وا إسلاماه * المشهد الأول *
بين الصليب والتتار(المغول)* نبوءة المنجم*عبد القدوس عبد السلام العبد
قال السلطان جلال الدين للأمير ممدود(ابن عمِّه وزوج أُخْته جهان خاتون): غفر الله لأبى ( خوارزم شاه ) لِمَ تحرَّشَ بهذه القبائل التترية المتوحشة،فأجاب الأمير ممدود: إن عمِّى(خوارزم شاه) أخطأهُ التوفيق بهذا التحرُّشِ ـ رغم انه أراد أن يجمع بين توسيع مُلْكِهِ ونشْر دِينِه ـ فقال السلطان جلال الدين: لكن عمَّكَ فقدَ الجُزْءَ الأعظمَ من مملكته و أغرق الإسلام بطوفان التتار المشركين!!!ومات شريداً وحيداً فى جزيرةٍ نائيةٍ.!! قال الأمير ممدود: إن هؤلاء التتار لرُسُلُ الدمار والخرابِ وطلائع الفسادِ.. يأتون على الأخضرِ واليابس ـ يقتلون الرجال ويذبحون الأطفال ويبقُرُون بُطُونَ الحَوَامِلِ ويهتكون الأعراضَ ـ ثم بكى الرجلان بكاءً شديداً ـ فقد تذكَّرا وقوع ( ترْكان خاتون ) أم الملك خوارزم شاه ونِسْوَةٍ من أهْلِهِ فى قبْضَةِ التتار وقائدهم( جنكيز خان ) الذى دانت له(خضعت) خُراسان كُلُّها!! فدخلوا ـ الرى.وهمدان.وبرنجان.وقزوين.وسمرقند التى جعلها قاعدة انطلاقه ـ ثم قال الأمير ممدود: لعلَّ الله ينْصُرُ بك الإسلامَ. بعد أن تخاذل خليفة المسلمين فى بغداد ومُلوك وأُمراء مصر والشام عن نجدة أبيك خوارزم شاه .. وأخشى أن يذوقوا من وبال ما ذقنا. قال السلطان جلال الدين: إن ملوك وأمراءَ مصرَ والشامِ مشغولون بردِّ غاراتِ الصليبيين الذين لا يقلون خطراً على بلاد الإسلام فى الوحشيَّةِ والهمجية ـ ويزيدون بالتعصُّبِ الدِّينىِّ الذميم ـ فيغزون صميمَ بلاد الإسلام وليس أطرافه. قال الأمير ممدود: لقد كان هذا فى عهدِ صلاح الدين الأيوبى وأستاذهِ نور الدين محمود.أما من جاء بعدهم(فى مصر والشام)فمشغولون بقتال بعضهم بعضاً!! بالكيدِ فيستنجد أحدُهم بالصليبيين على مُنافِسِهِ!!! ـ وعسى الله أن يجعل من أبيك ومنك فى شرْقِ بلاد الإسلام مثل نور الدين محمود وصلاح الدين فى غرْبِها ـ وإن جنكيز خان لن يتوَجَّهَ إلى الغرْبِ حتى يفْرغَ من الشرْقِ.. ولن يمس العراق والشام ومصر حتى يقضىَ على ممالك خوارزم شاه كُلِّها ..
أشارَ الأمبر ممدود على السلطان جلال الدين أن يتجهَّزَ لحربِ التتار خارجَ حُدودِهِ لِما فى ذلك من السلامةِ.قال جلالُ الدين:نعم وحسْبِى أنك ستكون يدى اليُمْنَى حين أنهضُ بأمر القتال . قال ممدود: سأكون أطْوَعَ لك من خاتمٍ فى اصبعك يا بن عمِّى ويا موْلاى...[فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا. فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب] قال السلطان جلال الدين:اللهم إنى أرغب إليك فوفقنى لما تحبه وترضاه .. وتذكَّرَ أخته ( جهان خاتون )زوجة ممدود فسأله عن حالها، فأجاب الأمير ممدود: هى فى رعاية الله ورعايتك وما منعها من المجىء إليك إلا ثقل الحَمْلِ ـ قال السلطان: لطف الله بها وبزوجتى(عائشة خاتون) فإنهما فى شهرهما التاسع فبلِّغْها تحيَّتى... وانصرف الأمير إلى قصره .
