لئن كان خَراج الربيع العربي عائدا إلى فلسطين كما قال "خبّاب الحمَد" فإن خراج غزّة اليوم عاد إلى سوريا !
قد نقول إن أحداث غزة هي بمثابة دورة مكثّفة لكافة الفصائل المجاهدة في سوريا، وقد حفِظتُ بعض النقاط الإيجابية التي رأيتها من المقاومة والتي ليس من العيب أن يستفيد منها إخواننا المجاهدون في سوريا، كيف لا وقد شكّلت هذه النقاط عاملا ملحوظا في ثبات المقاومة وصمودها وهي محاصرة برا وبحرا وجوا في منقطة ضيقة وكثافة سكانية عالية وشراسة عدو يتمتع بترسانة قلّ نظيرها ودعم عربي وخليجي سخي ولكن المقاومة ثبتت فأنبتت !
من ذلك :
-الرصيد الأخلاقي والحاضنة الشعبية التي تتمتع بها فلم أسمع من غزاوي شكوى واحدة عن كتائب المقاومة بل كل الشكوى من أمة الإسلام والعرب الخاذلة ولو فرّطت المقاومة بهذا لاستثمر ذلك عدوها غاية الاستثمار !
-تنظيف الصف الداخلي والتربية الإيمانية والاحتياط الأمني العالي فالقسام عشرة آلاف رجل في واحد وواحد في عشرة آلاف لا تكاد ترى اعوجاجا !
-الاتزان في الخطاب السياسي وعدم الانجرار نحو مناكفات ثانوية تثبّط أو تُزعج عن مصاولة العدو الأكبر !
-الحرص على صداقة الحليف الأقل ضررا أو العدو المسالم والتفرغ الكامل للعدو الأكبر ضررا، وأهمية هذا الظهير والحليف في منطقة تعجّ بالضباع والذئاب !
-عدم رصد أي خطأ إنساني –ولو بالمفهوم العلماني- فمثلا من حق الكتائب استهداف المدنيين لأنه لا يوجد في إسرائيل مدني بل كلهم غاصبون مدربون على السلاح وإن شئت فقل هي من باب "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" ومع ذلك لم نسمع عن غير القتلى المجنّدين في الجيش الإسرائيلي، في المقابل وجدنا عدوا حقيرا لا يستهدف غير النساء والأطفال، وهذا وحده نصر ودعم إعلامي رهيب كسبته المقاومة .
-عدم انحراف بندقية المقاومة إلى العدو الذليل أو الثانوي رغم ما يفعله فيها من حصار وتشويه وتحريض وقتل وتحقيق ومعاونة لليهود وهذا تكتيك احترافي ومكسب استراتيجي سرعان ما يعود ناره عليها في حال فرّطت فيه وأشْركت مع العدو الصهيوني عدوا عربيا آخر !
-ترك خطاب "التكفير والردّة" رغم المعاونة الظاهرة والتولي الصريح والأسباب المقنعة والفتوى الحاضرة إلا أنها علِمت أنه لن يسمنها ولن يغنيها من جوع بل سيرتد شرره عليها فتضع نفسها في خانة هي مستغنية عنها وتركت ذلك للمشاهد ليحكم بنفسه وتركته للمفتي ليقول كلمته وهذا مكسب عظيم يعلم نفعَه من جرّب غير ذلك .
ويظهر نفع هذا الترك سياسيا -كما قدّمنا- وشرعيا لعدم وجود الحاجة المُلحّة أو لوجود مفسدة تزيد عليها كالخشية من فتح الباب على مصرعيه أو تصدّر المتحمسين الجهلة الذين سيجتهدون في توسيع أسباب التكفير أو الإخلال ببعض القيود أو إضافة بعض اللوازم ثم ما ينتج عن ذلك من استباحة الدم كما يعلمه الجميع في حال "داعش".
وأنا لا أطلب إلغاءه أو محوه وإنما تركه لأهله من العلماء أو مع التحرز الشديد فنحن لا نتكلم مثلا عن عدو يهودي أو نصراني بل عن من أصله الإسلام ثم طرأ الارتداد عليه .. هذا لو سُلّم لنا أنه مرتد !!
ولو نظرنا مثلا إلى الكتائب الرافضية المُكفّرة قطعا لأهل السنة والمستبيحة دماءهم وأموالهم لم نجد هذه الاصطلاحات في خِطابها السياسي ولذلك هي غير مصنّفة على أنها "تكفيرية" مع أنها مَفرخة للتكفير !
نعم قد تكون مصنّفة كمنظمة إرهابية ولكنها غير مصنفة داخليا وخارجيا على أنها تكفيرية ، والفارق بين التصنيفين كبير فالأول يحتمل الشد والجذب والاختلاف، والثاني مُجمع على استنكاره ولا أحد يدّعيه أصلا بخلاف الأول لما دخله من تلوّن وتسييس .
-لا يعيب المجاهد أن يعقد هدنة أو تهدئة مع عدوه ليستعدّ له في المعركة القادمة فيعيد ترتيب صفه وترميم بنائه والمتابع للمقاومة يرى كيف استثمرت هذا جيدا وأعدت السم الزعاف لابن اليهودية .
-أهمية العمق الاستراتيجي في الشعوب المسلمة فحماس تعود إلى الإخوان المسلمين ولا يُعدّ الإخوان كثرة فهم عشرات الملايين ومؤيدوهم أضعاف ذلك وهذه الأصوات لا تذهب هباء عند اشتداد الأزمات وتكالب الأعداء !
