِ صيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ؛ فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صمِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ :«ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ »
فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الْأَنْصَارِيُّ فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ:« مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ » ، قَالَتْ :«إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْتُ ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ » ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ص ، فَقُتِلَتْ ، ثُمَّ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : «مَازِلْتُ أَجِدُ مِنْ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي» (صحيح رواه أبو داود).
( مَا زِلْت أَجِد ): أَيْ أَلَمًا ( قَطَعَتْ أَبْهَرَيَّ )الأَبْهَر :عِرْق فِي الظَّهْر وَهُمَا أَبْهَرَانِ ، وَقِيلَ هُمَا الْأَكْحَلَانِ اللَّذَانِ فِي الذِّرَاعَيْنِ ، وَقِيلَ هُوَ عِرْق مُسْتَبْطِن الْقَلْب فَإِذَا اِنْقَطَعَ لَمْ تَبْقَ مَعَهُ حَيَاة.
وفي الحديث أن أم مبشِّر ل دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صفِي وَجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَقَالَتْ:« بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ ، فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ » ، وَكَانَ ابْنُهَا مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ ص ، قَالَ:« وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ هَذَا أَوَانُ قَطْعِ أَبْهَرِي» (رواه أحمد وإسناده صحيح).
فجمع الله لنبيه ص بين الشهادة على يد قتلة الأنبياء من اليهود ، وبين المرض والحمى وفيهما ما فيهما من رفع الدرجات.
وأما أول معالم عود المرض إليه ص فكان بعد رجوعه من دفن أحد أصحابه ، عَنْ عَائِشَةَ لقَالَتْ:«رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي ، وَأَنَا أَقُولُ:« وَارَأْسَاهْ» ، قَالَ :«بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ » ، قَالَ:« مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟» قُلْتُ:« لَكِنِّي ـ أَوْ لَكَأَنِّي بِكَ ـ وَاللهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ» ، قَالَتْ :«فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صثُمَّ بُدِئَ بِوَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» (رواه أحمد وإسناده صحيح).
تخيير النبي ص بين الموت والخلد:
عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صقَالَ:بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صمِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ:« يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ؛ فَانْطَلِقْ مَعِي ».
فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ:« السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللهُ مِنْهُ أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْـمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا ، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى ».
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ « يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا ، وَالْخُلْدَ فِيهَا ، ثُمَّ الْجَنَّةَ ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ ».
قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ.
قَالَ:« لَا وَاللهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ » ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللهِ صفِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ »(إسناده صحيح رواه أحمد).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ تقَالَ:خَطَبَ النَّبِيُّ صفَقَالَ:« إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ » ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ت ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي:« مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ ، إِنْ يَكُنْ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ » ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صهُوَ الْعَبْدَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا» (رواه البخاري ومسلم).
عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلقَالَتْ:كَانَ رَسُولُ اللهِ صيَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ:« إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ» ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ، ثُمَّ قَالَ:« اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» ، قُلْتُ :إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ صقَوْلُهُ :«اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» (رواه البخاري).
عَنْ عَائِشَةَل قَالَتْ:سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صيَقُولُ:« مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ » ، وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:(مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. (رواه البخاري ومسلم).
واختلف العلماء في مراده ص بالرفيق الأعلى على أقوال ، فقيل:الله ﻷ ، وقيل:ملائكته ، وقيل:أنبياؤه ، وقيل:الجنة ، ولكل منها دليل.
وصايا النبي ص في مرض وفاته:
لا ريب أن أقوال النبي ص جميعًا موضع للعبرة والعظة ، لكنه ص اختص أمته ببعض النصح وهو في مرض موته ، وهو مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا ، فما هي آخر وصاياه ص؟
عَنْ عَائِشَةَ لعَنْ النَّبِيِّ صقَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ:« لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا » قَالَتْ :«وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» (رواه البخاري ومسلم).
وقد ذكر ابْنِ عَبَّاسٍ ب أَنَّ النبي ص أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِإِخْرَاجِ ِالْـمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.(رواه البخاري ومسلم).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ب قَالَ:خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صفِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:« أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ » ، فَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَ بِهِ النَّبِيُّ ص.(رواه البخاري).