اجتهد السلطان فى تجهيز جيشه،وتقوية القلاع وبناءِ الحُصون على طول خط المسير بمُعاونة الأمير ممدود، ثم استشار السلطان جلال الدين مُنجِّمَهُ الخاص كعادة مُلوك زمانه. فقال المُنَجِّمُ:(إنَّك ستهزمُ التتارَ ويهزمونك)!!وسيولد فى أهل بيتك غُلامٌ يكون مَلِكاً عظيماً على بلادٍ عظيمةٍ!! ويهزم التتار هزيمة ساحقةً!! فقال السلطان جلال الدين: يهزموننى وأهزمهم؟ .. قال المُنَجِّم:: لا ياموْلاى.( بلْ تهزمُهم ويهزمونك ) وهذا ليس ذنبى لكن الكتاب الذى بين يدى يقول ذلك!!! فقال السلطانُ::: ومتى يولدُ هذا الغُلامُ؟ قال المُنَجِّمُ:: يولد خلال هذا الأسبوع!! فأطرق السلطان(أطال التفكير) فقال ممدود فى نفسه::: إنَّ المُنَجِّمَ لم يقُلْ للسلطان يولد لك!!! وإنما قال:: يولد فى أهل بيتك وقد يكون الغُلام من إحْدى المرأتين{جهان زوجتى أو عائشة زوجة السلطان} فإن كانت جهان فإن ذلك قدْ يوغِرُ صدرَ السلطان على الغلام وربما أمر بقتله ولو سراً !! خشية انتقال المُلْكِ إليه وانقطاعه عن ذُرِّيَةِ السلطان... لكن الأمير ممدود استعاذ بالله من نزغات الشيطان.وأخذ يصْرفُ السلطانَ عن تصديق المنجم ، ويروى شأن الخليفة العباسى المعتصم مع المنجم فى حرب عمُّورية ببلاد الروم حين نصحه المنجم ألا يحارب فى الشتاء وأن ينتظر موسم العنب والتين ، لكن المعتصم خالف كلام المنجم فانتصر وجعل ليل عمورية صُبحاً من اللهبِ !!! حين هبَّ لنجدةِ امرأة مسلمةٍ صاحت:::::: وا مُعْتصماه.وعندها قال أبو تمام مادحاً الخليفة العباسى ( المعتصم )
السَّيف أصْـدَقُ أنْبــاءً من الكُـتُبِ . فى حَدِّهِ الحـدُّ بين الجِـدِّ واللعب
بِيْضُ الصَّفائح لا سـود الصَّحائفِ فى . مُتونِهِن جَلاءُ الشَّـــكِّ والرِّيَب
والعلم فى شُهُـبِ الأرْمـاحِ لامعـة . بين الخميسن لا فى السَّبْعة الشُّهُبِ
الصفائح . حَدُّ السيف ـ سود الصحائف . سُطور الأوراق ـ المتن.الكتابة . الخميسين . الجيشين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الثانى *
بين الصليب والتتار(المغول)* نصر وشهاده* عبد القدوس عبد السلام العبد
انشغل السلطان بنبوءة المُنَجِّم،فيفرح حيناً ويغتمُّ حيناً،ثم يُعزِّى نفسَهُ ببقاءِ المُلْكِ فى بيته.حتى تكون هزيمة التتار الكبرى على يدِ أحدِ أبنائه،ولم يكن الأمير بأقلَ من السلطان انشغالاً بالنبوءة،فأفضى إلى زوجته جهان خاتون فشاركته الخوف لِما تعْلمُ من طِباع أخيها لكنها أخفت خوْفَها،وتحقق ما كان يخشاهُ الأمير ممدود،فقد تغيَّر جلالُ الدين حين بُشِّرَ بالأنثى وظل وجهه مُسْوَداً وهو كظيم،وأحب أن يرى الوليدَ فذهبَ إلى قصر أخته ليطمئنَ على صِحتها،فلما وقع نظرُهُ على وليدها تغَيَّر وجْهُهُ،فقرأتْ أخته فى عينه الغدْرَ ولمْ تتكلَّم.فقال الأمير ممدود:إنه ابنك وأشبه الناس بك لقد نزعَ إليكم يا آل خوارزم شاه.فى كل شىء.