مسألة آخر وقت صلاة المغرب
أجمع الفقهاء على أن صلاة المغرب تجب إذا غربت الشمس( )واختلفوا في آخر وقت المغرب إلى قولين:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية، والشافعي في أحد قوليه، و بعض أصحاب الشافعي، و أحمد، وابن حزم، والإمامية والزيدية، والإباضية إلى أن وقت المغرب ممتد إلى ذهاب الشفق وممن ذهب إلى هذا القول، الثوري، إسحاق، أبي ثور، داود، ابن المنذر وذهب طاووس وعطاء إلى أن وقت المغرب ممتد إلى طلوع الفجر. ( )
القول الثاني:
ذهب مالك في الرواية الثانية، والأوزاعي، والشافعي في الجديد إلى أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد عند مغيب الشمس. ( )
وقد اختلف أصحاب هذا القول في حد وقت المغرب:
فحده المالكية:إلى حين الفراغ منها للمقيمين بقدر ما يسع فعلها بعد شروطها ويمد للمسافر الميل( )
وللشافعية ثلاثة أوجه في تحديد وقت المغرب:
الأول: لا يجوز أن يستديمها أكثر من قدر ثلاث ركعات لأن النبي صلاها ثلاث ركعات.
الثاني: له أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق - لأن النبي - قرأ الأعراف في صلاة المغرب .
الثالث: له أن يستديمها بمقدار أول الوقت من سائر الصلوات - لأنه لا يكون مؤخرًا في هذا القدر. ( )
سبب الاختلاف
يرجع سَبَب اخْتِلاف الفقهاء فِي ذَلِك إلى معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر ، وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد، وفي حديث عبد الله «وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ»( ) فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتا واحدا، ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتًا موسعًا. ( )
الأدلة والمناقشة
استدل أصحاب القول الأول القائل بأن وقت المغرب ممتد إلى غيبوبة الشفق بالسنة، القياس.
أولا السُّنة:
1- عن أبي هريرة، ( ) قال: قال رسول الله : «إن للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس»( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث صريح فِي أَن وَقت الْمغرب يمْتد إِلَى غروب الشفق .( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الاستدلال بأن حديث أبي هريرة قد غلط فيه ابن فضيل، وهو الذي رواه عن الأعمش عن أبي صالح، وقد روي عن أبي هريرة مسندا أن لها وقتا واحدا، ثم لو سلمناه لجاز أن نستعمله على وقت الاستدامة دون الابتداء( ).
2ـ عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ، قال: «وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس»( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث صريح فِي أَن وَقت الْمغرب يمْتد إِلَى غروب الشفق ( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأن حَدِيث عبد الله بن عمرو رواه شعبة في آخر أيامه موقوفا عليه فقيل له: إنك وصلته فقال إن كنت مجنونا فقد أفقت. ( )
3 - عن سليمان بن بريدة، ( )، عن أبيه، عن النبي ، أن رجلا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: «صل معنا هذين - يعني اليومين - فلما زالت الشمس أمر بلالا( ) فأذن، ثم أمره، فأقام الظهر، ثم أمره، فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها»، ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة؟» فقال الرجل: أنا، يا رسول الله، قال: «وقت صلاتكم بين ما رأيتم»( )
وجه الدلالة.
دل الحديث على أن وقت الأداء ممتد إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها لشيء محتمل( )
4- عن عروة بن الزبير( )،
عن مروان بن الحكم( )، قال: قال لي زيد بن ثابت( ): ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقرأ في المغرب بطولى الطوليين»، قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف والأخرى الأنعام، قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة( )، فقال لي: من قبل نفسه المائدة والأعراف( )
وجه الدلالة:
دل الحديث على استحباب التطويل في قراءة المغرب وهو يدل على امتداد وقت المغرب. ( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه:
أحدها: أن السورة كانت تنزل متفرقة ولم تكن تكمل إلا بعد حين فيجوز إن قرأها قبل تكاملها وكانت آيات يسيرة ألا ترى أن سورة المزمل مع قصرها عن الأعراف فكان بين أولها وآخرها سنة.
الثاني: أنه قرأ منها الآي التي فيها ذكر الأعراف فقيل قرأ الأعراف كما يقول القائل شربت ماء المطر وأكلت خبز البصرة، وإنما أكل وشرب شيئا منه.
الثالث: أنه محمول على الاستدامة( )
ثانيًا القياس:
استدلوا بالقياس من أربعة وجوه:
1- أنَّ المغرب إحدى الصلوات، فكان لها وقت متسع كسائر الصلوات.
2- أنَّ صلاة المغرب إحدى صلاتي جمع، فكان وقتها متصلا بوقت التي تجمع إليها كالظهر والعصر.
3 - أنَّ ما قبل مغيب الشفق وقت لاستدامتها، فكان وقتا لابتدائها كأول وقتها.