(عِصَابَة) مَا يُشَدّ بِهِ الرَّأْس وَغَيْرهَا. وَقِيلَ : الْـمُرَاد بِالْعِصَابَةِ الْعِمَامَة وَمِنْهُ حَدِيث الْمَسْح عَلَى الْعَصَائِب.
(دَسْمَاء)أَيْ لِكَوْنِهَا كَلَوْنِ الدَّسَم وَهُوَ الدُّهْن ، وَقِيلَ : الْـمُرَاد أَنَّهَا سَوْدَاء لَكِنْ لَيْسَتْ خَالِصَة السَّوَاد ، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون اِسْوَدَّتْ مِنْ الْعَرَق أَوْ مِنْ الطِّيب.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍبقَالَ:كَشَفَ رَسُولُ اللهِ صالسِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ:« أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْـمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا ؛ فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ »(رواه مسلم).
(السِّتَارَة) السِّتْر الَّذِي يَكُون عَلَى بَاب الْبَيْت وَالدَّار.
قَمِنٌ: حَقِيق وَجَدِير.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَلأَنَّ رَسُولَ اللهِ صكَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ:« الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى مَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ. (صحيح رواه ابن ماجه)
( الصَّلَاة )أَيْ اِلْزَمُوهَا وَاهْتَمُّوا بِشَأْنِهَا وَلَا تَغْفُلُوا عَنْهَا.
(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ )مِنْ الْأَمْوَال أَيْ أَدُّوا زَكَاتهَا وَلَا تُسَامِحُوا فِيهَا وَهَذَا هُوَ الْـمُوَافِق لِقِرَانِ الصَّلَاة فَإِنَّ الْـمُتَعَارَف فِي عُرْف الطُّرُق وَالشَّرْع قِرَانهمَا ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَصِيَّة بِالْعَبِيدِ وَالْإِمَاء أَيْ أُدُّوا حُقُوقهمْ وَحَسَن مَلْكَتهمْ فَإِنَّ الْـمُتَبَادِر مِنْ لَفْظ مَا مَلَكَتْ الْأَيْمَان فِي عُرْف الْقِرَان هُمْ الْعَبِيد وَالْإِمَاء.
(حَتَّى مَا يُفِيض بِهَا لِسَانه)أَيْ مَا يَجْرِي وَلَا يَسِيل بِهَذِهِ الْكَلِمَة لِسَانه مِنْ فَاضَ الْمَاء إِذَا سَالَ وَجَرَى ، حَتَّى لَمْ يَقْدِر عَلَى الْإِفْصَاح بِهَذِهِ الْكَلِمَة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ تقَالَ:كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ص حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ:« الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (صحيح رواه ابن ماجه).
28-موتوا على ما مات عليه رسول اللهص
مرض النبي ص:
بدأ المرض بالنبي ص في مطلع شهر ربيع الأول ، وقد نُقل إلينا بعض أخباره وأحواله ص في مرضه:
من أحواله ص قبل اشتداد المرض:
عن عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ لقَالَتْ:لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صوَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صبَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ.
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ :فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ أَتَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الْآخَرُ؟
قُلْتُ: لَا. قَالَ :هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ت.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ لتُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صقَالَ بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ :«هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ» ، وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. (رواه البخاري ومسلم).
(ثَقُلَ)أَيْ : فِي الْمَرَض ، اِشْتَدَّ مَرَضه.(فِي أَنْ يُمَرَّض) أَيْ : يُخْدَم فِي مَرَضه.
(فَأَذِنَّ) الْأَزْوَاج ، (حَتَّى طَفِقَ)يُقَال طَفِقَ يَفْعَل كَذَا إِذَا شَرَعَ فِي فِعْل وَاسْتَمَرَّ فِيهِ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بقَالَ:خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صفِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :«إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» (رواه البخاري).
