الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلامُ على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ومولانا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه، وأحبابه وأتباعه، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أما بعد: فقد أولى الإسلام الزواجَ أهميةً خاصة في تشريعاته، واعتبر عقد الزواج واحدًا من أخطر العقود، إن لم يكن أخطرَها؛ لأنه الطريق المستقيم الموصل إلى استحلال ما كان حرامًا قبله. لذلك نجد أن الفقهاء يسيرون ضمن حدود لا يبرحون أرضها ولا يجاوزونها ألا وهي: "الأصلُ في الأبضاع الحرمة، ويُحتاط فيها ما لا يحتاط في الأموال"([1]). وما ذاك إلا لتحقيق مقصدٍ مهمٍ من مقاصد الشريعة الغراء هو حفظ النسب. ولا يخفى أن الأصل في عقد الزواج التأبيدُ، وهذا رافدٌ آخر يؤكد خطورة هذا العقد؛ لأن على الإنسان أن يتحمل آثار هذا العقد ما أبقى عليه، والأصل أن يبقيَ عليه مدة حياته. ومن المعلوم أن ثمرة الزواج هي تكوينُ الأسرة، والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فاستقرار المجتمع كله متوقف على استقرار الأسر المكونة له، وهذا يؤكد خطورة عقد النكاح. من أجل كل ما تقدم من بيان لخطورة عقد النكاح شُرعت الخِطبة ُ كمقدمة تسبق هذا العقدَ الخطيرَ كي تترتّبَ على العقدِ آثارُهُ بعد رَوِيَّةٍ ونظرٍ. وبذلك يتأبد الزواج، ويُحافظُ على كيان الأسرة،ِ ومن ثَمّ يُحافظ على المجتمع كله. أما إذا لم ينسجم الخاطب مع مخطوبته، فيعدل أحدهما أو كلاهما عن الخِطبة بعد مضي فترة من الزمن، تبادلا فيها الهدايا والهبات، بل ربما قدم الخاطبُ لمخطوبته مبلغًا من المال على حساب المهر لتجهز نفسها بشراء الملابس وغير ذلك، فما مصير هذا المال وتلك الهدايا؟ وقد يثمرُ عدولُ أحد الخاطبين عن الخطبة إلحاقَ الضرر المادي أو المعنوي بالطرف الآخر، فهل للمتضرر تعويض؟ والخلاصة: ما هو الأثر المترتب على العدول عن الخِطبة؟ إن هذا البحث المتواضع محاولةٌ للإجابة عن هذا السؤال، عن طريق عرض المشكلة، وبيان آراء الفقهاء المختلفة، ثم مناقشة الأدلة، وترجيح ما تركن إليه النفس لقوة دليله. وتكمنُ أهميةُ هذا البحثِ في أنه يبين الحقوق الشرعية التي تحملها الأحكامُ التكليفية لكل خاطب ومخطوبة أعرضَ أحدُهما عن صاحبه، مما ينشر الوعي بين الخاطب ومخطوبته، ويتسنى لكل واحد منهما أن يعامل صاحبه وفق ميزان الشريعة الغراء. المبحث الأول: تعريف الخِطبة وأحكامها. المطلب الأول: تعريف الخطبة لغة واصطلاحاً: يقال: "خطب المرأة إلى القوم: إذا طلب أن يتزوج منهم"([2]). وخطبَ المرأةَ يخطُبُها -بالضم- خَطـْبًا وخِطبَةً، فلا يصح استعمال المصدر الشائع وهو الخطوبة، وجمع الخاطب خُطّاب([3]). فالخِطبة لغة: هي طلب الرجل المرأة للزواج. وليس المعنى الشرعي الاصطلاحي للخطبة عن المعنى اللغوي ببعيد. فالخطبة شرعاً: طلب الرجل الزواج بامرأة معينة تحل له شرعًا([4]). المطلب الثاني: دليلُ مشروعيةِ الخِطبة: لقد ثبتت مشروعية الخطبة بالكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة: أولاً: الدليل من الكتاب العزيز: قول الحق سبحانه: (ولا جُناحَ عليكم فيما عرّضتم به من خِطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علمَ الله أنكم ستذكرونهنّ ولكن ْلا تواعدوهنّ سرًا إلا أن تقولوا قولاً معروفًا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغَ الكتابُ أجله) البقرة/235. وجه الدلالة: جواز خطبة المعتدة من وفاة تعريضًا وتلميحًا، وجواز ذلك بعد انتهاء عدتها تصريحًا بالمفهوم المخالف، وجواز ذلك في غير المحرمات من النساء غير المعتدات بالمفهوم أيضًا. ثانياً: الدليل من السنة النبوية المطهرة: أ- عن ابن عُمَرَ -رضى الله عنهما- أنه كان يَقُولُ: نَهَى النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ([5]). وجه الدلالة: إن للخاطب الأول حقًا في المخطوبة، ولا يسقط إلا بإذنه أو بترك الخطبة، وهذا الحق لم يكن ليعتبر لولا مظنة الخطبة التي اعتبرها الشارع ورتب حق الخاطب عليها، وفي هذا دليل على جواز الخطبة واحترام حق الخاطب الأول في خطبته([6]). ب- فعل النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم-: فقد خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه، وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب أم سلمة([7]). وجه الدلالة: خطبة النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم- للسيدة أم سلمة -رضي الله عنها- دليل على جواز الخطبة وبيان لمشروعيتها، ولولا جوازها لما أقدم النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم- على فعلها. المطلب الثالث: حكمة مشروعية الخِطبة: إن من حكمة الخالق -عزّ و جلّ- أنْ شُرعت الخِطبة قبل عقد الزواج وذلك: 1- لإعطاء أهل المخطوبة الفترة الكافية للسؤال عن الخاطب ومعرفة أحواله، والعكس. 2- لتكوين صورة واضحة عن أخلاق الخاطب ومعرفة شمائله، والعكس. 3- ليتعرف الخاطب عن كثب على شخصية المخطوبة، والعكس. 4- للتنويه على أهمية عقد النكاح؛ لأن في الخطوبة تنويهًا على ذلك، إذ هي المقدمة لإبرام العقد([8]). 5- للتهيؤ لإجراء الزواج. 6- حتى لا يُقدم آخر على خطبة هذه المرأة التي يرغب بها. المطلب الرابع: حُكمُ الخِطبةِ: الخطبة عند جمهور العلماء جائزة([9])، والمعتمد عند الشافعية أنها مستحبة([10])، وثمة قول ثالث وهو: أن الخطبة كالنكاح تأخذُ حكمَهُ إباحةً وحرمةً ووجوبًا([11]). وتركن النفس إلى القول بالاستحباب تمسّكًا بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله تعالى عنهم-، وللمعقول: أولاً: فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب أمَّ سلمة([12])، وخطبَ حفصةَ([13])، وخطبَ زينب على زيد([14]). ثانياً: فعل الصحابة -رضي الله عنهم-: خطب أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- فاطمة([15])، وخطب الحسن بن علي -رضي الله عنهما- إلى منصور الفزاري ابنته([16]). ثالثاً: المعقول: إنّ في الخطبة زيادةَ تعريفٍ غالبًا ما تكون مانعةً من انهيارِعقد الزواج، فلا أقلّ من أنْ تكونَ مستحبّةً؛ لتحقق مقصد الشارع في حفظ النسل عن طريق حفظ الأسرة، والسلامة من أهوال الطلاق والفراق، ثم إن لكل أمر خطير مقدماته، التي تمهد له، كي يستعد له، والخطبة إنما هي تمهيد