authentication required

الحضارة الإسلامية وأثرها في حضارة الغرب

بقلم الدكتور رفيق السامرائي


الحضارة الإسلامية هي : نتاج الجهد البشري المادي والمعنوي المستند على أنوار رسالة الإسلام وعقيدته الصافية الشاملة .
ومما لاشك فيه أن الحضارة الإسلامية تنبع من التصور الصحيح للكون والحياة والإنسان الذي رسمه القرآن الكريم ، ذلك أن الناظر في تاريخ الحضارات يلحظ أن حضارات الأمم القديمة قامت على عقائد مختلفة من وثنية وغيرها ، وعلى تصورات خاطئة للحياة والإنسان والكون ، فالحضارة الفرعونية كان حاكمهم يدّعي أنه الرب الأعلى ، والحضارة الفارسية أن كسرى هو مالك الأرض كلها ، والإغريقية والنصرانية والتي تقوم على عقيدة التثليث، أما الحضارة الغربية المعاصرة ، فقد جعلت الإنسان وعقله هو المقياس لكل شيء، مع استبعاد الغيب من منظومتهم الثقافية والحضارية .

ومما ينبغي التفطن له أن العقيدة الإسلامية والعلم الشرعي في حضارة المسلمين هما أساس التقدم في كل شيء ، فقد منح الإسلام منذ اللحظة الأولى أتباعه بأهمية العلم ، والقدرة على التحليل والاستنباط والتفسير والاجتهاد والقياس، مما أدى إلى ازدهار الحياة العلمية والرحلة في طلب العلم ونشره بين البلدان والأمصار .
فضلاً عن الاكتشافات العلمية في مجال الطب والعلوم الطبيعية وغيرها .

ومما ينبغي ذكره أن الناظر في تأريخ الإنسانية ليدرك بما لا يدع مجالا للشك أن العالم الأوربي قد وصل بشكل مذهل إلى العديد من الإنجازات في مجال التصنيع والعلوم الطبيعية وغيرها في تاريخها المعاصر بحيث كان له تفوقاً على العالم العربي والإسلامي في الصناعات والتقدم التقني والطبي ...إلخ ، وهذا راجع إلى أسباب عدة ، منها :
الإفادة من الحضارات الإنسانية العظمى ، كالحضارة المصرية القديمة والتي تجاوز عمرها أكثر من سبعة آلاف سنة قبل ميلاد السيد المسيح . وكذا الحضارة الصينية القديمة ، والحضارة الهندية ، والحضارة البابلية والآشورية ، والحضارة الفارسية ، ولكل حضارة فلسفتها واتجاهاتها وعقائدها ..إلخ .
وكان للحضارة الإسلامية الدور البارز في التأثير على المنظومة الفكرية الغربية ، فكان لحضارة الأندلس التي استمرت زهاء ستة قرون ، وطليطلة ، وصقلية ، وسائر المدن الحضارية الدور المؤثر في الفكر الغربي ، بالإضافة إلى حركة التجارة النشطة بين الأقطار الإسلامية والبلدان الأوربية ، وكذا حركة الترجمة حيث ترجمت العديد من العلوم العربية والإسلامية إلى اللغة اللاتينية للإفادة منها في سائر الحياة الفكرية والاجتماعية والفلسفية ، مما جعل شمس العرب والمسلمين تسطع على بلاد الغرب .

ولكن رغم إفادة الغرب من المخزون الثقافي والحضاري لدى المسلمين ، فهل غيّر الغرب موقفه من الإسلام ؟ ومن موقفه العدائي، ومن نظرته الاشمئزازية والدونية له ؟!

فمن الإنصاف أن يعترف الغرب بفضل الحضارة العربية الإسلامية ، إلا إنه لم يفعل ، والذي فعل إنما هم العقلاء منهم الذين ليس لديهم أطماع سياسية أو رؤوس أموال ، فهم المنصفون المقرّون بفضل حضارة الإسلام على بلدانهم ، بل دخل العديد منهم في دين الإسلام .

والجدير بالذكر فإن العلم قد احتل مكانة كبرى في التقدم الحضاري الأوربي ، وعلى وجه الخصوص العلم المادي الحديث الذي يعتمد على المشاهدة والحس ، وهذا بلا شك لا يمثل العلم كله في نظر الثقافة الإسلامية ، فثمة علوم لا تعتمد على المشاهدة والحس والتجربة في تحصيل الحقيقة ، بل تعتمد على الغيب الذي هو من عند الله تبارك وتعالى ، والمتعلق بذاته وصفاته وسائر أركان الإيمان .
ومن هنا جاء الاقتصار في الوصول إلى حقائق الأشياء في نظر الحضارة الغربية على المنهج الحسي التجريبي ، وإقصاء العلم والمعرفة المتأتى عن طريق وحي الله .
ومما لا شك فيه فإن الاهتمام بالعلم المعتمد على الحس والمشاهدة ساعدهم في التوصل إلى الاكتشافات واعتماد النظريات العلمية ، كالنظرية النسبية والنظرية الذرية ، حيث استطاع العالم الغربي معرفة كثير من قوانين وأسرار الطبيعة ، مما مكنهم من التفوق وتحقيق الانجازات الهائلة في مجال المخترعات والمكتشفات العلمية المتطورة في مختلف التخصصات .
إلا إنه من جانب آخر استخدمت الحضارة الغربية العلم النووي بقصد التدمير – تدمير البشر والحجر والشجر - عندما تقع الحروب ، ولا أظنها نهجت منهج الأخلاق في مجال القوانين الحربية والقتالية ، بل أهلكت الحرث والنسل والزرع ، وهي لاتبالي .

ومن هنا ينبغي على الثقافة الغربية مراجعة مبادئها وقيمها والتركيز في فلسفتها الأخلاقية على المزايا الأخلاقية والقيم الإنسانية وعدم التخلي عنها ، والإفادة بما عند المسلمين من مزايا أخلاقية في سائر أنظمة الحياة المختلفة..لأن الحضارات تزدهر ويدوم نفعها لشعوبها إذا اتخذت من القيم سبيلاً لتطور نهضتها وعدالتها ، فإذا ما تخلت الأمم عن المزايا الأخلاقية والقيم النبيلة ، ونتج عن ذلك ظلم وعدوان وفواحش ومنكرات وزور وبهتان ... فإن سنة الله جل وعز واقعة لا محالة في انهيار الحضارات وزوالها .

ساره ماهر بري ...

 

 

 

 

المصدر: جامعة الامير محمد بن فهد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 429 مشاهدة
نشرت فى 17 فبراير 2013 بواسطة RSARS

عدد زيارات الموقع

23,684