لو انتظر صاحب موقع "ويكيليكس" قليلا لكان المصريون قد علموه طريقة أخري للحصول علي الوثائق السرية غير تلك الطريقة التي اتبعها "أسانج" وأوردته موارد التهلكة. فالطريقة المصرية كانت ستتيح له الحصول علي أخطر الوثائق من أكوام الزبالة علي قارعة الطريق. دون الحاجة للقيام بعمليات اختراق للمواقع الإلكترونية، أو شراء ذمم العاملين بها ودفع الملايين للحصول عليها.
أما الطربقة المصرية التي كان علي صاحب ويكيليكس أن يتبعها في غير عناء أو تكبد الخسائر فكانت تقضي بالاكتفاء بمجرد نشر خبر في موقعه الإلكتروني عن قرار تزمع الإدارة الأمريكية إصداره بتجميد العمل في إدارة الرسائل المشفرة بالخارجية الأمريكية إلي حين إعادة هيكلتها، ومحاسبة بعض المقصرين أو الفاسدين بها.. إن نشر خبر كهذا كان كفيلا بأن يسارع الفاسدون من موظفي هذه الإدارة في محاولة لإحراق تلك الوثائق التي تدينهم أو تؤكد تورطهم في بعض العمليات القذرة ضد المواطنين الشرفاء، فيهرع المئات من المواطنين ورجال الإطفاء إلي موقع الحريق، وتمتد عشرات الأيدي إلي تلك الوثائق لإنقاذها والخروج بها من مقر الإدارة، ثم الاطلاع عليها بدافع الفضول قبل تسليمها إلي جهات التحقيق المختصة، لم يكن "أسانج" علي دراية كاملة بآليات العمل في جهاز مباحث أمن الدولة المصرية، وإلا كان قد فكر في هذه الطريقة التي لجأ إليها ضباط الجهاز لإحراق الوثائق الخاصة التي تجعلهم تحت طائلة القانون، وهو ما أحدث حالة من الهرج والفوضي مكنت المواطنين من الحصول علي آلاف الوثائق السرية من أحشاء الجهاز الرهيب بطريقة تبدو طبيعية.
هكذا أصبحت أحشاء هذا الجهاز المريع، الموغل في غموضه وفظاعته، علي قارعة الطريق، لتكشف للجميع الكثير من الأسرار الغامضة التي تتعلق بالطريقة التي كانت متبعة من رموز النظام السابق في إدارة الدولة، لنكتشف أنها لم تكن دولة بالمعني الذي استقر في القواميس والمراجع السياسية، بل كانت أشبه بجماعات المافيا الإجرامية.
كثير من أسماء مشاهير الإعلاميين والصحفيين وزعماء سياسيين وفنانين ورجال أعمال وقضاة ومحامين وطلاب حديثي السن ومواطنين تضمنتها كشوف العملاء السريين بالجهاز، يتم تكليفهم بإطلاق الشائعات، للنيل من سمعة الخصوم السياسيين للنظام، أو إحداث بعض الفتن في الأحزاب المناوئة، وكتابة التقارير عن نشاطات وفعاليات يقوم بها المعارضون.
ربما كان ذلك كله من الأمور الطبيعية في عمل أي جهاز يعتمد في عمله علي جمع المعلومات، واستغلالها في ضرب المناوئين للنظام، لكن غير الطبيعي هو ما كشفت عنه تلك الوثائق السرية من تحكم الجهاز في قرارات التعيين بجميع وظائف الدولة بدءا من السعاة وعمال المكاتب وانتهاء بالوزراء وأساتذة الجامعات، مرورا بصغار الموظفين في لامصالح والإدارات الحكومية، فكانت موافقة أمن الدولة شرطا أساسيا لإسناد تلك الوظائف لأصحابها، بصرف النظر عن كفاءاتهم العلمية، أو قدراتهم المهنية، وهو الأمر الذي يفسر لنا كيف وصل أنصاف الموهوبين وذوي الكفاءات المحدودة إلي أرفع المناصب وأخطرها في الدولة علي حساب الكفاءات والقدرات التي كانت تقارير الجهاز تستبعدهم بعبارة شهيرة ملخصها "لأسباب أمنية"، بمعني أنه مناوئ أو معارض للنظام.
هكذا أضاعت طريقة عمل هذا الجهاز أية فرصة لتقدم البلاد ونهضتها وإفساد الحياة السياسية والعلمية، وتراجع مصر في جداول الدول الآخذة في التقدم والنمو. وليت الأمر قد توقف عند الأسباب الأمنية التي كان الجهاز يتذرع بها في رفضه إسناد وظيفة لأحد المتقدمين إليها، والجدير بها أكثر من غيره، بل كانت هناك "الأسباب الاجتماعية" أيضا، التي تذرع بها الجهاز في رفضه إلحاق عدد من الأكفاء وذوي المواهب والقدرات بوظائف أو مهن بالدولة بسبب تواضع المستوي الاجتماعي لأسرهم، وقد كتبت ذات مرة مستنكرا وجود هذا السبب "الاجتماعي" في رفض أصحاب الكفاءات. فقلت إننا نحمد الله علي أن لاعبي الفريق المصري لكرة القدم لا يتم اختيارهم بعد تحريات أمن الدولة، وإلا ما رأينا لاعبا مثل أبو تريكة أو عصام الحضري في الفريق "لأسباب اجتماعية". <!--end text makal-->
المصدر: الأهرام اليومى
نشرت فى 23 مارس 2011
بواسطة topsale
عدد زيارات الموقع
3,681


ساحة النقاش