نحو ثقاقة مرورية أفضل لمجتمع أكثر سلامة   

أ.د/أحمد السيد الدقن

       برغم الجهود الكبيرة المبذولة من الأجهزة التشريعية والشرطية والقضائية في سن تشريعات وتغليظ العقوبات على مخالفي قواعد المرور ومحاولة تطبيق هذه العقوبات إلا أنه يمكن القول بأننا نعيش حالة من عدم الإلتزام بقواعد المرور لأغلب قادة المركبات تتمثل في عدة سلوكيات سلبية منها: السرعة الزائدة ومحاولة الهروب من الكاميرات وعدم الالتزام بالحارة المرورية وعدم الالتزام بمسافة كافية بين المركبات التي أمامك وغيرها من السلوكيات السلبية.

  

  وقد تؤدي هذه السلوكيات السلبية للعديد من قادة المركبات يوميا إلى مئات وقد تصل إلى آلاف الحوادث المرورية بما تحمله من إصابات بشرية ووفيات وإتلاف ممتلكات عامة وخاصة؛ بما قد يؤكد عدم كفاية هذه الجهود التشريعية والشرطية والقضائية بمفردها-برغم أهميتها الشديدة- لتؤتي الثمار المنشودة، مع ضرورة التأكيد على رفع عمر الذي يسمح فيه للفرد بقيادة المركبة إلى 21 عاما وهو سن الرشد؛ حيث ليس من المنطقي أن يكون هذا هو السن الذي يتم فيه رفع الوصاية عن الفرد ليسمح له بإدارة أمواله، بينما ينخقض السن الذي يسمح فيه لقائد المركبة بقيادة حياته وحياة الآخرين عن سن الرشد.

 

   والسؤال الذي قد يطرح نفسه: لماذا الجهود التشريعية والشرطية والقضائية برغم أهميتها الشديدة غير كافية بمفردها للقضاء ظاهرة عدم إلتزام أغلب قادة المركبات بقواعد المرور؟

   ويمكن أن تكون الإجابة المنطقية: أننا بحاجة إلى تعديل سلوكيات قادة المركبات والمارة، ويتطلب تعديل السلوك تغيير في ثقافة الأفراد والعنصر الوراثي DNA لهذه الثقافة؛ وبالتالي هذا التغيير الثقافي يحتاج إلى وسائل أخرى بجانب الوسائل القانونية والشرطية من وسائل تعليمية وتثقيفية وإعلامية ودينية بالإضافة إلى الأسرة؛ وهو ما قد يقودنا إلى نتيجة مهمة مفادها أننا بحاجة إلى أجهزة أخرى في الدولة تمتلك هذا الوسائل لتتكامل الصورة نحو ثقافة مرورية جديدة يمكن أن تترسخ في أذهان الأفراد.

 

والسؤال الآخر الذي قد يطرح نفسه هو: ما هي هذه الثقاقة المرورية الجديدة؟

  الإجابة قد تكون في ضرورة ترسيخ قيم ومعتقدات في عقلية وضمير الأفراد بشأن العديد من المسلمات والقواعد المرورية التي تتابع في تسلسل منطقي، على النحو التالي:

  بما أن

- بما أننا جميعا نخاف على حياتنا وسلامتنا وسلامة أحبائنا،

-بما أننا لا يمكننا تحديد توقتيات وأماكن سير أحبائنا على مدار الساعة،

-بما أننا لا يمكننا التحديد الدقيق لهوية المارة وقائدي المركبات الأخرى،

-بما أنه يمكن أن يكون قائد أي مركبة أخرى أو أحد المارة هو أحد أحبائنا،

-بما أننا نود وصولنا ووصول أحبائنا بالسلامة إلى الأماكن التي نقصدها ويقصودنها بدون اي أذى،

- بما أن السرعة الزائدة تقلل من تحكم قائد المركبة لمركبته وقد نفقده السيطرة عليها،

- بما أن أي شخصية مهمة قد تكون هناك شخصية أخرى أكثر أهمية منها،

-بما أن أي سيارة ضخمة وصلبة قد توجد سيارة أخرى أكثر ضخامة منها وأكثر صلابة منها،

-بما أن أي سرعة زائدة محفوفة بالمخاطر ولن تعجل وصولك إلا بدقائق معدودة،

- بما أن تأخرنا في الوصول إلى الجهات التي نقصدها خير من عدم الوصول.

