محتويات[أخف] |
الباب الثالث : في ميدان الحلمية الجديدة (في المبني القديم)
مد جديد
خرجنا من هذه المأساة الأليمة ،وفي القلوب جراح لا تندمل علي مر الزمن ، لأنها تتصل بأخوة قلوب لا صداقة طريق ... ولم يكن مناص من استئناف المسير بعد هذا التوقف الطويل .. ودوي نداء القائد فسرعان ما استجاب الجنود ، ورأينا الدعوة تشق طريقها شقاً ما كانت تستطيعه من قبل ... وأحسست في التفاف الإخوان حول قائدهم كأنما شعروا وأيقنوا أن دعوتهم وقد عبرت المحنة .. هي دعوة الحق .. ودعوة الحق جديرة بالتفاني فيها والبذل في سبيلها ، فصار الإخوان ألصق بدعوتهم من ذي قبل ...
ورأينا الشباب ، من كل مهنة ، ومن كل حي ، يتقاطرون علي المركز العام أفواجًا يلتمسون طريق الله لإصلاح الناس ليلتزموه وليكونوا حماته والداعين إليه ... وكانت الظاهرة الجديدة أننا رأينا بابنا يطرقه طوائف من العمال والتجار وذوي المهن ، ولم يكن حتى قبيل المحنة يطرقنا إلا الطلبة وقلة من صغار الموظفين ، وهنا بدأت فكرة تكوين شعب ذات كيان حقيقي في أنحاء القاهرة ، وهو ما كان يتوق إليه الأستاذ المرشد من قديم . العجيب حقاً .. أن الدعوة خرجت من هذه المحنة كأنما نشطت من عقال فالإقبال عليها من كل فج عميق ، والدار ضاقت بروادها ، واتجه فكر الأستاذ إلي البحث للمركز العام عن مكان آخر يتسع للنشاط الجديد .
الانتقال إلي الحلمية الجديدة :
اهتدي الأستاذ المرشد إلي دار في ميدان الحلمية الجديدة ، وهي منزل كامل لا جزء من منزل كالمقرين السابقين في الناصرية والعتبة ... وميدان الحلمية الجديد يقع في قلب القاهرة القديمة لكنه أجمل وأنظف حي فيها . والمنزل يطل علي الميدان نفسه ويتكون من دورين أحدهما يقع نصفه تحت الأرض ونصفه الأخر فوقها ، والدور الآخر مما يسمونه " السلاملك " حيث تصعد إليه بصف الدرج . وفوق هذا السلاملك سطح فسيح . ويلحق بالمنزل فناء واسع تقرب مساحته من مساحة المنزل كله ، وبجانب بوابة المنزل علي يمين الداخل حجرة منفردة كأنها حجرة البواب . ولابد أن الله تعالي علم من مستقبل دعوته ما لم نكن نعلم ، فهيأ لها مكانًا ما كنا نحلم به وموقعاً وسطًا ، كما يسر للأستاذ المرشد سكنًا قريبًا من هذا المكان ، وهو ما كان الأستاذ المرشد دائمًا حريصًا عليه .
مرحلة جديدة :
كان الانتقال بالمركز العام من دار إلي أخري مرتبطاً بالانتقال بالدعوة من مرحلة إلي مرحلة جديدة ، فكانت فترة الإقامة بدار شارع الناصرية مرحلة من مراحل الدعوة لها حدودها ولها خصائصها ولما سماتها كما بينا ، ثم كانت فترة الإقامة بدار ميدان العتبة مرحلة أخري لها حدودها وسماتها الخاصة بها والمميزة لها ، ثم كان الانتقال إلي دار ميدان الحلمية إيذانًا التي صادرت شجيرة ثم غلظ عودها وأخرجت شطأها فآزرها وطال ساقها وألقت بفروعها ذات اليمين وذات الشمال .. نعم إنها بذلك قد اكتسبت ثباتاً وقوة لكن استطالتها وارتفاعها قد جعلها عرضة لمهب الرياح من كل اتجاه ، لقد كانت في مرحلتيها الأوليين وهي بادرة ثم وهي شجيرة في مأمن من أن تنال منها هبات الرياح ، أما في هذه المرحلة وقد أغلظت واستطالت وتفرعت وتشعبت فإنها صارت عاتقاً في طريق الرياح من أية ناحية هبت ، فعليها حينئذ أن توطن نفسها علي استقبال صفعات الرياح وأن ترد عليها بمثلها أو أن تحاول تحاشيها بحركة ماكرة ماهرة .
كان حسن البنا يعلم كل هذا وهو يعد العدة للانتقال بالمركز العام من العتبة إلي الحلمية الجديدة ، وستري إن شاء الله خططه التي وضعها منذ الشهور الأولي في هذه الدار ما يدلك علي أن كل هذه المعاني كانت في خاطره . لم يغب عن خاطر الأستاذ لحظة أن عدوه الطبيعي الذي يتربص به ، والذي عليه أن يواجهه في كل لحظة إنما هو الانجليز .. عدو قوي ماكر : واسع الحيلة ، حسن الاستعداد ، قادر علي المواجهة لكنه يؤثر التستر وراء صنائع له من أهل البلد الذي يريد السيطرة عليه ... لم يغب عن خاطر الأستاذ أن عليه أن يواجه كل هذه الأساليب ، ولم يغب عنه أن صنائع الانجليز في مصر كثيرون ، وقد زودهم الانجليز بمختلف وسائل السلطة ، وأن هؤلاء الصنائع بعد أن تربوا في أحضان الانجليز ، وتمرنوا في خيرات بلادهم التي سلبها الانجليز وخصوهم بها دون أصحابها .