-العِلم بأن إقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة كاملةً من غير نقصان دونه خرط القتاد –إلا أن يشاء ربك- وأننا محرومون بأقل من ذلك بكثير ، فحتى العلمانية "المعتدلة" أو الديمقراطية بمفهومها الغربي محاربة في بلادنا من قِبل الغرب وأذنابهم من العرب .. لأن ذلك يعني أن نمتلك الحرية والتصنيع وهذا يعني أننا ننمو وننهض فإذا نهضنا يعني أننا سننبش تاريخنا ونبحث عن هوّيتنا وهذا يعني أننا عدنا للإسلام فتعود بذلك رايتنا وأمجادنا .. وهذا يفهمه الغرب جيدا فهو يخشى من أن نصنع عود كِبريت أو نكّاشة أسنان لأنه "اليوم نكاشة وغدا صاروخ أو غوّاصة" .
فإذا كان رفع راية تطبيق الشريعة –والسعي إلى ذلك فرض لازم- يفقدنا الآن كل الأوراق الرابحة التي بأيدينا ويجعلنا نتمنى الحرية وحدها فلا يعطينا إياها العدو العربي والصليبي .. فما يمنع أن نرتكب أهون الشرين لدفع أعلاهما ويتم العمل على عودة الشريعة وتطبيقها في خطة طويلة الأمد واستراتيجية كالاستراتيجية التي اتبعها العدو في تفتيتنا حتى لم نعد نفرق بين ديارنا وديار الكفّار بل صارت بعض دول الكفر أرحم علينا وأحنّ من الدول التي تزعم أنها مسلمة !
-مع أن الإخوان متهمون أحيانا بالتحزب كسبيل كل الجماعات والأحزاب الموجودة إلا أنهم في غزة -ومع أنهم الأكثر والأقوى- لا يتحدثون إلا باسم المقاومة وهي شعار يجمع كل من يطلق صاروخا على تل أبيب فيدخل فيه السلفي والشيعي ، وهذا يفتح كثيرا من أبواب الخير الموصدة ويغلق كثيرا من أبواب الشر المفتّحة .
-أبو عبيدة وما أدراك ما أبو عبيدة وقناة الأقصى وحساب القسام على تويتر والمغرّدون الغزاويون الذين يُنطِقون الحجرَ بما يكتبون ويصوّرون -مع اجتماع الهدف واتحاد الرؤيا- يؤكد أن الخطاب الإعلامي أنكى في العدو أحيانا من الرصاص المصبوب .
-تأمين أرواح الجند فضلا عن القيادات فقد فشلت كل إمكانيات إسرائيل الاستخباراتية الهائلة أن تعتقل قساميا واحدا أو أن تقتل قياديا بارزا في حربها الأخيرة ! بل كانت القسام هي الأوفر حظا فقد جنْدلت قائدا في سلاح المظلية وأصابت قائد كتيبة لواء الجولاني بجروح خطيرة وقتلت ضُباطا وأسرت جنديا وهذا يدلل على عبقرية قسامية في المعركة !
-استثمر يومك الأبيض ليومك الأسود فالأول مرسي والثاني هو السيسي ، فلا ندري ماذا ستصنع المقاومة وماذا سيكون حالها لولا ما أدخلته في مرحلة حكم مرسي من سلاح وعتاد !
-قلة الحيلة تصنع المعجزات فالأنفاق والصواريخ والطائرات بدون طيار كل ذلك يؤكد أننا نقدر على المستحيل وعلى التغيير إذا فكّرنا مليّا واستثمرنا الخبرات ودرسنا المعركة جيدا .
-عدم الوثوق بأي دولة إسلامية أو عربية فها هي دول "المقاومة" تقلب ظهر المِجن وتكشر عن أنيابها الفتاكة وهاهي دولة "التوحيد" و"تطبيق الشريعة" ظهرت بمظهر الحليف الاستراتيجي لتل أبيب .. والهدف القضاء على حماس ونزع سلاح المقاومة بأي ثمن !
وهذا لا يمنع من المرونة السياسة والتغافل عن ذلك الآن أو مستقبلا لأن الأمور تنقلب بين ليلة وضحاها والبراغماتية السياسية تجعل عدو الأمس صديق اليوم والعكس بالعكس ولأن عداء الدول أحيانا يصل إلى شعوبها أو لا تفهم الشعوب أحيانا إلا أن الأمر كذلك ، أما مرونة القسام فقد جعلت قلوب الشعوب الإسلامية معها ولعناتهم على من تولّى أمر تلك الشعوب !
وهنالك ما هو أخطر من ذلك إذ ليس باستطاعة حماس أو الكتائب المجاهدة في سوريا إعادة إعمار ما دُمّر إلا بمعونة دولية ! وكيف ستكون تلك المعونة في حال وجود القطيعة !
مع الحذر التام من التماهي في الأنظمة والتطبيل للطواغيت وإلا ظهرنا بمظهر التناقض في حال ناكفنا هذا الطاغوت فعبَسنا في وجهه وبسَرنا
-أقول كما هو العنوان "كونوا مثل القسام من غير أن تكونوا مثلهم" فعلى حماس ملاحظات منهجية وشرعية أراها أنا أو يراها غيري ولا أطلب أن تكونوا مثلها تماما فلِكل وِجهة هو مولّيها وقد علم كل أناس مشربهم وإنما أطلب الاستفادة منها والاعتبار بها ولا يزعم الكمال أحدٌ في جماعة إلامنغلق ضيق العطن ثم إننا نعتقد أن عدم مناصرتها نفاق كما أن معاونة اليهود عليها كفر أكبر كما أفتى بذلك العلّامة الددو وغيره ونعتقد أيضا وجوب نصحها وأنها لا تخلو من نقص .. ولكن لكل حادثة حديث ولا صوت الآن يعلو صوت المناصرة !
@dawood2002

