جنة الاحلام وعشق الشعراء

عن الشعر والادب

المصدر: ... إجــــازة وجدها واقفة كعادتها كلما انتهت إجازته ، وحانت عودته إلى وحدته فى الجيش . كانت تظهر إليه كشبح من بعيد فى جلبابها الأسود ومعها ابنها الصغير ينتظرانه بعد الفجر لتعطى له الصرة التى تعدها منذ أن عرفت أنه رفيق ابنها فى الجيش . كان يأخذ الصرة التى وضعت بها الفطير ليعطيه لابنها قبل أن يستشهد فى النكسة . وقتها لم تصدق نفسها وافترشت الأرض أياماً ترقب الطريق الذي كان يأتي ابنها منه . عندما علمت بقدومه فى أول إجازة بعد فجيعتها فى ابنها انطلقت متشحة بالسواد واقتحمت عليه دون استئذان داره ، وجدته جالساً مع والدته التى وضعت له الطعام ، وفى فمه لقمة يلوكها وفى يده لقمة قد قطعها فى التو ، عندما أبصرها واقفة بالباب وقد ذهبت نضارة وجهها ، و أكل عليه الحزن وشرب ، نكس وجهه فى الطعام وهو يلوك لقمة ولا يستطيع بلعها وقد غطت عينيه سحابة من الدموع سرعان من انهمرت في حجره ونزلت على كسرة الخبز التي في يده . هجمت عليه وهو جالس واحتضنته كما كانت تفعل عندما كان يمر عليها قبل أن يذهب إلى بيته ليسلم عليها ويطمئنها على ابنها ، فكانت تسأله عن ميعاد انتهاء الإجازة لتعد له الصرة ، ويحكى لها عما تريد أن تسمعه وزيادة ، حتى إنها كانت تجلس فاغرة فاها فى شبه بلاهة من السرور ، فكان يعرف كيف يدخل السرور على قلبها ، لكنه الآن ماذا يقول ؟ لقد فقده هو الآخر ، كما فقد بعضاً من الذين كان يقص لها نوادرهم مع ابنها ، وما يفعلونه فى الصرة التي تتمزق أوصالها بمجرد وصوله بها ، فيأخذ كل منهم جانباً يلتهم قطعة الفطير فى نشوى . بعدما فرغ من طعامه الذي لم يأكله ، ظلت جالسة بجواره تتحسس ملابسه الميرى ، وتطلب منه وعيناها تفيض أن يحكى لها عنه . أخذ يقص لها ما كان يفعله مع الجميع ، وأنه كان يتباهى بفطير أمه الذى لا تصنع أمرأة مثله ، ثم صمت ، ظلت تلازمه لتعرف كيف مات ، فأخذ يحكى لها ويبكى وتبكى ولم تتركه إلا بعد أن وعدها بزيارتها مثلما كان يفعل . ما حدث فى بيته حدث فى بيتها ، طلبت منه أن يقص لها عنه . أخذ يحكى عما تريد أن تسمعه وزيادة ، لكنه فى هذه المرة كانت تسبق كلماته كلمة كان يفعل .. كان يقول .. كان ... كان .... كان .... هو ومن كانوا ... ظلا صامتين مدة ثم سألته عن موعد سفره . وجدها واقفة تنتظره وقد أعدت الصرة له ومن بقى من أصحابه .
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 19 مشاهدة
نشرت فى 5 سبتمبر 2015 بواسطة Nadanona
Nadanona
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

26,827