فتكلَّف السلطان الابتسام والكلام ومَسَحَ بيده على خدِّ الطفل:[هذا الذى سيهزمُ التتار]فبَدَرَهُ ممدود قائلاً: فى ركابِ خالِهِ وخِدْمَتِهِ إن شاء الله.قال السلطان:[بل يرثُ الملكَ عنى] فقال الأمير: معاذ الله أن يرث مُلْكك إلاَّ ابنك الأمير بدر الدين بعد عُمْرٍ مدِيدٍ إن شاء الله.فقال السلطان: لم يقُلْ المُنَجِّمُ أنَّ بدْرَ الدين هو مَنْ يهزمُ التتارَ.فقال ممدود: إنَّ المُنَجِّمَ أحْقَرُ من أنْ يعْرفَ الغيْبَ يا مولاى..فشعر السلطان بشىءٍ من الخجل لارتيابه بطفل وليد لا ذنبَ له، ومن عين أخته النفساء المُسْتعْطِفة، فقبَّل جبينَ أُخْتِهِ وهو يُغالبُ عبْرَةً ترقرقت من عينيه فأجابته أخته جهان خاتون بدموع تنهمرُ من عينيها. جاءت الأنباءُ بدخول التتار. مَرْو.وسيْرهم إلى نيْسابُور.فأعملوا فى أهلها السيفَ ومَلكوها.وأنهم سائرون إلى. هراة. فخرخ جلال الدين فى ستين ألفاً حتى لقى طلائعَ التتار دون. هراة. التى حاصرها التتار عشرة أيام حتى ملكوها. وتقدَّموا إلى.غِزْنة. فقاتلهم جلال الدين قِتالاً عظيما حتى هزمهم وقتل منهم خلْقاً كثيراً. وبعث السلطان إلى أهل. هَراة. يُبَشِّرُهُم بانكسار التتار. فخرج الناسُ وتنادوا بأن الله قد بعث خوارزم شاة حيًّا من قبْره، فوثبوا على حامية التتار، لكن فلولَ التتار عادت وانتقموا من أهل. هَراة. قتلاً وتنكيلاً وإحراقا ونهباً وتخريباً. وطاردهم جلال الدين، فأجْلاهم عن. هَراة. ثم تعَقَّبَهم إلى حُدود. الطالقان. التى اتخذها جنكيزخان قاعدة جديدة بعد. سمرقند. واكتفى جلال الدين بهذا النصر ليُريح جيشه ويُعدَ جيوشاً أخرى استعدادا جديدا لِمُلاقاةِ التتار. فعاد إلى غزْنة بعد أن ترك حامياتٍ قوية. وعاد الأمير ممدود جريحا محمولاً على مَحَفَّة بعد أن أبْلى بلاءً حسنا وأبْدى بطولاتٍ رائعةً وركِبَ أعظمَ الأخطار. فحزن جلال الدين واهتم بعلاجه كأحسن ما يكون. لكن ممدود أحس الموت يدْنو منه فطلب السلطان جلال الدين وأوصاة:[يا ابن عمى هذه أختك جهان خاتون وهذا ابنك محمود، فأوْلِهما عطفك ورعايتك، واذكرنى بخير. فبكى جلال الدين وبكت أخته وكان ممدود ينظر إليْهما وإلى الطفل الرضيع وظل يُرَدد الشهادتين حتى بلغ الكتاب أجَلَه فمات شهيداً فى سبيل الله ولم يتجاوز الثلاثين من عمره. وفتَّ(أضْعَفَ) موتُ الأمير ممدود فى عَضُدِ(قوَّةِ) جلال الدين لفقده هذا الركن من أركان دوْلته،كان يثق فى إخلاصه ونصْحِهِ. فرَعاهُ بعد موْته فى أهله وولده وضمَهُما إلى كنفه واعتبر محمود كابنه يُحِبُهُ ويُدلِلُهُ ويحمِلُهُ إلى صَدْره كما يحملُ ابنته جهاد. فقد كان لا يطيق صبرا عن رؤيتهما. ونشأ الطفلان محمود و جهاد فى بيتٍ واحدٍ يحبوان معا ويلعبان معا ويتمرنان على المشى معا ، فإذا وقعت جهاد أسرع محمود ليساعدها على النهوض. فتقول الوالدتان:[ أيُقَدَّر لهُما أن يكون أحدهما للآخر!!] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ وا إسلاماه * المشهد الثالث * بين الصليب والتتار(المغول) نهر يبتلع الأحبة*عبد القدوس عبد السلام العبد