لم يغب شيء من هذا عن خاطره ، كما لم يغب عنه لحظة أن الانجليز بوسائلهم الخاصة وبواسطة أذنابهم المصريين يراقبونه ويعدون عليه أنفاسه ، ويعدونه عدوهم الأصيل وعدوهم الوحيد ، لأنه وأن هذا المبدأ وهذه الفكرة إنما تقوم علي أساس القرآن الذي لا يجتمع والظلم في مكان واحد ، لابد أن يقضي واحد منهما علي الآخر . لقد عمل حسن البنا في المرحلة السابقة كل جهده أن يتحدي الانجليز تحديًا سافرًا لفضح فظائعهم من ناحية ، وليلفت الأنظار إلي دعوته من ناحية أخري . لأن دعوته كانت في أمس الحاجة إلي وسيلة من وسائل الإعلام ليحس بها هذا الشعب الغافل ... أما في هذه المرحلة فإنه لم يعد في حاجة إلي وسائل إعلام فقد أحس الناس بالدعوة ، وأقبلوا عليها ، حتى امتلأت السفينة لم يعد بين حافتها وبين الماء قيد شبر .. ودفعتها الرياح حتى وصلت إلي وسط البحر . وركبت أمواجه المتلاطمة ، وصارت مهمة القائد أن يحسن توجيهها ، وأن يحاول أن يتفادى ما يتدافعها من أمواج حتى تصل إلي مرفأ أمين . وعليه مهمة أخري لابد أن ينهض بها في وقت واحد مع مهمته الأولي ، تلك هي إعداد هؤلاء الركاب بحيث لا يأخذهم علي غرة لصوص البحر وقطاع الطريق وما أكثر عددهم وأشد بأسهم .
سمات هذه المرحلة وخصائصها :
أرسي الأستاذ المرشد قواعد العمل في هذه المرحلة علي الأسس الآتية :
أولاً : بدأت هذه المرحلة مع بدء اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939 ، وكان الأستاذ المرشد يري أن الحرب العالمية تغير وجه العالم ، وتفعل في سنواتها مالا يتم فعله من تغيير في مئات السنين ، فهي تختصر الزمن .. وعلي العقلاء الانتفاع بهذه الميزة قبل فواتها .
ثانيًا : ومن هنا فإن يري أن المرحلة التي يحتاج الإخوان في قطعها إلي عشرات السنين ، يمكنهم – بالانتفاع بهذه الميزة – أن يقطعوها في سنوات قلائل .
ثالثًا : أن مواجهة الأعداء والخصوم بهيئة ضعيفة وتكوين هزيل مجازفة غير مأمونة بل إنها قد تؤدي بالفكرة الإسلامية إلي الزوال ، فإذا أضفت إلي ذلك أن هذه المواجهة ستكون في ظروف كلها ظروف استثنائية وكل المرافق للمستعمر ، و المستعمر أعصابه علي أشدها لأنه يخوض حرب حياة أو موت ، كانت المواجهة انتحارًا لا شك فيه ولا إفلات فيه .
رابعًا : كما أنه يري أن انشغال المستعمر بالحرب ومن ورائه الحكومة المصرية ، فرصة للعمل للدعوة دون عوائق ، وعلي الإخوان في هذه الحالة أن يكشفوا من جهودهم حتى ينجزوا أكبر قدر من العمل في أصغر قدر من قبل أن تنتهي الحرب فجأة فيتفرغ هؤلاء – المستعمر والحكومة – للكيد للدعوة وبث العراقيل في طريقها قبل أن تكون قد استكملت عناصر قوتها .
خامسًا : أنه يري أن عناصر القوة التي يجب استكمالها في أقرب وقت هي عنصران : التشعيب والتكوين ، أما الأول فهو العمل علي أن تصل الفكرة الإسلامية إلي كل فرد في أنحاء مصر وأن يصل صداها إلي البلاد العربية والإسلامية وأن يكون للدعوة شعبة في كل حاضرة ومدينة وقرية وعزبة في جميع أنحاء مصر ، وأما التكوين فيكون بالعمل علي ربط المنتمين إلي الدعوة معا بروابط من الإخوة والحب والتعاون في ظل أسلوب عمل من التربية البدنية والروحية والثقافية .
سادسًا : أنه في سبيل إنجاز هذا العمل الكثير ، يجب علي الإخوان – في خلال فترة الحرب أن يغضوا الطرف عن الشئون السياسية فيتجنبوا اتخاذ مواقف سياسية محددة ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا مكتفين بالتعرض لما سوي ذلك من الشئون التربوية والاجتماعية والاقتصادية وإذا دهمهم موقف سياسي معين فعليهم أن يتفادوه ، وأن يطوعوه لخدمة هدفهم الكبير .
سابعًا : أنه يري أنه إذا سلك الإخوان هذا المسلك فإنهم سيفاجئون العالم بعد انتهاء الحرب بأقوى هيئة قادرة علي المواجهة وقادرة علي النهوض بأثقل التبعات ، ويستحيل علي أية قوة في الأرض أن تقضي عليها ، لأنها تكون قد تركزت في النفوس ، واختلطت بالمهج ، وضربت بجذورها في الأعماق .