لإجراء عقد النكاح. المطلب الخامس: التكييفُ الفقهيّ للخِطبة: الخطبة وعدٌ بالزواج، وهذا الوعدُ غيرُ ملزم ٍعند جمهور ِالفقهاء([17]). كما لا نعْدَمُ منْ يقول: إنّ الخطبة ليستْ وعدًا بالزواج، وإنّما هي مجردُ الطلب([18]). ولكنّ الجميع متفقٌ على أنها ليست عقدًا، ولا تحلّ حرامًا([19]). ولا يُلتفتُ إلى ما ذكرَه أحدُ المعاصرين منْ أنّ الخطبة "عقدٌ رضائيّ"([20])؛ لأنه قال بعدها: "إنّ أقصى ما تؤديه الخطبة إذا تمّتْ أن تكونَ وعدًا بعقد الزواج"([21]). ولعلّ ما ذكره في البداية سهوٌ منه. وإذا تأملنا في الخِطبة نجد أنها تمرّ بمرحلتين: الأولى: هي مرحلة الطلب، وفيها يطلب الرجل الزواج من فتاة معينة تحلّ له شرعًا. الثانية: الموافقة الصريحة على طلب الخاطب؛ فتترتب عليها الأحكام الخاصة بالخِطبة([22]). فمرحلة طلب الرجل الزواج بالمرأة تحمل وعدًا منه بالزواج منها، وإلا ّ فلماذا تقدّم لخِطبتها؟! فإن لم نعتبر هذا الطلبَ وعدًا بالزواج لم يكن للخِطبة معنى أو فائدة. والمرحلة الثانية كذلك تحملُ وعدًا بتزويج الخاطب، وإلا فما معنى الموافقة على الخطبة؟ ليست هذه الموافقة إلا موافقةً على طلب التزويج في المستقبل، وهذا هو الوعد. فالراجح أنّ الخِطبة وعدٌ بالزواج؛ أي هي وعد بالعقد وليست عقدًا، فلا تُحِلُّ حرامًا، ولا تُحرِّم حلالاً. ومن هنا نفهم أن الخطبة وعد بالزواج، ولا ينعقد بها الزواج، وقد نصت المادة (3) من قانون الأحوال الشخصية الأردني على ذلك: "لا ينعقد الزواج بالخطبة، ولا بالوعد، ولا بقراءة الفاتحة، ولا بقبض أي شيء على حساب المهر، ولا بقبول الهدية". المبحث الثاني: الآثار المترتبة على العدول عن الخطبة. المطلب الأول: معنى العدول عن الخطبة وحكمه: أولاً: معنى العدول: أ- العدول لغةً: يُقال: عَدَلَ عن الشيء يَعْدِلُ عَدْلاً وعُدولاً: حاد([23]). ب- العدول اصطلاحًا([24]): هو: "أن يتراجع الخاطبان أو أحدهما عن الخطبة بعد تمامها وحصول الرضا منهما"([25]). ثانياً: حكم العدول: تقدم أنّ الخطبة وعد بالزواج، وأنه يكره خلف الوعد عند الجمهور، فينبغي أن يكون الحكم في العدول عن الخطبة أنه مكروه، وهذا ما ذهب إليه المالكية([26]). وذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز العدول، غير أن الحنابلة قالوا بالكراهة إن كان العدول لغير غرض([27]). فإن كان العدول لغرض مشروع فالجميع على عدم الكراهة. الأدلة والمناقشة: استدلّ المالكية على كراهة العدول عن الخطبة بالأدلة المانعة من خلف الوعد نفسها الدالة على كراهته -لأن الخطبة وعد بالزواج- وهي من الكتاب العزيز والسنة المطهرة: أولاً: الدليل من الكتاب العزيز: قول الحق سبحانه: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً) الإسراء/34. وجه الدلالة: إنّ العهد يُطلب الوفاء به، وهي من الأمور التي يسأل الله تعالى عنها العبدَ يوم القيامة([28])، فأقل ما يُقال: إنّ خلف الوعد مكروه. ثانياً: الدليل من السنة المطهرة: قول النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم-: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)([29]). محل