كان التتار يتدفقون كالسيل وينتشرون كالجراد ـ وسيَّرَ جنكيزخان جيْشاً سمَّاه جيْش الانتقام. وجعل عليه أحدَ أبنائه،فاندفعوا كالسهام إلى أبْوابِ (كابُل) فلقيهم جلال الدين، واقتتل الجمعان ثلاثة أيام بلياليها، وانتهى القتال بانتصار المسلمين وهزيمة التتار. وظهر قائدٌ مُسْلِمٌ جديد فى جيش جلال الدين اسمه ـ سيْف الدين بغراق ـ انْفَرَدَ بِفِرْقتِهِ خلفَ التتار فحصدهم وأوقع بهم مقتلة عظيمة ، غيْرَ الغنائم العظيمة. ونزغ الشيطان بين قُوَّادِ جلال الدين، فاختلفوا على اقتسام الغنائم، فغضب الأميرُ سيفُ الدين بغراق وانفرد بثلاثين ألفاً من خِيْرَةِ الجُنْدِ.وتوسَّلَ إليْهِ جلال الدين أن يرجعَ إلى عسْكره فلم يقبل. مما أضعف المسلمين. وبلغ جنكيزخان هذا الانقسام فى جيْشِ جلال الدين، فجمع جيوشه وقادها بنفسه، فلم يثبُتْ جلال الدين، وفرَّ إلى( غِزْنة ) ثم رَحَلَ بأهله وحاشيته صَوْبَ الهند، عبر ممر خيبر فلحقته طلائع جنكيزخان فتقهقر جلال الدين إلى نهر السند. فعاجَله التتار قبل أن يجد السفُنَ. فأقبل على جلال الدين نساءُ آل بيته وحريمُه قائلات:ما ينبغى أنْ نقعَ فى أيدى التتار، بالله عليك اقتلنا بيدك وخلِصْنا من الأسْر والعار!! فأمر رجاله بإغراقهن فى نهر السند وفيهن أمُّهُ وأخته وزوجته فابْتلعَهُن اليَمُّ وهو على حافتِهِ ينظر إليهن بعينٍ دامعةٍ، ويُشَيِّعُهُن بقلبٍ مكلوم. ولم يَدَعْ له التتارُ فُرْصَةً للتحسُّر على أعز أحبابه. والتفكير فى هوْلِ ما صنع. فأمَرَ جلال الدين رجاله بِخوْض النهر وألقى بنفسه فى مُقَدِّمتهم فانْدفعوا يسبحون فى أثره والتتار(المغول) يُمْطِرونهم بوابل من السهام. لكن الليل رحِمَهُم وأرْخَى عليهم ستْره، ونجا كثيرٌ من جُنْدِ جلال الدين.يُغالِبون النهرَ. وأشرقت الشمسُ على أربعةِ آلافٍ من جيش جلال الدين وصلوا الشاطئ ليلاً...!! وبحثوا عن السلطان فوجدوه بعد ثلاثة أيام فقد جرفه موْجُ النهر بعيداً.. فأمَرَهُم أن يتخذوا أسلحةً من العِصِىِّ. ثم استلب(استوْلى) أسلحة من أهل البلاد وأطعمة وزعها على جنده، ثم توَجَهَ إلى( لاهور) فملكها واستقر بها وبَنَىَ القلاع والحُصونَ ـ
تذَكَّرَ جلال الدين والده الذى لجأ إلى جزيرة نائية فى بحر طبرستان، مات فيها وحيدا بعيداً عن أهله وأحبابه ـ ثم فكر فيما حدث له من الأحداث، وتذكر كيف اُخْتُطِفَ ابنه الوحيد بدر الدين فحُمِلَ إلى طاغية التتار ولم يبلُغ الثامنة وذُبِحَ بين يديْه ذبْحَ الشاة؟ ـ وتذكَّرَ أمَه وأخْته وزوْجته ونساءَ آل بيته وجميعَ أهله.. كيف أغرقهن جميعاً فى اليم على مشهدٍ منه.!؟ وكيف اخْتَفتْ ابنته جهـــاد وابن أخته محمــــود !؟ وكأنما بقى جلالُ الدين حيَّا ليتجرَّعَ غُصَصَ الألم والحسْرةِ ـ لكنه تذكَّرَ التتارَ سَبَبَ نكبة أسْرَتِهِ ـ فليعشْ لينتقمَ منهم ولتكن هذه أمنيته فيما بقِىَ لهُ من الحياة..