علي هذه الأسس السبعة سار العمل طيلة سنوات الحرب ، وشقت السفينة طريقها في بحر هادئ كالحصير ، وكلما هبت عاصفة عمل القائد الماهر علي تفاديها حتى وصلت إلي شاطئ الأمان فكانت هي السفينة الوحيدة التي وصلت في سلام بجميع ركابها الذي أقلعت بهم من أول الطريق وبأضعاف هؤلاء من ركاب السفن الأخرى التي أشرفت علي الغرق في أثناء الطريق فمدت إليهم يد الإنقاذ بها من كل جانب .
الفصل الأول : في البناء الداخلي : التركيب البنائي للدعوة في هذه المرحلة
حتى ما قبل هذه المرحلة لم يكن للدعوة تركيب بنائي بالمعني الاصطلاحي المعروف ، وإنما كان هناك المركز العام في القاهرة وفي الأقاليم شعب متناثرة ، وتتلقي هذه الشعب تعليماتها من المركز العام وكان المركز العام يخص نفسه بأساليب معينة في التربية لا يطالب الشعب بالقيام بمثلها مثل نظام الكتائب ، ونستطيع أن نجمل النظام البنائي الذي كان سائدًا بأنه كان أقرب إلي النظام المركزي ... فلما انتشرت الدعوة وعمت أنحاء البلاد وكثرت الشعب حتى لم تعد مدينة ولا حاضرة ولا قرية تخلو من شعبة كان لابد من نظام بنائي جديد يسهل معه العمل وتتوزع فيه المسئولية وتتحدد به الحقوق والواجبات وتتيسر عن طريقه الاتصالات والمتابعة .
والخطوط الرئيسية للنظام البنائي الجديد هي :
أولاً : المكاتب الإدارية :
اعتبر كل إقليم إداري في الدولة مكتبًا إداريًا ومعني هذا أنه صار للإخوان المسلمين في كل عاصمة لمحافظة مكتب إداري هو بمثابة المركز العام للإخوان في أنحاء المحافظة فكل شعب المحافظة تابعة له وهو يشرف عليها ويصدر إليها التعليمات ويتابع تنفيذها . ومنوط به نشر الدعوة في الأماكن التي لم تصل إليها الدعوة في حدود المحافظة ، كما أنه مكلف بمعالجة ما يجد من مشاكل في شعب المحافظة وعليه نقل النظم التربوية التي يضعها المركز العام إلي جميع هذه الشعب والإشراف علي الأخذ بها كما أن عليه توضيح ما تتخذه الهيئات العليا للدعوة من قرارات للشعب التابعة له مع متابعة تنفيذ هذه القرارات . ويتكون المكتب الإداري من أعضاء مجلس الإدارة لشعبة عاصمة المحافظة مضافاً إليهم نواب الشعب الرئيسية في المحافظة ، وعلي كل شعبة من شعب المحافظة المساهمة بجزء من ماليتها في تكوين رصيد للمكتب الإداري يخصص للإنفاق منه علي نشر الدعوة .
ثانيًا : مجالس إدارات الشعب :
يدبر شئون الدعوة في كل شعبة مجلس إدارة يتكون من عدد من الإخوان ينتخبهم أعضاء الشعبة فيما بينهم ويرأس كل مجلس إدارة الشعبة ، ومهمة مجلس إدارة شعبة عاصمة المركز مع شعب بلاد المركز هي نفس مهمة المكتب الإداري بالنسبة لشعب عواصم المركز ، وهكذا تتسلسل القيادة وتتدرج المسئولية .
ثالثا : المركز العام :
تعتبر القاهرة كغيرها من المحافظات مكتبًا إداريًا تتبعه شعب القاهرة ، وفي القاهرة أيضًا المركز العام للإخوان المسلمين وهو شيء آخر غير المكتب الإداري للقاهرة فهو يتعامل مع المكتب الإداري للقاهرة كتعامله مع أي مكتب إداري آخر . والمركز العام هو المقر الذي يجمع اللجان والأقسام التي تمثل أوجه النشاط التي يقوم الإخوان بمباشرتها أداء لحق الدعوة وتحقيقًا لأهدافها وهذه اللجان والأقسام هي :
لجنة الطلبة واللجنة الثقافية وقسم العمال وقسم الجوالة وقسم نشر الدعوة وقسم الكتائب والأسر وقسم الخدمة الاجتماعية وقسم الاتصال بالعالم الإسلامي وقسم الأخوات المسلمات . ولكل لجنة من هذه اللجان ولكل قسم من هذه الأقسام فرع في كل مكتب إداري تتلقي هذه الفروع تعليماتها من اللجنة الموجودة بالمركز العام وترفع إليها تقاريرها وتستعين بها في تنفيذ برامجها ... وقد لا يكون لبعض الأقسام فروع في المكاتب الإدارية لأن طبيعة مهمتها ترتبط بالقاهرة دون غيرها من البلاد مثل قسم الاتصال بالعالم الإسلامي .
قـيادة الدعـوة :
ويمثلها هيئات ثلاث هي :
أولا : الهيئة التأسيسية :
وهي الهيئة العليا للدعوة يناط بها رسم الخطوط الرئيسية لسياسة الدعوة ، ويرجع إليها في كل ما يمس هذه السياسة أو ما يجد من أمور خطيرة أو ما يستدعي تعديلا في هذه السياسة أو ما يتصل بكيان الدعوة من قوانين أو إجراءات أو تصرفات ... واجتماعها العادي مرة كل عام ولكن للمرشد العام دعوتها للاجتماع في أي وقت يري ضرورة لاجتماعها لعرض مسائل جوهرية عليها . وقد تكونت هذه الهيئة أول ما تكونت في سنة 1941 من مائة عضو اختارهم المرشد مراعيا في اختيارهم الشروط الثلاثة الآتية :
1 – أن يكونوا من السابقين الأولين في الدعوة .