قَالَتْ عَائِشَةَ ل :لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ صمَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأُذِّنَ فَقَالَ:« مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» ، فَقِيلَ لَهُ :«إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ :«إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».
فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ تفَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ صمِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ مَكَانَكَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ ».
قِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ صيُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ بِرَأْسِهِ: نَعَمْ»(رواه البخاري ومسلم).
(أَسِيفٌ):رَقِيق الْقَلْب.
(إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ):الْـمُرَاد أَنَّهُنَّ مِثْلُ صَوَاحِب يُوسُف فِي إِظْهَار خِلَاف مَا فِي الْبَاطِن. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخَطَّاب وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْع فَالْـمُرَاد بِهِ وَاحِد وَهِيَ عَائِشَة فَقَطْ ، كَمَا أَنَّ (صَوَاحِب) صِيغَة جَمْع وَالْـمُرَاد زُلَيْخَا ـ امرأة العزيز ـ فَقَطْ.
وَوَجْه الْـمُشَابَهَة بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ زُلَيْخَا اِسْتَدْعَتْ النِّسْوَة وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَام بِالضِّيَافَةِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْن يُوسُف وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّته ، وَأَنَّ عَائِشَة أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَب إِرَادَتهَا صَرْف الْإِمَامَة عَنْ أَبِيهَا كَوْنه لَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَة لِبُكَائِهِ ، وَمُرَادهَا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ ما صَرَّحَتْ هِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ :« لَقَدْ رَاجَعْته وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَة مُرَاجَعَته إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاس بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا ».
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ تقَالَ:لَمْ يَخْرُجْ النَّبِيُّ صثَلَاثًا ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صبِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ.
فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ صمَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ صحِينَ وَضَحَ لَنَا فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ صبِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَأَرْخَى النَّبِيُّ صالْحِجَابَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ» (رواه البخاري ومسلم).
(فَقَالَ نَبِيُّ اللهُ صبِالْحِجَابِ)هُوَ مِنْ إِجْرَاءِ قَالَ مَجْرَى فَعَلَ.
وقالت عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا:« إن رَسُولَ اللهِ صكَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْـمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْـمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ صعَنْهُ» (رواه البخاري ومسلم).
شدة وجعه ص:
عَنْ عَائِشَةَ لقَالَتْ:«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صوَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ:« إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا» ، قَالَ:« أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ» ، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟» قَالَ:« أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» (رواه البخاري ومسلم).
و عَنْ أَنَسٍ تقَالَ:لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صجَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام :«وَاكَرْبَ أَبَاهُ» ، فَقَالَ لَهَا :«لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» (رواه البخاري).
مدة مرضه ص:
قال ابن حجر/ في (فتح الباري):« وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّة مَرَضه ، فَالْأَكْثَر عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَة عَشَر يَوْمًا ، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ يَوْم وَقِيلَ بِنَقْصِهِ...وَقِيلَ عَشَرَة أَيَّام وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمَان التَّيْمِيُّ فِي (مَغَازِيه) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح».
اليوم الأخير من حياته ص:
عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ت ـ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ صوَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ ـ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صالَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ صسِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنْ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ص ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صخَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صأَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ، وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ» (رواه البخاري ومسلم) ، وفي رواية أخرى:«...وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ».(رواه البخاري).
قال ابن كثير:«وهذا الحديث في الصحيح ، وهو يدل على أن الوفاة وقعت بعد الزوال ».
وكَانَتْ عَائِشَةَل تَقُولُ:إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صتُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ.
دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ صفَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ فَقُلْتُ:«آخُذُهُ لَكَ » ، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ.
فَتَنَاوَلْتُهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ :«أُلَيِّنُهُ لَكَ » ، فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ ، فَلَيَّنْتُهُ ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ ـ يَشُكُّ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ـ أحد رواة الحديث ـ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ :«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ:« فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ »(رواه البخاري ومسلم).
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍتأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صقَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ص(رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ عَائِشَةَ ل أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صيَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ:« اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى » (رواه البخاري ومسلم والترمذي).