لم يكن جلالُ الدين يعلم وهو يبكى أهْله وذويه وينْفَطِرُ قلبُهُ حُزْناً عليهم، أن طِفْليْهِ الحبيبين محمـــود و جهـــاد حيَّان يُرْزقان وأنهما لا يبْعُدان عنه كثيراً !! إذ يعيشان فى إحْدى القُرى المجاورة للاهور، ولو علم ذلك لطار إليهما فرحا، ولتعَزَى بهما فى كل ما أصابه من مصائب الحياة..!! ذلك أنَّ عائشة خاتون وجهان خاتون لمَّا أيقنتا بالنكبة يومَ النهر ورأتا ألاَّ محيصَ من الموْتِ أو الأسْر ، عزَّ عليهما أنْ ترَيا الطفلين البريئين يذبحان بخناجر المغول(التتار) المتوحشين، أو يغرقان معهما فى أمواج النهر فسلمتاهما إلى خادم هندى أمين(اسمه سلامة) ليهربَ بهما من وجه المغول. ويحملهما إلى مسقط رأسه، حيثُ يعيشان عنده فى أمن وسلام!!
وأرادتا أنْ تُخْبِرا جلال الدين بما صنعتاه، لكن ضاق وقتهما، وشغلهما الهوْلُ عن ذلك!!!فمــــــاذا بعدُ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الرابع *
بين الصليب والتتار(المغول) لقاء صنعه القدر*عبد القدوس عبد السلام العبد
هرب الشيخ سلامة(الهندى) من المعسكر قبيل عصر ذلك اليوم المشئوم. وأركب الطفلين بغلة بعدما كساهما ملابس العامة من الهنود،واتجه شمالا على شاطئ نهر السند.وبعد جهدٍ جهيد عبر بالطفلين فى قارب صياد فقير إلى الضفة الشرقية من النهر. تاركاً البغلة لابن الصياد، وكان سلامة قد أوصى الصبيين بالصمت وألاَّ يذكرا شيئاً عن بيت السلطان جلال الدين،ففهم الطفلان السبب رغم صِغَر سِنهما. فقد تعلما الخوفَ والحذرَ. مما مرَّ بهما من الأهوال. وكان محمود يُطوِّقُ ظهْرَ جهاد بِذِراعيْه كأنه يقول لها: لا تخافى فأنا هنا لأحميكِ. وأثناء العبور اختلق سلامة قصة حكاها للصياد عن زوجته التى ماتت فى (كابل) وعوْدتِه بطفليه إلى مَسْقطِ رأسه بالهند. نزل سلامة بطفليه من قارب الصياد وسار فى طريقه يحمل جهادَ تارة ثم يحمل محمودَ تارة. حتى بلغ قريته بعد يومين مع الغُروبِ وهى قرية قُرْبَ ( لاهور ). وقام الشيخ سلامة برعاية الطفلين والعناية بهما قدْرَ طاقتِهِ ـ فإذا سأله أهلُ القريةِ عنهما ـ قال: إنهما يتيمان وجَدَهُما فى طريقه فتبناهما.ولم يقتنع أهل القرية بحكايته فاخترعوا حكاياتٍ عن أصل الطفلين زاعمين أنهما من أبناء المُلوكِ لِما يبْدو عليهما مِنْ نَضْرَةِ النَّعيم.!. فلم يجد سلامة بُداً مِنَ الافضاءِ بِحقيقةِ الطفلين لبعض أقاربه المُقَرَّبين.