2 – أن يكونوا ذوي كفاءات ممتازة أو ذوي تضحيات بارزة من أهل الرأي .
3 – أن يكونوا ممثلين لمحافظات القطر ما أمكن .
وتعتبر الهيئة التأسيسية الجمعية العمومية للإخوان المسلمين ، ومن اختصاصها أن تنتخب من بين أعضائها لجنتين تكمل بها هيئات قيادة الدعوة هما مكتب الإرشاد العام ولجنة العضوية .
ثانيًا : مكتب الإرشاد العام :
ويتكون من اثني عشر عضوًا ومهمته تنفيذ السياسة التي أقرتها الهيئة التأسيسية وحددت خطوطها العريضة ، وإصدار القرارات في مختلف شئون الدعوة مما تلتزم بتنفيذه المكاتب الإدارية وشعبها ... وهو يعتبر مجلس الإدارة للدعوة يمثلها أمام الرأي العام وأمام الجهات الرسمية .
ثالثاً : لجنة العضوية :
وتتكون من سبعة أعضاء مهمتها اختيار الأعضاء الجدد للهيئة التأسيسية ، وتحقيق ما يثار حول أعضاء هذه الهيئة وإصدار القرارات في شأنهم ... وقد رأي الأستاذ المرشد أن أكون عضوًا في هذه اللجنة لما يعلم من صلتي بالكثير من قدامي الإخوان وحديثيهم في القاهرة وغيرها من البلاد ، ولهذا فقد طلب إلي أن أكون بجانبه عند اختياره للأعضاء المائة ليكونوا أعضاء الهيئة التأسيسية حتى يكون ذلك نبراسًا لي عند اختيار أعضاء جدد عن طريق لجنة العضوية فيما بعد . علي أن أعضاء الهيئة التأسيسية لم يزد عددهم حتى منتصف الخمسينات عن مائة وخمسين عضوًا مع أنه كان من حق لجنة العضوية قانونًا اختيار عشرة أعضاء جدد كل سنة ولكن ظروفاً نشأت أعفت اللجنة من أجلها بعض الأعضاء حالت دون استيعاب هذا العدد .
ولقد كان من حكمة الأستاذ المرشد وبعد نظره أن أنشأ الهيئة التأسيسية في هذا الوقت بالذات فقد ظهر بعد ذلك من المواقف والمشكلات والأزمات والخلافات ما لو لم تكن هذه الهيئة موجودة لقضي علي الدعوة وانهار صرحها ، وسوف يري القارئ إن شاء الله الكثير من ذلك فيما بقي من هذه المذكرات . كما أن وجود هذه الهيئة قد أغني عن عقد المؤتمرات التي كانت تعقد كل سنة أو سنتين يحشد فيها أكبر عدد من مختلف بلاد القطر ليلخص أمامهم الأستاذ المرشد ما قطعته الدعوة في خطوات منذ المؤتمر السابق وليشرح لهم بعض ملامح الخطة المستقبلية وكانت هذه المؤتمرات تكلف الإخوان الكثيرين الذين يحضرون من بلادهم الكثير من الجهد والمال كما تكلف المركز العام مثل ذلك ... ومع ذلك فقد كانت طبيعة هذه المؤتمرات لا تتيح فرصة مناقشة ما يعرض من تقارير عن الماضي أو مقترحات للمستقبل .
علي أن هذه المؤتمرات لم تكن ليصلح عقدها بعهد أن كثرت الشعب وكثر عدد الإخوان في كل مكان بحيث تضييق بمندوبيهم الأمكنة في القاهرة مهما اتسع نطاقها للاجتماع والنوم .. أما وقد أنشئت الهيئة التأسيسية علي القواعد الثلاث التي أشرت إليها فإن الأستاذ المرشد كان يدعوها بأعضائها المائة فتضمهم حجرة فسيحة من حجرات المركز العام فيعرض عليهم ما يشاء ويناقشهم ويناقشونه ويقترح عليهم ويقترحون عليه ، ويتحدث كل منهم عن مشاكل محافظته ويصلون في النهاية إلي قرارات مدروسة محددة ، فيرجع هؤلاء الأعضاء إلي محافظاتهم يشرحون لإخوانهم ما تم في الاجتماع بتوضيح وتفصيل ... فيتحقق بهذا الأسلوب مالا تحققه المؤتمرات مع إعداد الدعوة وإعفاء الإخوان من كثير من الجهد والمال والمشقة . ولهذا فقد كان المؤتمر السادس الذي عقد قبيل تكوين الهيئة التأسيسية في 9 يناير سنة 1941 هو آخر المؤتمرات .
استطراد :
لست أدري هل يعد استطرادًا أن أترك هذا الحديث العام لأتحدث عن أمور تخصني ، أم أن حديثي عن هذه الأمور هو من الحديث المتصل ؟ .... إن هناك مجموعة في هذه الدعوة لم تعد حياتها الخاصة منفصلة عن الدعوة بل هي جزء منها ؛ لأنها ارتضت يوم خيرها الأستاذ في اجتماع لجنة الأربعة والعشرين في منزله أن تضع حياتها ومستقبلها رهنا بما تطلبه الدعوة . لقد كانت الدعوة في شخص مرشدها تتحكم في وقت هذه المجموعة فتوجهها التوجيه الذي تريده . فكان الأستاذ المرشد مع شدة احتياجه أن نكون بجانبه ، يمنعنا من الحضور إلي المركز العام طيلة الشهر الذي يسبق الامتحان لأنه يري في إنهائنا حياتنا الدراسية نفعًا للدعوة لا يتوفر لها إذا طالت هذه الحياة الدراسية . وكان الفرد من هذه المجموعة حين يتخرج لا يتجه إلي حياة عملية لا بعد أن يستشير الأستاذ المرشد باعتباره أبصرنا بالاتجاه الأنفع للدعوة ... أفليس الحديث في هذه الأمور إذن حديثاً في صلب الدعوة وفي صميمها ؟ ...