قال النووي:الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ الْـمُرَاد بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى الْأَنْبِيَاء السَّاكِنُونَ أَعْلَى عَلِيِّينَ.
قَالَتْ عَائِشَةُل: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ صوَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ :«اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى » فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صقَوْلَهُ :«اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى » (رواه البخاري ومسلم).
وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول ، والجمهور أنها في الثاني عشر منه.
عُمْر النبي ص حين مات:
عن عائشة ب أن النبي ص توفي وهو ابن ثلاث وستين.(رواه البخاري ومسلم).وصح مثله عن ابن عباس ت.(رواه البخاري)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس:توفي رسول الله ص وهو ابن خمس وستين.(رواه مسلم) وصح عن أنس ت أنها ستون سنة.(رواه البخاري)
وجمع النووي بين الأقوال ، فقال:(توفي ص وله ثلاث وستون سنة ، وقيل:خمس وستون سنة ، وقيل:ستون سنة ، والأول أصح وأشهر ، وقد جاءت الأقوال الثلاثة في الصحيح.
قال العلماء:الجمع بين الروايات أن من روى ستين لم يعد معها الكسور ، ومن روى خمسًا وستين عد سنتي المولد والوفاة ، ومن روى ثلاثًا وستين لم يعدهما ، والصحيح ثلاث وستون).
حزن الصحابة على فقد حبيبهم وحبيبنا ص:
ولما توفي صاضطرب المسلمون ، فمنهم من دهش فخولط ، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام ، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام ، ومنهم من أنكر موته بالكلية.
عَنْ عَائِشَةَ لزَوْجِ النَّبِيِّ صأَنَّ رَسُولَ اللهِ صمَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْح ِـ يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ ـ فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ:« وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ :وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ » ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صفَقَبَّلَهُ قَالَ :«بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا» ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ:« أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ » ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ فَحَمِدَ اللهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ:«أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صفَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ».
وَقَالَ:(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ).
وَقَالَ:( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ).
قَالَ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ.
قَالَتْ عَائِشَةَ ل:« فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللهُ بِهَا ، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللهُ بِذَلِكَ ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ...إِلَى الشَّاكِرِينَ ).(رواه البخاري).
وعَنْ أَنَسٍ تقَالَ:لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صجَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ل : وَاكَرْبَ أَبَاهُ ، فَقَالَ لَهَا :«لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ:« يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ» ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ل:«يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صالتُّرَابَ » (رواه البخاري).
أَشَارَتْ ل بِذَلِكَ إِلَى عِتَابهمْ عَلَى إِقْدَامهمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّة قُلُوبهمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتهمْ لَهُ ، وَسَكَتَ أَنَس عَنْ جَوَابهَا رِعَايَة لَهَا وَلِسَان حَاله يَقُول : لَمْ تَطِبْ أَنْفُسنَا بِذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْله اِمْتِثَالًا لِأَمْرِهِ.
قَالَ الْـمُثَنَّي سَمِعْتُ أَنَسًات يَقُولُ:«قَلّ لَيْلَةٌ تَأْتِي عَلَيَّ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا خَلِيلِي ص» ، وَأَنَسٌ يَقُولُ ذَلِكَ وَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ.(رواه أحمد).
عَنْ أَبِي ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَة وَلِأَهْلِهَا ضَجِيج بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيج ، فَقُلْت مَهْ ؟ فَقَالُوا . قُبِضَ رَسُول اللَّه ص .(فتح الباري 8/580).
وقال عثمانت:توفي رسول الله ص فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كان بعضهم يوسوس ، فكنت ممن حزن عليه ، فبينما أنا جالس في أطم من آطام المدينة ـ وقد بويع أبو بكر ـ إذ مر بي عمر فسلم عَلَيَّ ، فلم أشعر به لِـمَا بي من الحزن.(الطبقات الكبرى 2/84).
لكن حزن الصحابة وعظيم المصاب لم يخرجهم عن الصبر والتصبر إلى النواح والجزع ، قال قيس بن عاصم:«لا تنُوحوا عَلَيَّ ، فإن رسول الله ص لم يُنَحْ عليه».(رواه النسائي وإسناده صحيح).