فقدْ كانوا يعلمون أنه قضى جُلَّ عُمْرهِ فى خِدْمَةِ السلطان خوارزم شاه وابنه السلطان جلال الدين لكنه استكتمهم الخَبَرَ(كِتمان الخبر) وقدعَلِمَ أهْلُ القُرى المُجاوِرَةِ أنباء فِرار السلطان جلال الدين من بلاده إلى الهند ومُطارَدَةِ جنكيزخان له حتى اضطرَّهُ إلى خوْضِ نهر السند بعد أن أغْرَقَ حَريمه. وعَلِموا كيف يُهاجِمُ جلال الدين القُرَى الهندية لِتوْطيد سُلْطانِه فمَلَكَ الخوْفُ قُلوبهم ـ
وأخيراً هاجم جُنْدُ جلال الدين قرية سلامة، فأخبرهم بحقيقة جهاد ومحمود. وتوَسَّلَ إليهم ألا يُهاجِموا القرية ففعلوا وبعثوا رسولا إلى السلطان بالنبأ. فأقبلَ كأنه يطيرُ بِجَوَاده، فسَلَّمَ وسألَ عن الشيخ سلامة فتقدم إليه مُعَظِّماً وقال:عبْدُكَ وعبْدُ أبيك رهْنُ أمْرك يا موْلاى. فترجَّلَ السلطانُ وعانقه، وما أن رأى الطفلين حتى اندفع إليهما فارتميا عليه فضمهما فاختلط الدمع من حرارة التقبيل والعناق، وهو يقول: ابنتى جهاد ابنى محمود. الحمد لله لسْتُ وحيداً فى هذه الدنيا. ثم أمر جنده ألاَّ يهاجموا القرية والقرى التى تجاورُها إكْراما لسلامة وألاَّ يأخُذوا منها خَراجاً ( مالاً.أو ضريبة ) فخرج أهل القرى رجالا ونساءً تحيَّة للسلطان ثم حملوا سلامة على الأعناق فرحين. وعاد السلطان بطفليه ومعهما الشيخ سلامة..
شعر السلطان كأن أهله وذويه قد بُعِثوا جميعا فى محمود وجهاد.وقوىَ فى نفسه الأمل فى الانتقام،واستعادة مُلْكِهِ بعد أن قَدِمَ الهنود وُفودا داخلين فى طاعته مُعْلنين الولاء.وتذكَّرَ جلال الدين نبوءة المُنَجِّم حين كان محمود جنيناً.فتأكدَ أنَّ المنجم كان صادقا فقد ذبح التتارُ ابنه الوحيدَ الأمير بدرَ الدين، ولم يبقَ من أهل بيته من أحدٍ أجْدرَ بوراثة المُلْك عنه من محمـود ابن أخْته..فأصبح محمـــود أعزَّ عليه وأحب إليه من ابنه.وتعجَّب من نفسه، كيف خطر بباله يوْما أن يقتُله؟وهو فى مَهْدِه خِيْفة أن يرث المُلْك عنه.وما كان يعلم أنَّ هذا الغُلامَ سَيَكونُ يوْماً بقِيَّة أهل بيْته!!وعزاءه الوحيدَ فى هذه الحياةِ!!!وأفاقَ فجْأة من تأمُلاته على صُراخ ابنته جهــاد تخْبِرُهُ أنَّ الأميرَ محمــود قد خرج لقتال التتار وأنَّ جواده قدْ عاد وعليه آثار الدِّماء.!.