بعد التخرج :
يحسن قبل التطرق إلي ما كان من شأني بعد التخرج أن أبدأ بإشارة موجزة إلي الحالة الاجتماعية التي كانت سائدة في مصر فيما يتصل بالوظائف والموظفين حتى يكون القارئ علي صورة واضحة ؛ كان المتخرجون ف ي أية كلية من الكليات أو مدرسة عليا كما كان أكثرها يدعي في ذلك الوقت لا يجد أمامه عملا يلتحق به ويرتزق به ... كانت فرص العمل نادرة ندرة تصل إلي درجة العدم ، ولم يكن العمل إذ ذاك موجودًَا إلا في الوظائف الحكومية . كان المتخرج يوم يتخرج يكتب طلبات التحاق بعدد وزارات الحكومة ومصالحها ويرسلها جميعا وينتظر لعله يصادف عملا في أي منها ، ولم يكن عادة يصله رد .. ويظل هكذا عاطلا ، وبعد كل ستة أشهر يعيد كتابة الطلبات وتحفي أقدامه في ارتياد الوزارات التي يتوسم أن يجد فيها عملا أيًا كان ، فإذا كان محظوظاً وجد بعد سنتين من تخرجه عملا باليومية في إحدى الوزارات ؛ ومعني ذلك أنه لا يضمن أن يستمر في العمل طول العام فقد يستغني عنه في أي يوم من الأيام . لم يكن في نيتي العمل في وظيفة حكومية بعد تخرجي حتى ولو وجدت وظيفة مناسبة ، وإنما كانت نيتي معقودة علي القيام بعمل حر ، بل إنني حددت نوع العمل أن يكون في الألبان ، ولم نكن ندرس الألبان في كلية الزراعة إلا في السنة النهائية . كاشفت الأستاذ المرشد بعزوفي عن الالتحاق بالوظائف الحكومية ، وبعزمي علي الاشتغال الحر بالألبان ، فزكي الفكرة ، وأبدي استعداده لمؤازرتي في هذا السبيل ، ومن قبل نالت الفكرة قبولا لدي والدي وأبدي استعداده لإمدادي بالمال اللازم .
مشروع الألبان :
كانت الفكرة مختمرة في نفسي ، وعزمي علي تنفيذها علي أشده ، ولكن كيف أنفذها ، وكيف أنتقل بهذا العوم إلي واقع الحياة ؟ كانت معضلة أمام شاب ناشئ لا خبرة له بالحياة . وبعد أيام ناداني الأستاذ ، وكان لتوه راجعًا من رحلة له في الصعيد وقال لي : لقد عثرت لك علي طلبتك . ذهبت إلي مغاغة من أجلك لأني أعلم أن أخاً كريمًا فيها وزميلاً لك تخرج في كليتك منذ أربعة أعوام ، كان قد أنشأ معملا للألبان فيها ، وقد رأيت أن أقابله وأعرض عليه فكرتك ، وقد قابلته وعرضت عليه الفكرة فزكاها ، وأخبرني بأنه أغلق المعمل لأنه محتاج إلي شريك ، ورحب بك شريكًا له .. وكذلك ذلل الأستاذ المرشد عقبة كئودًا كانت في طريقي . وكان لي زميل في الدراسة تخرج معي هو عباس نجل الأخ الكريم الأستاذ محمد حلمي نور الدين ، وقد اقترح والده أن يكون شريكًا ثالثًا في المشروع فرحبنا به .. كنا في ذلك الوقت عقب امتحان البكالوريوس مباشرة أي في أواخر يونيه وأوائل يوليه سنة 1939 ولما كان موسم الألبان يبدأ مع ظهور البرسيم في الحقول فد كانت أمامنا فترة نقضيها في القاهرة قبل الذهاب إلي مغاغة حتى يجئ شهر أكتوبر علي الأقل .
مفـاجـأة :
لم يكد يمضي علينا بعد ذلك شهر واحد وإذا بوفد من إخوان مغاغة – محافظة المنيا – يطرقنا في المركز العام علي غير موعد ويعرض علينا مشكلة غريبة . تتلخص هذه المشكلة في أن في مغاغة مدرسة ابتدائية أهلية تملكها جمعية قبطية . وهي المدرسة الابتدائية الوحيدة – (المدرسة الابتدائية في ذلك الوقت تعادل في أيامنا هذه المدرسة الإعدادية) – التي يلتحق بها أبناء مغاغة وضواحيها الكثيرة ... وناظر المدرسة من قديم هو الأستاذ الشيخ حسن سيد وهو من العلماء وإمام وخطيب المسجد الكبير بمغاغة ... فلما أنشئت شعبة الإخوان المسلمين بمغاغة انضم إليها فضلاء أهالي مغاغة ومنهم الأستاذ الشيخ حسن سيد وأسندت رياستها إليه ... ولم يدر بخلد الإخوان ولا خلد الأستاذ الشيخ حسن سيد أن في هذا تعارضًا مع مصلحة المدرسة ... ولكن تبين أن هناك عقولا ضعيفة ، وصدورًا لا تنطوي إلا علي الحقد والضغينة رأت في انضمام الأستاذ الشيخ حسن إلي الإخوان خروجًا علي الطاعة وتمردًا علي العبودية ، فلم يفاتحوه في ذلك ليقنعهم بخطأ نظرتهم إلي الإخوان المسلمين ، ويشرح لهم أن هذه الدعوة إنما يريد الخير لا للمسلمين وحدهم بل لجميع سكان البلاد علي اختلاف عقائدهم ؛ ون الإخوان – حين انضم إليهم واختاروه رئيسًا لهم – لم يرو في عمله في مدرسة الأقباط ما يتعارض مع دعوتهم ....