الشاهد: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وإذا وعد أخلف). وجه الدلالة: خلف الوعد خصلة من النفاق، فإتيانها والاتصاف بها مكروه. ومن الجدير بالذكر أن الوعد عند المالكية غير ملزم، وهو كذلك عند الجمهور؛ حيث نصوا على كراهة خُلْفِ الوعد([30])، وهذا آية عدم الإلزام، وإلا لكان خلف الوعد حرامًا. والوعد بالخِطبة يعتبر غير ملزمٍ حتى على الرأي الذي ينص على إلزامية الوعد عند بعض المالكية([31])؛ لأن إلزامية الوعد في هذا الرأي إنما تكون في العقود المالية لا في عقد الزواج؛ لخطورة الآثار المترتبة على هذا العقد([32]). ولو سلمنا لزوم الوفاء بالوعد وحرمة الخلف به فأراد الخاطب أن يعدل عن خطبته فلا يستطيع؛ لئلا يقع في الإثم، فيضطر إلى عقد نكاحه مكرهًا، وهذا الإكراه ينافي حرية الاختيار والإرادة الواجب توفرهما في العقود ولا سيما عقد الزواج. وقد نسب أحد العلماء المعاصرين القول بحرمة العدول عن الخطبة إلى بعض العلماء بناءً على قولهم بحرمة خلف الوعد([33])، هذا ولم أجد قولاً صريحًا لأحدهم بحرمة العدول عن الخطبة مع أنه لازم مذهبهم، فالأولى أن يُقال: (وبناءً على أصلهم بحرمة خلف الوعد، واعتبار الخطبة وعدًا بالزواج، ينبغي أن يكون حكم العدول عن الخطبة حرامًا عندهم). ويُقال هذا دون نسبة القول إليهم؛ لأنه لا يُنسَبُ لساكت قولٌ([34])، ولأنّ لازمَ المذهب ليس بمذهب([35]). واستدلَّ الحنفية والحنابلة الذين قالوا بجواز العدول عن الخطبة بما يلي: أولاً: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب([36]). محل الشاهد: قوله: حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب. وجه الدلالة: 1- نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخطب الرجل على خطبة أخيه؛ لأن للخاطب الأول حقًا في الفتاة فلا يُنازع عليه؛ لئلا يسرى التباغض والتشاحن بين المسلمين. 2- جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للخاطب الأول حقّ الترك، وأجاز له التنازل للخاطب الثاني، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يجوّز العدول عن الخطبة ويصور هذا العدول بصورتين: الترك، أو إعطاء الإذن للغير كي يتقدم لخطبة الفتاة، وفيه إشعار بإسقاط الحق، النابع من العدول عن الخطبة. ولم يجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- جواز الترك معلقًا على سبب بل جعله حقًا للخاطب الأول. ثانياً: إنّ عليًّا -رضي الله عنه- خطب بنت أبي جهل، فلما أنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض علي -رضي الله عنه- عن الخطبة([37]). وجه الدلالة: لو كان الإعراض عن الخطبة مكروهًا لما أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على سيدنا علي -رضي الله عنه- كي لا يضطره للوقوع في المكروه، بل لأن العدول جائز وهو حق للخاطب أدى إنكار النبي -صلى الله عليه وسلم- على سيدنا علي -رضي الله عنه- أن يقع في الجائز ممارسًا حقه. ولكن لكراهة النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الخطبة سبب مذكور في القصة فهو إعراض لسبب. ثالثاً: عقد الزواج عقد عمْري يدوم الضرر فيه، والخطبة مقدمة تحسب فيها المنافع والمضارّ، فإن