في مقابلة تلفزيونية مع الدكتور يحى الجمل ذكر أن الله لو طرح في الاستفتاء وخد 70 % يحمد ربنا ! وأكد بقوله يعني ربنا يحمد ربنا! وفي ثنايا حديثه ذكر أنه لا يوجد ألعن من الدولة البوليسية إلا الدولة الدينية! ودلل على ذلك بقوله: تقدر تقول لعبد الناصر انت ديكتاتور، تقدر تقول للسادات انت ديكتاتور، تقدر تقول لمبارك انت ديكتاتور، ولا تستطيع ان تقول لربنا أنت ديكتاتور! لانه سيقول لك قال الله تعالى! وقد أثارت هذه التصريحات المستفزة اشمئزاز كثيرين! فما هو الحكم الشرعي تجاه هذه التصريحات وأمثالها؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن الدكتور يحى الجمل أستاذ للقانون الدستوري وعميد سابق لكلية الحقوق، وله من سنه وسابقته العلمية والمهنية ما ينبغي أن يربأ بنفسه عن مثل هذه التجاوزات، وأرجو أن يكون قد راجع نفسه بعد أن قال ما قال، وأن يكون ممن قال الله فيهم [ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ]
ولنا مع تصريحاته وقفتان:
الوقفة الأولى مع قوله: [ ربنا لو طرح في الاستفتاء واخذ 70 % يحمد ربنا! ] وقد تعود الناس أن يقولوا هذه الكلمة لمن يحصل على حقه، أو ما يتسنى لمثله الحصول عليه من حقه في ظل ظروف استيفاء هذا الحق، ويظن أنه لا يزال مهضوما! فيطالبه الناس بالرضا، ويقولون له احمد ربنا! لقد أخذت حقك وزيادة!
ولا يخفى أن مثل ذلك لا يجوز أن يقال لرب العالمين، فإن حق الله على عباده أن يعدوه ولا يشركوا به شيئا، ولو عبده عباده جميعا حق عبادته ما أدوا شكر نعمة واحدة من نعمه، فلا يقال لمثله: لقد أخذت حقك من خلقك! أما يكفيك أن يعبدك 70 % من خلقك!!!!
وما يقع من كفر أو شرك أو ظلم في كونه فقد وقع بإذنه الكوني، فلا يقع شيء في الكون إلا بعلمه ومشيئته الكونية، فإن ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وما يقع في الكون من كفر بالله تعالى أو إشراك به جل وعلا لا يرضى عنه تعالى ولا يرضى عن أصحابه، فقد قال تعالى [ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ]وقال تعالى [ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ] وقال تعالى[ فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ] فلا يطالب بالرضا عن من كفر به من خلقه أو أشرك به من عباده، لأنه استوفى حقه في العبادة ممن عبدهم منهم!!!!!!
هذا وليس قوله [ إن ربنا يحمد ربنا ] بمحذور في ذاته، فقد حمد الله نفسه بالفعل في أكثر من موضع من كتابه الكريم، فقال تعالى [ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ] وقال تعالى [ الحمد لها فاطر السموات والأرض ] ولكن المحظور في هذا هو السياق الذي قيلت فيه هذه الكلمة، ولو أن الرجل هدي إلى الطيب من القول لقال إن الله جل وعلا لم يؤمن به كثير من خلقه، ولم ترض عنه نسبة كبيرة من عباده ومع ذلك يعافيهم ويرزقهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى، لما كان ملوما بذلك، ولكن نعوذ بالله من عثرات الألسنة وزلات الأقلام!
أظن أن مجرد تصور مثل هذه اللوازم تقشعر لهوله الأبدان، وظني أن الدكتور الجمل لم يفكر في كل هذه اللوازم! وإنما هي كلمة أطلقها بتلقائية، لم يلق لها بالا، ولكنا نذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم [ إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا فيهوي بها في النار سبعين خريفا] نسأل الله أن يحسن له الخاتمة، وأن يميته على الإسلام والتوبة!
الوقفة الثانية فهي مع تصوره عن الدولة الديينة والدولة الإسلامية، وهو الأمر الذي لا ينقضي منه العجب! إن دليله على أن الدولة الدينية ألعن من الدولة البوليسية أنك - كما قال - تستطيع أن تقول لعبد الناصر: انت ديكتاتور، وأن تقول للسادات: انت ديكتاتور، وأن تقول لمبارك: انت ديكتاتور،، ولا تستطيع ان تقول لربنا أنت ديكتاتور! لأنه سيقول لك قال الله تعالى!! ولو غيره قالها ممن لم يتبحر في دراسة الدساتير واقعا وتاريخا، شكلا ومضمونا لهان اخطب وعذر بالجهل، أما أن يصدر ذلك عن أستاذ في القانون الدستوري فهو الأمر الصادم المفجع!