غسل النبي ص وتكفينه ودفنه:
عن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ :سَمِعْتُ عَائِشَةَ لتَقُولُ:لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ ص قَالُوا:«وَاللهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللهِ ص مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ».
فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ ص وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ص فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ».
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ل تَقُولُ:« لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ»(حسن رواه أبو داود).
وعَنْها لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ص كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ »(رواه البخاري).
عَنْ عَائِشَةَل قَالَتْ:دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ت(أي في مرض موته)فَقَالَ :فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ ص؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ، وَقَالَ لَهَا :فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ص قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.(رواه البخاري)
سحولية :نسبة إلى قرية يقال لها سحول باليمن ، والكرسف القطن.
قال ابن كثير في (البداية والنهاية):«والمشهور عن الجمهور أنه ص توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء».
سئل أبو عسيب توقد شهد الصلاة على رسول الله ص:كيف صلِّي عليه؟ قال:فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر.(رواه الإمام أحمد).
وعن سعيد بن المسيب قال:«لما توفي رسول الله وضع على سريره ، فكان الناس يدخلون زمرًا زمرًا يصلون عليه ويخرجون ولم يؤُمُّهم أحد».(مصنف ابن أبي شيبة 7/430).
قال ابن كثير في (البداية والنهاية):«وهذا الصنيع ـ وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه ـ أمر مجمع عليه لا خلاف فيه».
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍت قَالَ:لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ص كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ فَقَالُوا:«نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ » ، فَأرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ ص» (حسن صحيح رواه ابن ماجه).
(يَضْرَح) ضَرَحَ لِلْمَيِّتِ كَمَنَعَ حَفَرَ لَهُ ضَرِيحًا ، وَالضَّرِيح :الشِّقّ.
وعن أبي مرحب أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي ص قال:كأني أنظر إليهم أربعة.قال ابن إسحاق:«وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله علي بن أبي طالب والفضل بن عباس وقثم بن عباس وشقران مولى رسول الله ص» (سيرة ابن هشام4/418).
وعن أنس بن مالك ت قال:$ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ص الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ ، وَلَمَّا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ص الْأَيْدِي وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا»(صحيح)
(وَمَا نَفَضْنَا) أَيْ مَا خَلَصْنَا مِنْ دَفْنه ، مِنْ النَّفْضِ وَهُوَ تَحْرِيكُ الشَّيْءِ لِيَزُولَ مَا عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ وَالْغُبَارِ وَنَحْوِهِمَا(وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ)أَيْ مَشْغُولُونَ بَعْدُ.
(حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا)يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفَاءِ وَالْأُلْفَةِ لِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْوَحْيِ وَفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ مِنْ الرَّسُولِ ص مِنْ التَّأْيِيدِ وَالتَّعْلِيمِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْدِيقِ.وقيل:لَمْ يُرِدْ عَدَمَ التَّصْدِيقِ الْإِيمَانِيِّ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ وِجْدَانِ النّورَانِيَّةِ وَالصَّفَاءِ الَّذِي كَانَ حَاصِلًا مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَحُضُورِهِ ص لِتَفَاوُتِ حَالِ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ.
موتوا على ما مات عليه رسول اللهص:
إن كان نبينا محمد ص قد مات فقد ترك لنا دين الحق دين الإسلام ؛ فلْنَمُتْ على ما مات عليه ص بلا تبديل ولا تغيير ، ولْنُضَحّ في سبيل نصرة هذا الدين.
هذا أنس بن النضر تقال عنه ابن أخيه أنس بن مالكت:«غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ ، فَقَالَ:« يَا رَسُولَ اللهِ ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْـمُشْرِكِينَ ؛ لَئِنْ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْـمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ».
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْـمُسْلِمُونَ قَالَ :«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ـ يَعْنِي أَصْحَابَهُ ـ وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ ـ يَعْنِي الْـمُشْرِكِينَ» ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ:« يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ ، الْجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ ».