وحَضَرَ سلامة والجُنْدُ فى ذُهولٍ . وأفاقَ الجميع على جوادٍ كبير يسيرُ سيْراً رفيقاً وعليه رجُلٌ وغلامٌ أمامه فلم يشُك جلال الدين فى أنَّ محمــود قدأصيب بسوءٍ وأنَّ( السائس)حَمَله معه على جَوادِه. فأمَرَ سلامة أنْ يحملَ جهــاد إلى داخل القصر مَخافة الصَّدْمة. وانطلق جلال الدين طائرَ اللُّبِ (العقل) فاحتمل الأمير الصغيرَ من يد(السائس) وألقى على السائس نظرة هائلة كاد يُصْعَقُ لها وقد أنساهُ الارتباك أنْ يترجَّل احْتراما لموْلاه!! وأمر جلال الدين بإحضار الطبيب. الذى حلَّ عن الفارس الصغير ملابسه العسكرية وجسَّ نبْضَهُ ثم قال للسلطان إنَّ الأمير بخير والحمدُ لله ولا خوْفَ على حياته..وقام بإسْعاف الأمير الصغير حتى أفاق وهو يقول:أين الأعداء لقد هربوا خوْفا مِنى.ففرح جلال الدين وحَمِدَ الله: أنت بخير يابُنَىَّ الحبيب فتعلَّق محمود بِعُنُقِ خاله يُقَبِلُهُ.فأعاده الطبيب إلى فِراشه فنام نوْما طويلا..وحين أفاقَ محمـــود وجد جهــــاد بِجِوار سريره تحمل باقة من الزهر وقد وقف خاله مبتسما وهو يقول: ليتنى كنت معك لأفوزَ بمثل هذه الهديَّةِ الجميلة.ثم جذب الصبيين فجمعهما فى حِجْرهِ وضمهما إلى صدره وهو يقول:: بارك الله فيكُما ياولدَىَّ وأسْعَدَ الله أيامكُما يا حبيبىَّ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وا إسلاماه * المشهد الخامس *
بيت الصليب والتتار( المغول ) ثأر وانتصار*عبد القدوس عبد السلام العبد
عاش السلطانُ جلال الدين فى مملكته الصغيرة بالهند عيشةً حزينةً وذكرياتٍ أليمةً.[مُلْكَهُ الذاهبَ.وأهلَه الهالكين] من أبٍ مات فى الغُرْبة شريداً.وإخوةٍ ذبحهم التتارُ.وجدَّاتٍ وعماتٍ ساقهن التتارُ سَبايا إلى طاغيتهم.وأمٍ كريمةٍ وزوْجةٍ بارةٍ.وأخواتٍ عقائل(فيهن الحُسْنُ والعفاف)أمر بإغراقهن فى نهر السند أمام ناظريه.وكان يجِدُ سَلْواهُ(عزاءه)الوحيدة فى ولديْه الحبيبين( محمـود وجهـاد)فينزل إلى عالمِهِمَا الصغير ويصادقهما ويشترك معهما فى ألعابهما وأحاديثهما البريئة.وأحلامهما الصافية. فيَجِدُ لذةً تُنْسيه هُموم الحياة وآلامها. وكان مع ذلك يُحْسِنُ تدبيرَ مملكته،وتقوِيةَ جيْشِهِ وتعزيزَ هيْبته.فيُحاربُ أمراءَ الممالك الصغيرةِ فى مملكةِ لاهور.!! يدْفعُ غاراتهم ويغزوهم أحيانا..ويترقبُ حركاتِ التتار بمملكته القديمة.انتظارا لِفُرْصَةِ الانقضاض عليهم والانتقام منهم. وكان لجلال الدين فى مملكته القديمةِ أعوانٌ لايُحْصون كثرةً يُراسِلونه سِراً بأخبار البلادِ وأعوان التتار فيها.وكان أعوانه يحُضُّونه على العَوْدةِ إليْهم ويعِدونه بالنصر والتأييدِ وبالثوْرةِ العارمةِ على حُكْمِ التتار إذا ما عاد إلى بلاده وذكروا لهُ أنَّ جنكيز خان مشغولٌ عنْهم بِحُروبٍ طويلةٍ فى بلادِهِ مع قبائل الترْكِ..
