شفت العفريت يا عمو ؟!

 

طاهر البهي

كنت قد وعدت بناتي وزوجتي بقضاء نزهة نهاية الأسبوع الذي يسبق امتحانات منتصف العام الدراسي كتعويض لعدم تمكننا من قضاء سهرة رأس السنة في أحد الفنادق الكبرى، بسبب عدم وجود فلوس "فكة"، فقد كانت تكلفة السهرة أربعة آلاف جنيها فقط بسبب وجود واسطة لي داخل الأوتيل، حيث أن صديق الدراسة يعمل ك هاوس كيبر ـ وبالمناسبة فقد تنبأ أحد أساتذتنا فى الجامعة بأن كل واحد منا أنا وصديقي سوف يمسك حتة كبيرة أوى في البلد، وبالفعل فان صديقى يمسك وحده نصف دور في الفندق هو مسئول عن نضافته، وقد كان هذا الصديق مرشحا للإنضام إلى أسرة هيئة التدريس بالجامعة، إلا أن ظروفا خارجة عن إرادته جعلت زميلة تأخذ مكانه؛ المهم أن الفكة حالت بينى وبين قضاء السهرة مرتديا الطرطور ، حيث أننى احتفظ بأموالى فئة الخمسة آلاف جنيه، مع كيس من الجنيهات الصفيح يتوسطهم مغناطيس حتى يتماسكوا ويشد بعضهم بعضا، حتى أنني أثناء شرائى لعلبة جبنة مثلثات، ألقيت بالكيس كله فى وجه البائع قائلا له، خذها يارجل وبعنى إياها!

المهم أننى كان لابد وأن أتصرف بسرعة فى موضوع قضاء الإجازة، حتى لا أفقد ثقة العيال ..وكان على أن أفكر فى نوع من الجازة لا تتعدى مصروفاته كيس الدنانير..ورحت أفكر ثم أفكر..هم يعشقون الإسكندرية، وأنا اكتر.. ولكن مش عايزين نبات فى فنادقها المور اكسبنسف.. وشواطئها التي تحتاج إلى كيسين دنانير من أجل واحد آيس كريم بمعلقتين، وواحد شاي بارد وحجر شيشة عجمي ،تشتهر الإسكندرية بكثافة الدخان الخارج من الفم والأنف من جراء حجر الشيشة السالك(!)، أما أنا فلا أتناول أية مشروبات على البحر في حال كوني الدافع للريسيت، خاصة إنني من النادر أن أصادف صديق في الثغر لديه القدرة على شيل الليلة.. يعنى دفع الحساب!

وها هي الفرصة تلوح لقضاء إجازة نهاية الأسبوع في المدينة التي أعشقها، وأتمنى دائما قضاء أيام بها ما سمحت " الميزانية " بذلك، خاصة بعد الارتفاع الجنوني لأسعار الإقامة بفنادقها التي تتيح لك رؤية دائمة لبحرها الساحر، بعد أن عادت له نظافته ونقاء أعماقه.. فقط كان على أن أخيف بناتي من المبيت في الإسكندرية، وجربت أن استخدم الخبث في ذلك!

قلت لأسرتي .. هيا استعدوا سوف نتوجه إلى الإسكندرية عند الصباح الباكر!

ولمحت ارتسام الدهشة على وجوههم من القرار المفاجئ .

وبادرتني زوجتي وقد اشتمت رائحة مهمة عمل في الأمر: ما هي الحكاية؟

قلت: بالفعل هي مهمة عمل.. ولكن سوف نجد الفرصة للمرح واستنشاق يود البحر!

عادت لتسأل عن طبيعة المهمة؟

قلت بنفس درجة سعادتي وتفاؤلي : زيارة إلى عمارة العفاريت !

وكانت الكلمة كافية لأن تبتعد عني زوجتي، وأن يقترب مني الأولاد بشدة، لأنهم اكتشفوا أنني بقولها ومش خايف !

انطلقت ابنتاي : بابا خدنا معاك.

قلت: ولماذا كل هذا الفرح.. هو انا رايح الملاهي؟

وأضفت متراجعا حتى لا يعلنوا العصيان: طبعا .. طبعا ... سوف نقضي نهاية الأسبوع معا أمام عمارة رشدي... عمارة الأشباح ونعود منها لندخل قصر البارون، حيث الإثارة أكبر والرعب أكثر وضوحا !

الأطفال ( مهللين ) : هييييييييه ... بابا ها يودينا عند العفاريت!

يا ليلة بيضا ... العيال مش خايفة ... هل فشل المخطط لاجبارهم على العودة فى نفس اليوم حتى يحتموا بمنازلهم مع دور شطرنج وكيس بطاطس مقرمشة!

إلى الأسكندرية !

بعد ليلة و ثلاث ساعات كنا نقف أمام العمارة المشئومة ... المنزل من الخارج يحرضك على الخوف، حتى لو كنت تتظاهر بغير ذلك..العمارة تبدو وكأن الحرائق تندلع منها في كل لحظة، أو أنها خارجة توا من انفجار ضخم ... وتشعر بهاتف مستتر يحذرك من الاقتراب !

وعلى بعد أمتار قليلة هناك محطة بنزين و كشك خشبي لبيع التبغ والمياه الغازية..فكرت أن أبدأ على الفور مهمتي، وأسأل العاملين ـ أمام أولادي ـ عن حكاية هذه البناية الغامضة التي تطنطت فيها العفاريت، ولكن نظراتهم لم تكن مشجعة على الإطلاق، ويبدو أنهم اعتادوا على نظرات المتطفلين أمثالي!

بناتي لا يبدو عليهن الخوف، فدفعت الصغيرة دفعا اسألي هذاأأ الرجل العجوز في عقده السابع يتابعني بنظراته في غير اكتراث، ولكن سنوات عمره توحي بأنه يملك معلومات ذات قيمة..فوجئت بجرأة ابنتي قائلة للرجل: حضرتك بتشوف العفاريت يا عمو!

الرجل يجلس على مقعد خشبي عتيق، ناظرا للطفلة بنظرة نارية.. ثم زمجر وتنحنح، وسعل، وأشاح بيده مهرطقا بكلمات غير مفهومة، فارتعدت البنت صائحة: العفريت.. أنا عايز أروحّ!

احتضنتها بقوة مهللا ومطمئنا: أهو دلوقت انتى بنتى.. بينا على مصر!

 

المصدر: طاهر البهي يكتب
taheralbahey

طاهر البهي الموقع الرسمي

  • Currently 57/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
18 تصويتات / 514 مشاهدة

ساحة النقاش

طاهر البهى

taheralbahey
الكاتب الصحفى مقالات وتحقيقات واخبار وصور حصرية انفرادات في الفن والادب وشئون المرأة تحقيقات اجتماعية مصورة حوارات حصرية تحميل كتب الكاتب طاهر البهي pdf مجانا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

198,961