لم يفاتحوه في ذلك بل أسروه في نفوسهم حتى انتهي العام الدراسي فلم يفاتحوه أيضًا ، وانتظروا حتى قاربت إجازة الصيف علي الانتهاء وتيقنوا أن جميع المدارس الأهلية في القطر قد استوفت العدد اللازم لها من المدرسين والنظار وأن جميع المدرسين قد تم تعاقدهم مع المدارس ، حينئذ فاجئوا الرجل الذي أفني زهرة شبابه في خدمتهم بخطاب يقولون فيه إن الجمعية قد قررت الاستغناء عنه . وينبغي أن يعلم القارئ أن المدارس الأهلية – أو كما نسمي الآن المدارس الخاصة – في ذلك الوقت لم تكن تحت إشراف حازم من وزارة المعارف لاسيما ما يتصل بحقوق العاملين في هذه المدارس من نظار ومدرسين وكتبة وعمال بل كان كل هؤلاء تحت رحمة ملاك هذه المدارس ؛ فهم الذين يتعاقدون معهم علي المدة التي يردنها علي المرتب الضئيل الذي يحددونه ، وعلي عدد الحصص التي يدرسونها في اليوم وفي الأسبوع ، وهم الذين يلغون هذه العقود في أي وقت يشاءون ودون إبداء الأسباب .
وكانت مرتبات هؤلاء المدرسين من الضآلة بحيث لا تكاد تصدق ؛ فقد لا يصل مرتب المدرس إلي ثلاثة جنيهات ... كما لا يخفي أن مرتبات موظفي الحكومة كما قدمت – وإن كانت أحسن حالا من ذلك ، إلا أن مرتبات أئمة المساجد في وزارة الأوقاف لم تكن أحسن حالا من مرتبات المدارس الأهلية فكان مرتب الإمام المتخرج في الأزهر ويحمل شهادة العالمية في حدود الجنيهات الثلاثة . وقد رأيت أن أشير إلي ذلك حتى يتضح للقارئ فداحة المصيبة التي أصابت هذا الرجل الذي خدم هذه المدرسة ثمانية عشر عامًا والذي كان يعول أسرة كبيرة ، وقد رتب معيشته ومعيشة من يعول علي أساس هذا المورد الذي يكتسبه من عمله بهذه المدرسة حيث لم يكن مرتبه من وظيفته في الأوقاف يبلغ نصف مرتبه من المدرسة ... وفي الوقت الذي انقطع عنه فيه هذا المورد أضحي عاجزًا أن يجد عملا يعوضه عنه لأن التوقيت الذي اختاره ينبأ الاستغناء عنه توقيت مدبر ، أملاه الحقد الأسود بقصد القضاء علي هذا الرجل تامًا ، وفضيحته أمام الناس حيث تظهر الفاقة عليه وعلي أولاده وذويه ، ويضطر إلي الاستدانة والاستجداء ... ولم يكن في ذلك الوقت في تلك المدارس حق للمفصول أو المستغني عنه في معاش ولا مكافأة .
وامعتصماه :
كان وقع هذه القصة حين قصها وفد إخوان مغاغة علي سمع الأستاذ المرشد كوقع كلمة " وامعتصماه " علي سمع الخليفة العباسي المعتصم بالله حين نقلت إليه عن المرأة المسلمة التي أسرت ببلاد الروم منتهزين فرصة أنها امرأة وحيدة لا نصير لها في بلادهم .. وكان رد الأستاذ المرشد تمامًا كرد الخليفة إذ قال لإخوان مغاغة وهو يبتسم " لا بأس . إذن ننشئ له مدرسة يكون هو ناظرها وصاحبها " . لم يكن لقولة الأستاذ المرشد هذه معني في عرف العقل والمنطق والقياس للأسباب الآتية :
أولاً : لم يبق علي بدء الدراسة إلا أقل من شهر واحد .
ثانيًا : أن هذا المشروع إذا أريد تنفيذه فإنه يحتاج إلي رأس مال لا يقل عن بضعة آلاف من الجنيهات في ذلك الوقت ؛ علي أن يسترق تنفيذه إذا وجد المال سنة علي الأقل .. فكيف يمكن مجرد التفكير فيه وليس لدي الشعبة ولا المركز العام شيء من هذا المبلغ .
ثالثاً : إذا افترضنا جدلا أن مدرسة كاملة المباني وافية بجميع ما يشترط من الشروط الصحية والاجتماعية نزلت لنا من السماء الآن ، فإن العقبة الكبرى التي لا يمكن تذليلها هي العثور في هذا الوقت علي مدرس واحد يتعاقد معه بعد أن ارتبط كل مدرس بمدرسته .
