وجوب التسليم لله والإتباع لرسوله ورد الأمر المتنازع عليه إلى الكتاب والسنة
أبوحسام الدين الطرفاوي
من الواجبات المحتمات التي ليس لمسلم فيها خيرة من أمره التسليم لله والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم في الرخاء والشدة والظاهر والباطن فبذلك تحقق السعادة في الدنيا والآخرة ، ويتحقق النصر والتمكين ، وتسود الألفة والمحبة ، ويظهر العدل ، وتعلوا مناراته ، وينقمع الظلم وينتصر المظلوم ويردع الظالم وترفع الفتن ويكون الصلاح والإصلاح ، والأدلة على هذا الأصل كثيرة منها :
1ـ قال تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } [الأحزاب: 36]
يقول الشيخ السعدي رحمه الله : أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة {إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} من الأمور، وحتَّما به وألزما به {أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله..اهـ(<!--)
2ـ قال تعالى :{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)} [النور: 51]
قال السعدي :
أي: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} حقيقة، الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم حين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، سواء وافق أهواءهم أو خالفها، {أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعنا حكم الله ورسوله، وأجبنا من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من الحرج.
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} حصر الفلاح فيهم، لأن الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حكم الله ورسوله، وأطاع الله ورسوله.اهـ(<!--)
3ـ قال تعالى :{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]
قال السعدي :أي تطيعوه إلي الصراط المستقيم قولاً وعملا فلا سبيل لكم إلي الهداية إلا بطاعته وبدون ذلك لا يمكن بل هو محال .اهـ (<!--)
4ـ قال تعالى : {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123]
يقول السعدي : فإن من اتبعه اتبع ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه، فإنه لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى فيهما، بل قد هدي إلى صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة، وله السعادة والأمن في الآخرة.اهـ (<!--)
5ـ قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]
قال السعدي:
أمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في [ص:184] معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية.
ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما.
فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها {ذَلِكَ} أي: الرد إلى الله ورسوله {خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم.اهـ(<!--)
6ـ قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10]
يقول السعدي : يقول تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ} من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه {فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل.اهـ (<!--)
7ـ ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } [آل عمران: 7]. قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم )([7])
8ـ وورد في الأثر عن السلف الصالح والعلماء ما يقرر ذلك :
ففي سنن ابن ماجه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "توضؤوا مما غيرت النار".
فقال ابن عباس: أتوضأ من الحميم؟
فقال له: يا ابن أخي، إذا سمعت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا، فلا تضرب له الأمثال.(<!--)
وقال الإمام الأوزاعي رحمه الله :
" إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإياك يا عامر أن تقول بغيره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مبلغا عن ربه "<!--
وقال الحافظ بن عبد البر رحمه الله :
فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها واعلم أن من عنى بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونا على اجتهاده ومفتاحا لطريق النظر وتفسيرا لجمل السنن المحتملة للمعاني ولم يقلد أحدا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر وشكر لهم سعيهم فيما أفادوا ونبهوا عليه وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرؤا أنفسهم منه فهذا هو الطالب المتسك بما عليه السلف الصالح وهو المصيب لحظة والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدى صحابته رضي الله عنهم .اهـ(<!--)
وقال النووي :
" إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم لها " اهـ(<!--)
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه:
"جماع الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال والرشاد والغي وطريق السعادة والنجاة وطريق الشقاوة والهلاك أن يجعل ما بعث الله رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب إتباعه وبه يجعل الفرقان والهدى والعلم والإيمان فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه فإن وافقه فهو صدق وإن خالفه فهو باطل...
إلى أن قال : والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم " اهـ(<!--)
وقال ابن تيمية أيضا:
معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف (بالملل والنحل) ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.
وهو كما قال، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال.اهـ (<!--)
وقال الإمام الأوزاعى: " عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوها "
وقال الشعبي رحمه الله : "ما حدثوك عن أصحاب محمد فخذ وما قالوا برأيهم فبل عليه ؛أي اتركه "
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال سمعت أبي يقول: " من أراد علم القبر فعليه بالأثر ومن أراد علم الخبز فعليه بالرأي.
وقال يونس ابن سليمان (وكان ثقة) : " نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأي فوجد في الحديث ذكر الرب وربوبيته وعظمته وذكر العرش وصفة الجنة والنار وذكر النبيين والمرسلين والحلال والحرام ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام وجماع الشر كله" .
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
<!-- تفسير السعدي ص665
<!-- تفسير السعدي ص 572
<!-- تفسير السعدي 572
<!-- تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 515)
<!-- تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 183)
<!-- تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 753)
<!-- صحيح البخاري (4/ 1655) ، صحيح مسلم (8/ 56)
<!-- سنن ابن ماجه وصححه الألباني (1/ 306)
<!-- المدخل للبيهقى ( 1/174)
<!-- جامع بيان العلم (2/329)
<!-- شرح مسلم( 8/56)
<!-- مجموع الفتاوى ( 13-135)
<!-- درء تعارض العقل والنقل (5/ 204)



ساحة النقاش