عَزَمَ جلالُ الدين على اغْتِنامِ الفُرْصَةِ فتَجَهَزَ وكتمَ خبَرَة مُسْتعينا بالله يُساعِدُهُ فى ذلك قائدُهُ الكبير ( بهلوان أزبك )إذ استنابَه( جعله نائبه)على ما يمْلِك بالهند. وترك له جيْشا يكفى لحمايته... وسار فى خمسة آلافٍ قسمهم عشر فِرق على كلٍ منها أمير..فساروا خلفه على دفعات من طُرُقٍ مُختلفة لإخفاء خبَره..وكان جلال الدين قد أعَدَّ الصبيين لحياةٍ خَشِنةٍ فدَرَّبَهُما على الفُروسيَّةِ والقتال ورُكوبِ الأخْطار... وأمدَّ محمود بذخيرةٍ معْنويَّةٍ من بُطولاتِ أبيه الأمير( ممدود) وبُطولات أجْدادِهِ، وكيْفَ كان والدُهُ يُجَنْدِلُ الأبطالَ والأُمراءَ فى الحرْبِ والمُبارزةِ ،حتى جُرحَ ومات شهيداً فى معركةِ(هراة)..!! خرج جلال الدين ومعه الطفلين الحبيبين فلا طاقة لهم على الفِراق، وكان قد جَهَّزَ سُفًنا لتنقُلَ جيْشَهُ وخيْله وعَتادَهُ إلى الشاطئ الغربى من نهر السند العظيم، فِرْقَةً بعْدَ فِرْقة، حتى التقوا جميعاً فى مَمَرِّ خَيْبَر.. ثم اقتربوا سِرَّاً من ( كابل ) فبَعَثَ جلال الدين إلى أشْياعِهِ(أنصاره) فَوَثبوا على حاكمها وأشياعه فقتلوهم ودخل جلال الدين المدينة فمَلكَها بِدون قتال... واستعد أعْوانُ التتار فى المُدُن والعواصِم الأُخْرى لمُلاقاةِ جلال الدين وطلبوا المدد من جنكيز خان..لكن جلال الدين عاجَلَهُم قبْلَ أنْ يأتيهم مَدَدُ التتار(المَغول) فمَضَى يفْتحُ المدينة بعد المدينةِ بغير عناءٍ يُذْكر. لأنَّ أهْلها ثاروا على الطُّغاةِ من أعوان التتار، ففروا إلى جنكيز خان. حتى وصَلَ جلال الدين إلى كرمان، ثُمَّ الأهْواز. ثم أذربجان. حتى دانت(خضعت) له سائرُ بلاد ( إيران ) ..!!!!!
وكان محمــود وجهــاد لا يُفارقان جلالَ الدين فى تنقُّلاته ويقومُ بِخِدْمَتِهما الشيخُ سلامة( وسِيرون) السائس(من يقومُ على تدريب ورعاية الخيْل)..وما كان أشد فرح محمود وجهاد وهما يتنقلان مع السلطان من مدينة إلى مدينة. فتُفْتَحُ الأبوابُ وتُدقُّ الطُّبول وتصْطفُّ الجاهيرُ تحيَّةً، وتعْلوا الأصْواتُ بالهتافِ للسلطان وولىِّ عهدِهِ محمود!! فيسْأل محمودُ خاله: أين التتارُ أعْداؤنا؟ متى يخْرُجون إلينا لنقاتِلَهم؟ فيبتسمُ السلطانُ ويقول:: لا تستعجل الشرَّ يا بُنَىَّ.!! إنهم آتون إلينا قريباً، فناصِرُنا اللـــهُ عليهم إنْ شاء اللـــه.ـ.
عادتْ المياهُ إلى مجاريها،وخُطِبَ للسلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه وولى عهده محمـــود ابن ممدود على منابر البلادِ،فأحْيا جلال الدين ذِكْرَى والدِهِ العظيم فسار فى موْكبٍ مهيبٍ لزيارة الجزيرةِ التى دُفِنَ فيها. فبكى عِنْدَ قبْر أبيه وترحَّمَ عليْه.ثم أمَرَ بِنَقْل رُفاتهِ( بقايا الميِّتِ ) فدفنه فى قَلْعَةِ( أرْدهن ) فى مشهدٍ حافل مهيبٍ حَضَرَهُ العُلماءُ والكُبَراءُ من جميع الأصْقاع(البلاد البعيدة) وبنى عليه قُبَّةً عظيمة..!