رابعًا : أن إعداد المقاعد والقماطر والسبورات لمدرسة كهذه يحتاج إذا وجد المكان والمال إلي عدة أشهر .
خامسًا : إذا افترضنا جدلا أن هذه المدرسة موجودة بكامل معداتها ومدرسيها فإنها باعتبارها مدرسة جديدة تحتاج إلي عام كامل – مع جميع وسائل الإعلام الميسورة – حتى يعلم الناس بوجودها .. ثم هي لا تبدأ إلا بالسنة الأولي أي بالصف الأول فقط ، لأن الناس لن يثقوا بها إلا إذا أثبتت نتائجها جدارتها لاسيما وفي المدينة مدرسة قديمة أثبتت جدارتها من قبل والجميع يثقون بها .
تلقي وفد إخوان مغاغة وتلقينا نحن الحاضرين من إخوان المركز العام قولة الأستاذ هذه بابتسامة فيها كل المعاني التي تضمنتها الخمسة أسباب السابقة ، ولكن الأستاذ المرشد مصممًا علي قولته حيث كررها أكثر من مرة تكرار الواثق المتمكن ... ومع ارتيابنا بل ما نراه من استحالة في تحقيق هذا المشروع فإن ثقتنا التي تفوق كل تصور في الأستاذ المرشد جعلتنا نتهم عقولنا ونتهم المنطق والواقع ونصدق ما يقول ..... إن هذا الرجل الذي أتاه الله تعالي من العلم والحكمة ما بهر عقول كبار العلماء فطلبوا إليه أن يؤلف كتبًا يودعها هذه المعارف فكان رده عليهم : إنني لا أؤلف كتبًا يكون مصيرها تزيين الوقوف وأحشاء المكتبات ، وإنما مهمتي أن أؤلف رجالا أقذف بالرجل منهم في بلد فيحييه ، فالرجل منهم كتاب حي ينتقل إلي الناس ، ويقتحم عليهم عقولهم وقلوبهم ، ويبثهم كل ما في قلبه وعقله ، ويؤلف منهم رجالا كما ألف هو من قبل .
إن هذا الرجل الذي ربي هذا الشباب الغض علي أسمي المعاني الإنسانية وأجلها من إيمان وإيثار وتضحية لم تكن تربيته هذه تربية عقيما يقف بها عند حدود تطهير النفس وتزكية الروح ثم يعتزل أصحابها المجتمع متفانين في العبادة ، بل كان يربيهم هذه التربية ثم يلقي بهم في خضم المجتمع باعتبار أنهم كنوز يستثمرها في إصلاح ما فسد منه وبناء ما انهار من بنيانه .. وكان الأستاذ نفسه هو أقدر الناس علي استثمار هذه الكنوز وأبرعهم في الإفادة منها ، وأبصرهم بمكامن اللآلئ والدرر فيها ، وأكثرهم تمكنا من سد كل ثغرة من ثغرات المجتمع بما يناسبها من هذه اللآلئ والدرر كما يقول المثل العربي " يضع الهناء مواضع النقب " . علي أساس من معرفته بما تحت يده من هذه الكنوز قال واثقا قولته التي قالها ... قالها وهو يعلم أنها بحكم العقل وحده والمنطق والحساب إنما هي نوع من المحال ، ولكن الذي بيده مفاتيح هذه الكنوز هو فرق العقل والمنطق والحساب " والله يرزق من يشاء بغير حساب " . إن العنصر البشري طاقة كامنة لا حدود لقوتها ولكنها مفتقرة دائمًا إلي من يستطيع تفجيرها .
إنشاء المدرسة أو تحقيق المحال :
قال الأستاذ المرشد لوفد إخوان مغاغة ، أنتم مكلفون بأمرين اثنين عليكم أن تنجزوهما :
الأول : أن تقولوا للأخ الأستاذ الشيخ حسن سيد إن الإخوان قرروا أن ينشئوا لك في مغاغة مدرسة ابتدائية تبدأ الدراسة فيها من أول هذا العام الدراسي وتكون أنت ناظرها .
الثاني : أن تجتمعوا بإخوانكم جميعًا وتدبروا مكانا يصلح أن يكون مدرسة مهما كان إيجاره والمركز العام متكفل بدفع إيجاره .
فإذا تم تدبير المكان فأخبرونا لنكمل الخطوات الأخرى إن شاء الله .
وبعد أيام وصل وفد من مغاغة يحمل إلينا نبأ إيجاد المكان المطلوب وقالوا إن الأخ المهندس الزراعي الأستاذ شلبي محمد جاد وكيل الشعبة – وهو نفسه الأخ الذي كان الأستاذ المرشد قد اتفق معه لأكون شريكاً له في معمل الألبان – قدم لنا منزلا يملكه ملحق به فناء واسع وهو مكون من ثلاثة طوابق ليكون مقرًا للمدرسة ، وتبرع بقيمة إيجاره في السنة الأولي . وأراد الأستاذ المرشد أن يقتحم علي منافسينا بصاعقة تذهلهم وتفقدهم رشدهم ، فقال لوفد مغاغة : ارجعوا إلي إخوانكم واطبعوا أكبر عدد ممكن من الإعلانات واكتبوا فيها أن المدرسة الإسلامية بمغاغة قد استقدمت جميع هيئة التدريس بها من القاهرة وكلهم من خريجي كليات الجامعة ويحملون شهادات البكالوريوس والليسانس – واكتبوا أسماءهم ومؤهل كل منهم أمام اسمه – واكتبوا في الإعلان أنهم سيحضرون إلي مغاغة يوم كذا في قطار الساعة كذا – وحدد لهم اليوم والساعة ...