قَالَ سَعْدٌ:« فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ».
قَالَ أَنَسٌ بن مالك: «فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْـمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ» ، قَالَ أَنَسٌ:« كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ:(مِنْ الْـمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ). (رواه البخاري ومسلم).
إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ :مَحْمُول عَلَى ظَاهِره ، وَأَنَّ اللهُ تَعَالَى أَوْجَدَهُ رِيحهَا مِنْ مَوْضِع الْمَعْرَكَة ، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث أَنَّ رِيحهَا تُوجَد مِنْ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام.
وذكر ابن إسحاق أن أنس بن النضر ـ عم أنس بن مالك ـ انتهى يوم أحد إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم فقال: فما يجلسكم ؟ قالوا: قتل رسول الله ص.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده ! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ص.
ثم استقبل فقاتل حتى قتل ، وبه سمى أنس بن مالك».
ولكن الحقيقة أن رسول الله لم يقتل ، وخلص المشركون إلى رسول الله ، وثبت في وجه العدو وقاتلهم قتالًا شديدًا فظل يرمي بالنبل حتى فني نبله وانكسر قوسه ، ثم ظل يرمي بالحجارة حتى دفعهم عنه.
أيها المسلمون موتوا على ما مات عليه رسول الله ص ، اتبعوا سنته ولا تبتدعوا فقد كُفيتم ، ولا تشغلنكم الدنيا عن نصرة دينه ؛ إن حال بعضنا ينطبق عليه قول من
قال:
تكدّرَ مِــــن بعدِ النبيِّ محمدِ عليه سلامُ اللهِ مــا كان صافيَا
فكم مِن منارٍ كان أوضحَه لنَا ومِن علمٍ أمسى وأصبح عافيَا
ركنَّا إلى الدنيا الدّنِيَّةِ بعــــدهُ وكَشَفَتِ الأطماعُ مِنا المساوِيَا
وإنا لنَمُرّ فــي كل يومٍ بنكبةٍ نراها فــما نــزدادُ إلا تَعـامِيَا
لقد ساد الصحابة والتابعون يوم أن كانوا أسودًا للإسلام وحماة للدين وسياجًا واقيًا قويًا للعقيدة وذللنا يوم أن اتخذنا العزة بالدنيا والدرهم ، وهُنَّا على الله وعلى الناس يوم أن اتخذنا الدنيا وطنًا وسكنًا ، ووالينا لأجلها وعادينا لأجلها ، فلأجلها نرضى ولأجلها نغضب.
فها نحن لنا في كل موضع من جسدنا ضربة ما بين طعنة برمح ، وضربة بسيف ، ورمية بسهم ، أو وكزة بعصا. فها نحن نسمع بين حين وآخر نواحِ الثكالى وبكاء اليتامى ولا مجيب.
أتُسبَى المسلماتُ بكلِّ أرضٍ وعَيْشُ المسلمينَ إذَنْ يَطيبُ
إنه لا عزة للأمة الإسلامية ولا مكانة لها ما دامت لا تضحي لدينها ، ولا تثأر لعقيدتها.ولن تنال العزة والقوة والتمكين في يوم من الأيام ، بالمال والجاه ، أو الانهزامية ، والخذلان.
لقد كانت المبادئ عندهم والغايات التي يسعون لتحقيقها هي رفعة الدين ، ونصرة الدعوة وحماية العقيدة فبذلوا لتحقيقها كل غاية ووسيلة صغرت أم كبرت.
أيها المسلمون:اربؤوا بأنفسكم أن تكونوا أذلاء صاغرين لا قيمة لكم ولا عزة لكم.وارفعوا أنفسكم عن سفاسف الأمور ، وتطلعوا إلى معاليها ، وإياكم والمعاصي والاستسلام للمحرمات صغرت أم كبرت ، وإن الخلق لا يهونون عند الله إلا حينما يخالفون أمره ، كما قال أبو الدرداء:«ما أهون الخلق على الله إذا هم خالفوا أمره». وإذا كتب الله علينا الهون فمن يكرمنا ، ومن يهن الله فما له من مكرم.



ساحة النقاش