إن الدولة الدينية التي يتحدث عنها لا وجود لها إلا في الدولة الديينة التي عرفتها أوربا في عصورها المظلمة، تلك الدولة التي كانت تحكم بنظرية الحق الإلهي للملوك أو للبابوات، وهي التي اصطلح على تسميتها بالدولة الثيوقراطية ،وهي التي يعتبر فيها الملك أو البابا ممثل الله على الأرض، فكلمته وحي معصوم، وإرادته تنزيل من التنزيل، ومعارضته هرطقة وزندقة! وهي الدولة الي أطلقت الثورة الفرنسية في مواجهتها شعار [ اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس! ] فإن كان هذا هو الذي يحذره الدكتور الجمل فنحن معه في خندق واحد! بل نزيده فنقول: إن هذا اللون من الحكم يعد وثنية سياسية، وأهل الإسلام منه براء ما بقيت السنماوات والأرض! فقد سوى الله بين من اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله وبين من اتخذ المسبيح إلها من دون الله! وعبوديتهم للأحبار والرهبان تمثلت في طاعتهم لهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال على خلاف حكم التوراة، فقال تعالى [ اتخذوا أخبارهم ورهباتهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ] وقد قال عدي بن حاتم عندما سمع الآية وكان نصرانيا: ما كنا نعبدهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلوه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرموه؟ قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم. وإن من أبجديات العقائد أن السيادة للشرع وحده، وأن كل الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب الرسالة، وأن العصمة لا تكون لأحد بعد الأنبياء إلا لمجموع الأمة، فقد عصمها الله تعالى من أن تجمع على ضلالة، وأن السلطة لجماعة المسلمين، فإذا كان النظام القانوني مصدره الشرع فإن السلطة مصدرها الأمة! وإن الخلفاء أو الولاة تختارهم الأمة بواسطة أهل الحل والعقد، وأن سند مشروعيتهم يتمثل في طاعتهم لله تعالى وقيامهم بمصالح الأمة، وأن الله تعبد الأمة بطاعتهم ما أطاعوا الله عز وجل، فإن عصوه فلا طاعة لهم، وقد قال الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ أطيعوني مأ أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ] وأن الأمة هي صاحبة الحق في الهيمنة على الولاة والأئمة تولية ورقابة وعزلا، وهذه مقولة البغدادي رحمه الله قبل أن يعرف العالم هذه الديموقراطيات المعاصرة بمئات السنين، لقد قال البغدادي رحمه الله : “ومتى زاغ عن ذلك كانت الإمامة عيارا عليه في العدول به من خطئه إلى صواب، أو في العدول عنه إلى غيره، وسبيلهم معه فيها كسبيله مع خلفائه وقضاته وعماله وسعاته، إن زاغوا عن سننه عدل بهم، أو عدل عنهم”. هذه هي الدولة الإسلامية التي جاءت بها الشريعة والتي ينشدها الذين يأمورن بالقسط من الناس من أهل العلم وحملة الشريعة!
بقيت كلمة لا بد أنها لا تغيب عن مثل الدكتور الجمل بثقافته الموسوعية في عالم النظم والقوانين، ليس كل ما ينسب إلى الفقه من اجتهادات وأقوال للفقهاء يمثل حقائق شرعية قطعية لا يختلف فيها ولا يختلف عليها، ولا تجوز المنازعة فيها، بل من ذلك القطعي والظني، والمحكم والمتشابه، والثابت والمتغير، ومن قواعد الفقه الكلية أنه لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع عليه، ولقد تضمنت الشريعة الإسلامية فيما تضمنت منطقة عفو تشريعي تستوعب في داخلها جل ما يتعلق بالترابيب الإدارية والشئون الدنيوية، لقد جاءت الشريعة في جل ذلك بالإطار العام والمقاصد الكلية والقواعد الأصولية ثم أحالت في التفصيلات وفي ملئ هذه الفراغات إلى العقل البشري لكي يبدع ويطور، ويكتشف الجديد ويأتي بالمزيد! ويستفيد من الخبرات البشرية العالمنية من حوله، ولا تثريب عليه في ذلك ولا حرج ما دام في إطار المقاصد العامة والقواعد الكلية للشريعة، فقد جعل الله الأرض مشتركا لعباده جميعا، فجل ما ينتجه العالم في باب التراتيب الإدارية والآليات الدنيوية مشترك إنساني عام، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها التقطها وهو أولى التاس بها، فلا يظنن أحد أنه عندما يناقش على سبيل المثال قضية إدارية بحته سينبري له فقيه ليرد عليه بالنصوص القطعية ويخرجه من الملة عند المخالفة! فإن مثل ذلك وهم لا وجود له إلا في خيالات الواهمين، لقد جاءت الشريعة على سبيل المثال في باب الشورى بإعلاء المبدأ وإرساء القيمة، وبيان أن الشورى تكون في دائرة المباحات ومنطقة العفو التشريعي، ثم أحالت فيما وراء ذلك من التفصيلات والآليات إلى الاجتهاد البشري يطور من الآليات ما يشاء ويبدع فيها كما يشاء، ويستفيد من خبرات الآخرين كما يشاء، ولا ثريب عليه في ذلك ولا حرج إذ لا يزال في دائرة السعة! وقل مثل ذلك في كثير من النظم والتراتيب الإدارية
إننا ندعو للدكتور الجمل - وهو الرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره وبات على مشارف لقاء ربه - أن يرده إليه ردا جميلا، وأن يحسن له الخاتمة، وأن يوفقه لتوبة صادقة تمحو ما كان منه من عثرات في هذه المقابلة، وأن يمنحه الجرأة أن يخرح على الناس ويعلن أماهم اعتذاره لربه جل وعلا، وبراءته من كل ما يغضبه، فلن يزيده ذلك إلا رفعة في عيون الناس، ومحبة في قلوبهم! والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلى وأعلم


ساحة النقاش