وقال لهم : عليكم أن توزعوا الإعلانات في جميع أنحاء مغاغة وفي جميع قري المركز .. وعليكم أن تكونوا جميعًا في انتظارهم علي محطة السكة الحديد . ثم التفت إلي وقال : عليك أن تتأهب أنت وزميلك عباس حلمي ومحمد بسيوني (تخرج محمد بسيوني في ذلك العام في كلية الحقوق) للسفر معًا إلي مغاغة في يوم كذا وفي قطار الساعة كذا وهو اليوم والساعة اللتان حددهما لإخوان مغاغة . ودعوت زميلي وقابلنا الأستاذ فقال لنا : إنكم ستقومون بأهم دور في هذا المشروع الذي أنا أعده مشروع الساعة للدعوة والاختيار الدقيق لها ، وستحملون أنتم أكبر عبئ فيه ... إن عليكم أن تعرفوا الناس بأنفسكم وبمؤهلاتكم ، وعليكم أن تزوروا أعيان مغاغة وجميع البيوت المعروفة في قري المركز ... وستكون زياراتكم هذه لهذه البيوت مبعث ثقتهم في نجاح المشروع ، ودافعًا لهم علي التبرع له بسخاء ... ثم عليكم مع ذلك أن تتعاونوا مع إخوان مغاغة في تدبير كل ما يلزم المدرسة من مقاعد وقماطر وغيرها ... وحين تبدأ المدرسة فعليكم أن تقوموا بأنفسكم بتدريس جميع العلوم وسنضم إليكم في التدريس الأستاذ الشيخ حسن سيد الناظر ، ولا تتركوا مواقعكم في التدريس إلا بعد أن نعثر علي عدد كاف نتعاقد معه من المدرسين المحترفين . تلقينا هذه التعليمات من الأستاذ المرشد ولم يخطر ببالنا أننا مقدمون علي أشق مهمة علي الإطلاق ..
لا يعرف الشوق إلا من يكابـده
مظاهرات من نوع جديد :
حزمنا أمتعتنا – ولم تكن أمتعة ذات بال ، فهي لا تعدو أن تكون ملء حقيبة ضمت أمتعتنا نحن الثلاثة ... وركبنا القطار الذي حدده لنا الأستاذ وتوكلنا علي الله ، حتى إذا صارت محطة مغاغة قاب قوسين أو أدني أعددنا أنفسنا أمام باب عربة القطار التي كنا فيها لنكون أول النازلين حين يقف القطار ، ولما كنا لم ننزل بمغاغة من قبل طمأننا الأستاذ أن سنجد في انتظارنا عددًا من الإخوان الذين عرفناهم في القاهرة . ووقف القطار ، ولم نكد نقدم رجلا للهبوط حتى رأينا المحطة تموج بمئات الناس الذين يبدو عليهم أنهم من علية القوم ، ورأينا الجميع يشيرون بأيديهم إلينا ، وتقدم نحونا الإخوان الذين عرفناهم في القاهرة وتناولوا حقيبتنا وخذوا بأيدينا وأحاطوا بنا ، وخرجنا من المحطة في موكب ضخم مهيب نتقدمه نحن الثلاثة وحولنا إخوان مغاغة وخلفنا هذه الجموع كأننا " عرسان " يزفون ليلة الزواج والهتاف " الله أكبر ولله الحمد " يشق عنان السماء .. وسلكوا بنا في هذا الموكب الشارع الرئيسي الذي يخترق المدينة من أولها لآخرها ، وعلي طول الطريق يرشفنا الناس علي الجانبين بنظرات ، ويوجهون نحونا إشارات كأنهم كانوا علي علم بمقدمنا وفي شوق لرؤيتنا ، حتى وصلنا إلي الدر لم تعد لتكون مقر المدرسة فدخلنا ودخل معنا كثير من الناس وأخذ الجميع يرحبون ويبدون سرورهم بمقدمنا .
كان باقيًا علي موعد بدء الدراسة في المدارس الابتدائية أقل من شهر ، ولم يكن بد من تقسيم المسئوليات علي الإخوان لينهض كل بما يوكل إليه في أسرع وقت ممكن ، وكان من مسئولية الأخ الأستاذ شلبي محمد جاد المتبرع بالدار أن يغير من شكل المبني ومحتوياته فيهدم أجزاء ويضيف أجزاء حتى يتواءم المبني مع الرسم الذي طلبته وزارة المعارف وجعلته شرطا لاعترافها بالمدرسة ، وكان علي الأخ الأستاذ محمد فؤاد سليمان ومعه مجموعة من الإخوان أن يحصلوا من مخازن الوزارة ومن المكتبات الأخرى علي الكتب اللازمة والكراريس وغيرها من الأدوات المكتبية للصفوف الأربعة . وهكذا قسم العمل وكان الموكول إلينا من المسئوليات هو أن نشترك في النهار مع اللجان المختلفة في مسئولياتها حتى إذا انتصف النهار وتناولنا طعام الغداء ، أعددنا أنفسنا لرحلة يومية يشترك معنا فيها الأستاذ الشيخ حسن سيد وبعض الإخوان لنزور كل يوم بلدًا من بلاد المركز أو بلدين لنشرح للناس مزايا هذه المدرسة والسبب في إنشائها وما كان من أمر الغدر بالشيخ حسن سيد كما يرون بأعينهم الأشخاص ذوي المؤهلات العالية الدين سيق�



ساحة النقاش