غلبت المنافع فبها ونعمت، وإلا فالعدول عن الخطبة([38])؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار. رابعاً: الخطبة: هي بيان الرغبة في عقد النكاح، وتراجع الخاطب عن رغبته هذه ليس فيه شيء. الترجيح: والذي تركن إليه النفس هو قول الحنابلة الذين قالوا بجواز العدول عن الخطبة إن كان للعدول سبب، ولو كان هذا السبب كراهية الفتاة للرجل أو العكس استنباطًا من قصة سيدنا علي -رضي الله عنه- حيث رجع عن خطبته لسبب وهو كراهة النبي -صلى الله عليه وسلم- لتلك الخطبة. أما العدول دون سبب فمكروه؛ لأنه من قبيل خلف الوعد، وإن كان الحديث الشريف (حتى يترك الخاطب...) يفيد الجواز مطلقًا إلا أنّ هذا الجواز لا بد أن يقيد بالسبب؛ للأدلة القوية التي تنهى عن خلف الوعد، وهذا الحكم يتناسب مع السياج الأخلاقي الذي يفرضه الإسلام على كل مسلم. والذي عليه قانون الأحوال الشخصية الأردني جواز العدول مطلقًا، فقد نصت المادة (4) من قانون الأحوال الشخصية الأردني: "لكلٍّ من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة". المطلب الثاني: حكم المال المدفوع سلفًا (على حساب المهر): إذا قدّم الخاطب المهر([39]) لمخطوبته سلفًا قبل عقد النكاح، ثم عَدَلَ أحد الطرفين عن الخطبة، أو توفي، فما هو الحكم الشرعي في هذا المهر المقبوض سلفًا؟ نص الحنفية على أن للخاطب أن يستردّ ما دفعه على حساب المهر عينًا إن كان قائمًا، أو عوضه إن كان قد هلك أو استهلك([40]). ولم أجد نصًّا في هذه المسألة عند سائر المذاهب، وإنما يفهم من كلامهم بعد تأمل تعريفاتهم للصداق، أن الحكم عندهم ينبغي أن لا يغاير الحكم عند الحنفية في هذه المسألة. فالصداق عند المالكية من أركان عقد الزواج([41])، وليس بين الخاطب والمخطوبة عقد فلا يحل لها نصف الصداق إلا بالعقد، ويحل كاملاً بالدخول، وإلا فهو من باب أكل أموال الناس بالباطل، فبعدول أحدهما وعدم العقد لم تستحق المخطوبة المهر فينبغي عليها أن تعيده للخاطب. ونرى الشافعية يُعرِّفون الصداق بقولهم: "ما وجب بنكاح أو وطء أو تفويت بضع قهرًا كرضاع ورجوع شهود"([42]). فهذه هي الحالات التي يجب فيها المهر، وليست الخطبة منها، فلا يحل للمرأة أخذه بل عليها إعادته. والصداق عند الحنبلية هو: "العوض المسمى في النكاح"([43]). ولا نكاح بين الخاطبين يوجب المهر أو نصفه. وهكذا تلتقي آراء الفقهاء جميعًا عند نقطة مهمة ألا وهي: أن المهر لا يجب إلا بعقد النكاح، وفي حال الخطبة لا يوجد عقد نكاح، فاحتفاظ المرأة بالمهر بعد عدول أحد الطرفين حيازة للمال بغير سبب مشروع؛ فعليها إعادة المال لصاحبه([44]). وقد جاء في المادة (65) من قانون الأحوال الشخصية الأردني: "إذا امتنعت المخطوبة أو نكص الخاطب أو توفي أحدهما قبل عقد النكاح؛ فإن كان ما دفع على حساب المهر موجودًا استرده عينًا، وإن كان فقد بالتصرف فيه أو تلف، استرد قيمته إن كان عرضًا، و مثله إن كان نقدًا".

المصدر: دار الافتاء بالاردن
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 175 مشاهدة
نشرت فى 16 سبتمبر 2012 بواسطة BAHEG

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

9,555