4- أنَّ صلاة المغرب تجب على الصبي إذا بلغ، والحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم قبل غيبوبة الشفق، فلولا أنه وقتها ما وجب عليهم فرضها اعتبارا لأول وقتها. ( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأَن قياسهم على سائر الصلوات، فالمعنى فيها: أنها شفع في العدد، وهذا وتر في العدد.
وأما قياسهم على الظهر والعصر، فمنازع فيه بمعارضة قياسنا له.
ونوقش الاستدلال بوجوبها على أصحاب الضرورات فهو: أن أصحاب الضرورات والأعذار يلزمهم فرضها إلى طلوع الفجر عندنا وإن لم يكن وقتا لها، لأن وقت المغرب والعشاء في الضرورات واحد..( ).
أدلة القول الثاني:
استدل أصحاب القول الثاني القائل بأنه ليس المغرب إلا وقت واحد بالسنة، الإجماع، القياس
أولاً السنة ومنها:
1- عن ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله : «أمني جبريل - عليه السلام - عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي يعني المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر» ثم التفت إلي فقال: «يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين»( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أنَّ لصلاة المغرب وقتا واحدا وهو عقب غروب الشمس فإن أخر الدخول في الصَّلاةِ عَنْ هذا الوقت أثم وصارت قضاء( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش الاستدلال بحديث جبريل من ثلاثة أوجه:
الأول: وهو أحسنها وأصحها أنه إنما أراد بيان وقت الاختيار لا وقت الجواز فهكذا هو في أكثر الصلوات وهي العصر والعشاء والصبح وكذا المغرب.
الثاني: أن حديث جبريل مقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث متأخرة بالمدينة فوجب تقديمها في العمل.
الثالث: أن هذه الأحاديث أقوى من حديث جبريل لوجهين:
أحدهما - أن رواتها أكثر
الثاني - أنها أصح إسنادًا ولهذا خرجها مسلم في صحيحه دون حديث جبريل وهذا لاشك فيه( )
2- عن مرثد بن عبد الله ( )، قال: لما قدم علينا أبو أيوب( ) غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب، فقال: له ما هذه الصلاة يا عقبة، فقال: شغلنا، قال: أما سمعت رسول الله يقول: «لا تزال أمتي بخير» - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم "( )
وجه الدلالة:
هذا الحديث يدل على أن جميع الصلوات لها وقتين إلا المغربَ – فَكَانَ صَرِيح الْخَبَر، وَإِنْكَار أَبِي أَيوب دليلا عَلَى أَنهَا لَيس لَهَا إِلا وَقت وَاحِد .( )
مناقشة هذا الدليل:
نوقش هذا الدليل بأنه فيه بيان كراهية التأخير فأما وقت الإدراك فيمتد إلى غيبوبة الشفق ( )
ثانيا الإجماع:
إن الأمة مجمعه على إقامتها في سائر الأعصار والأمصار عند غروب الشمس ولو كان ممتدًا لفعلت فيها ما تفعله في الظهر وغيرها من التقديم والتأخير وأمكن أن يقال إن إجماعهم لوقوع الخلاف في امتداد وقتها الاختياري احتياطًا لأن وقتها غير ممتد وهذا بخلاف سائر الصلوات"( )
ثالثا القياس:
1- أنها صلاة فرض لا تقصر فوجب أن ينفصل وقتها عن وقت ما بعدها كالصبح.
2- أنها صلاة فرض فوجب أن يكون وقتها في الشفع والوتر كعددها قياسًا على سائر الصلوات لما كانت شفعا في العدد كانت شفعا في الوقت، والمغرب لما كانت وترا في العدد كانت وترا في الوقت، وقد قيل: في تأويل قوله تعالى{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}. ( ):أنها الصلوات الخمس منها شفع كالظهر، ووتر كالمغرب. ( )
الرأي الراجح:
بعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم وما ورد عليها من مناقشات يتضح أن القول بأن وقت المغرب ممتد إلى ذهاب الشفق هو الأولى بالقبول وذلك؛ لقوة أدلته وسلامتها من المناقشة فضلاً على أن ما استدل به الرأي القائل أن لها وقت واحد لم يسلم من المناقشة كما أن حديث جبريل الذي تعلقوا به أجيب عليه بما يكفي لرد الاستدلال به، وقد ثبت أن الشافعي صار إليه في المذهب الجديد وصححه أئمة من أصحابه كابن خزيمة، الخطّابي، والبيهقي، فالصحيح من جهة الأحاديث هو امتداد وقت المغرب إلى غياب الشفق ومع ذلك فإنه يجب أن يبادر العبد بالصلاة في أول الوقت جمعًا بين الأقوال ما أمكن وهذه عبادة والاحتياط فيها أسلم خصوصًا وأن وقت المغرب ضيق فلا يتوانى عن آدائها في أول الوقت إلا من حاجة.
والله تعالى أعلم بالصواب

