مشاهير السوشيال ميديا بين الحرية المنفلتة والمسؤولية الاجتماعية
محمد عمر حسين المرحبي
نشر في: السبت 26 تموز / يوليو 2025. 10:46 مـساءًآخر تعديل: السبت 26 تموز / يوليو 2025. 10:46 مـساءًفي ظل الثورة الرقمية التي يعيشها العالم اليوم، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منبراً واسع الانتشار، تتصدر فيه الشخصيات المشهورة أو ما يُعرف بـ»المؤثرين» المشهد الإعلامي الجديد. هؤلاء لم يعودوا مجرد أفراد عاديين، بل باتت كلمتهم مسموعة، وصورهم مرئية لملايين المتابعين، خاصة من فئة الشباب والناشئة. غير أن هذا التأثير لم يكن دوماً إيجابياً؛ فقد لوحظ في السنوات الأخيرة انزلاق بعض المشاهير إلى سلوكيات غير مسؤولة تتنافى مع قيمنا الدينية وأعرافنا المجتمعية.
السلوكيات الخاطئة: شهرة لا تعني قدوة
من أبرز التجاوزات التي يمارسها بعض مشاهير السوشيال ميديا: نشر المحتوى السطحي أو الاستعراضي الذي يهدف إلى جذب المتابعين بأي ثمن، حتى لو كان على حساب الذوق العام أو المبادئ الأخلاقية. ويُلاحظ في بعض الحسابات تسويق أنماط حياة ترفيهية مفرطة، أو تبني آراء خارجة عن إطار الأدب، بل وصل الأمر بالبعض إلى التشجيع على التمرد على الأسرة أو السخرية من القيم الاجتماعية بدعوى «الحرية» أو «التحرر من القيود».
كما يستغل البعض نفوذه الرقمي لعرض الخصوصيات الأسرية أو تفاصيل العلاقات الشخصية، في محاولة لكسب التفاعل والإعجابات، ضاربين بعرض الحائط حرمة البيوت وقدسية العلاقات. وتكمن خطورة هذا التوجه في أنه يخلق قدوات وهمية لدى النشء، ويُساهم في خلق فجوة بين القيم التي تربى عليها المجتمع، وما يتم الترويج له عبر هذه المنصات.
القيم ليست قيوداً بل ضوابط للارتقاء
من المؤسف أن تُختزل الحرية لدى بعض المؤثرين في كسر القيود، دون تمييز بين الانفتاح الحضاري والانفلات القيمي. فالقيم ليست عائقاً أمام الإبداع أو الانطلاق، بل هي ضوابط تحفظ للإنسان إنسانيته وتوجهه نحو البناء لا الهدم.
المجتمعات التي تحترم ذاتها تُحسن استخدام الوسائل الحديثة دون أن تفقد هويتها. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية المؤثر لا تقل عن مسؤولية المعلّم أو الإعلامي، لأن الأثر الذي يتركه في نفوس متابعيه قد يفوق أثر الكلمات المكتوبة في الكتب أو المحاضرات. إن احترام القيم ليس عودة إلى الوراء، بل هو دليل نضج واستقامة.
الاستفادة من السوشيال ميديا: الممكن الإيجابي
رغم ما سبق، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تظل أداة محايدة في جوهرها؛ فكما أنها قد تكون وسيلة لنشر التفاهة، يمكن أن تكون منبراً لنشر العلم، والثقافة، وتحفيز الوعي، ونقل التجارب الملهمة، وتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والإنسانية.
ولنا في بعض النماذج الراقية من المؤثرين خير شاهد؛ إذ تجد من يقدّم محتوى تربوياً ممتعاً، أو يعرض تجارب ناجحة في التعليم والعمل التطوعي وريادة الأعمال، أو يتحدث عن تجاربه الشخصية بطريقة ناضجة توصل رسالة سامية بأسلوب عصري. بل إن البعض سخّر متابعيه لدعم مشاريع مجتمعية وخيرية، مما يدل على أن التأثير الإيجابي ممكن وفاعل إذا ما استُخدمت هذه المنصات بوعي.
كيف نُحسن التعامل مع هذه المنصات؟
نحن بحاجة إلى تعزيز «المناعة القيمية» لدى أبنائنا، من خلال التربية الواعية التي تزرع فيهم قدرة التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى المبتذل. كما ينبغي للمؤسسات التعليمية والثقافية أن تلعب دوراً فاعلاً في توعية الشباب بمخاطر الاستهلاك غير الناقد للمحتوى الرقمي.
من جهة أخرى، على الجهات الرقابية والإعلامية أن تتحمل مسؤولياتها في متابعة ما يُبث، وضبط التجاوزات التي تسيء إلى المجتمع وتعبث بوعيه. فالحرية الرقمية لا تعني غياب الضوابط، بل تستدعي حضور الوعي الأخلاقي والقانوني في كل ما يُنشر ويُتابَع.
في الختام
إن مسؤولية الحفاظ على قيم المجتمع لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات، وتُتوَّج بإحساس الأفراد بالمسؤولية. والمشهور – سواء أحب أم لم يحب – هو قدوة بحكم التأثير، فإن أحسن فقد أحسن لنفسه ولغيره، وإن أساء فهو يسيء إلى مجتمع بأكمله.
نحن لا نرفض الانفتاح ولا نتوجس من التطور، لكننا نؤمن بأن الأصل في كل وسيلة هو «القصد الطيب والاستخدام الراشد»، فبهما نبني مجتمعاً متماسكاً لا تنال منه الفوضى ولا تُغير هويته الرياح العاصفة.