     

   إذن فإن الحماية والأمان للجميع هو الالتزام بآداب وقواعد المرور المتعددة ومن أبرزها:

- عدم استخدام المركبة في التوجه إلى أماكن قريبة من البيت أو أماكن مزدحمة جدا؛ حيث إن المشي رياضة للجسم وللحفاظ على الصحة العامة للفرد كما يمكن وسائل نقل أخرى، وذلك لاختصار الوقت والجهد في محاولة البحث عن مكان مناسب وآمن لانتظار السيارة،

- عدم قيادة المركبة قبل التأكد من حالة المكابح (الفرامل) والإطارات،

- عدم القيادة بسرعة حتى يمكن التحكم في المركبة،

-عدم القيادة ليلا في حالة وجود ضعف بصر ليلي،

-الأولوية في السير للمارة وخاصة كبار السن والأطفال والنساء،

-الالتزام بالحارة المرورية وعدم الانتقال إلى حارة مرورية أخرى إلا في حالات الضرورة القصوى وبعد إعطاء الإشارة والتأكد من إمكانية ذلك وأن يتم بشكل تدريجي وهادئ،

-ترك مسافات كافية بين المركبات سواء التي أمامك أو التي بجانبك أثناء القيادة؛ بما يسمح بالتوقف الفجائي أو أي انحراف جزئي طارئ عن الحارة المرورية،

-احترام إشارات وإرشادات المرور حتى لو لم توجد مركبات أخرى تمنع تحركك،

-عدم استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة أو الإنشغال بأي أمر آخر داخل أو خارج السيارة غير الطريق، وإذا كنت مضطرا للتحدث في الهاتف المحمول أو سؤال الآخرين عن أي وجهة فيجب التوقف بالسيارة في مكان آمن ثم الشروع في مكالمة هاتفية أو السؤال عن أي وجهة تقصدها،

-احترام قادة المركبات الأخرى والمارة والتعامل معهم مثلما تود أن يتعامل الآخرون معك ومع أحبائك،

-عدم السير في الاتجاه المعاكس،

-مساعدة قادة المركبات الأخرى عند حاجاتهم لمساعدتك كلما أمكن ذلك،

-عبور المشاه الطريق بتأني ومن الأماكن المخصصة لهم.

وغيرها بالطبع من قواعد وأخلاقيات المرور.

  

  وهكذا تظهر أهمية تكاتف أجهزة الدولة الأخرى مع الأجهزة التشريعية والشرطية والقضائية للقضاء على ظاهرة عدم إلتزام أغلب قادة المركبات بقواعد المرور على النحو الآتي:

* من المهم بمكان تدريس مادة الأخلاق في مختلف المراحل التعليمية وأن تتضمن قواعد وآداب المرور.

* من الضروري أن تشجع الأفلام والمسرحيات والمسلسلات من خلال مشهد واحد على الأقل على خطورة عدم الالتزام بقواعد وآداب المرور، مع إمكانية وجود فاصل إعلاني صغير عن الآثار الكارثية لعدم الالتزام بقواعد وآداب المرور.

* من الأهمية بمكان، أن تتضمن المواعظ الدينية الأسبوعية في المساجد و الكنائس حرمة مخالفة قواعد وآداب المرور.

* من المهم وجود بعض قواعد وآداب المرور بعبارات مقتضبة جدا وجذابة مكتوبة في أي مكان بارز في مختلف الصحف والمجلات والكتب الدراسية والعامة والكراسات.

* من الضروري وجود لافتات في الشوراع في عبارات مقتضبة جذابة عن خطورة عدم الالتزام بقواعد وآداب المرور.

 

     وأخيرا يجب أن تتضافر جهود كافة أجهزة الدولة من تعليمية وتثقيفية ودينية وإعلامية وإدارة محلية مع أجهزة الدولة التشريعية والشرطية والقضائية بالإضافة إلى الأسرة؛ وذلك للقضاء على عدم إلتزام أغلب قادة المركبات بقواعد المرور وبما يحمله من عواقب كارثية، وذلك عبر إنشاء مركز وطني لسلامة المرور يضم خبراء ومندوبين من كافة الجهات المعنية لتقويم حالة الطرق وسلوكيات المرور وترسيخ ثقافة جديدة أفضل في عقل وضمير الأفراد نحو احترام آداب وقواعد المرور للحفاظ على أرواحنا وسلامتنا وأرواح وسلامة أحبائنا وللوصول بالسلامة إلى الجهات التي نقصدها ولنعيش في مجتمع أكثر سلامة ورفعة.

 

 

<!--<!--<!--<!--

المصدر: مشاهدات وملاحظات لكاتب المقال
PLAdminist

موقع الإدارة العامة والمحلية- علم الإدارة العامة بوابة للتنمية والتقدم - يجب الإشارة إلى الموقع والكاتب عند الاقتباس

عدد زيارات الموقع

536,415

ابحث