بنتي متعلقة بيّ بشكل مرضي رغم تدليل والدها لها

عزيزتي الدكتورة نهلة أبعث لك مشكلتي وأنا في أمس الحاجة أن أستمع لردك في أقرب وقت.

أنا أم أبلغ من العمر 27 سنة لديّ طفلة 3 سنوات و4 أشهر وطفل لديه سنتان و4 أشهر الفرق بينهما سنة بالضبط، حيث إني حملت بابني وطفلتي تبلغ من العمر 3 أشهر ولم أفطمها حتى قبل موعد ولادتي بشهر، فقد أشفقت عليها وهي في هذه السن الصغيرة أن تُحرم من صدري وحناني.

وبسبب فرق السن الصغير بينهما لم تكن غيرتها كبيرة وواضحة تجاه أخيها، وإن كانت أحيانا كثيرة تظهرها، المشكلة هي بعض سلوكيات ابنتي التي تتطور مع تطور إدراكها وعمرها، ولكن قبل أن أحكي لكِ تصرفاتها أود أن أخبرك بعضا من صفات شخصيتها الإيجابية.

الطفلة أظهرت ذكاء منذ ولادتها في اهتمامها المبكر بالأصوات والأشكال والألوان، أعتقد أنه يسبق أقرانها، وذاكرتها قوية جدا فهي تتذكر أشياء حدثت منذ سنة ونصف ولا تنس الأماكن وتربط بين الأشياء بسهولة كبيرة وتوظف الأدوات فيما حولها لخدمة نفسها.

الآن هي تتحدث الفصحي وقد تعلمتها من قناتها المفضلة براعم وتعرف عد الأرقام منذ كانت تبلغ السنة ونصف والألوان عند سنتين ونصف، والآن تعرف الحروف وتكتب بعضها، وأحيانا تحدث لها انتكاسة فتتكلم مثل الصغار الذين يتعلمون الكلام يعني تدلع في الكلام وتخرج لسانها مع أنها تتكلم جيدا ومخارج الحروف عندها سليمة ولكن هذه الحالة لا تطول ولكنها تتكرر أحيانا كل يومين أو ثلاثة.

وهي ماهرة في التقليد وقص الحكايات وتأليفها، وشخصيتها قوية تختار لعبها بنفسها وتصر على اختيار ملابسها فعندما نذهب لمحل الملابس تلف هي وتختار ما يحلو لها ونحن نتركها على راحتها حتى نقوي عندها الاسقلالية والاعتماد على النفس، كما أنها تساعدني في ترتيب المنزل وقادرة على ترتيب غرفتها ترتيبا متوسطا لكن بمزاجها وعندما تريد هي فقط.

وهي متعلقة بجدها جدا وتحب أخاها وأقاربها، أما ما يقلقني هو الآتي، وأريد أن أعرف إن كان طبيعيا أم لا لأنني أوشكت أن أعرضها على طبيب نفسي فأنا قلقلة جدا مما يحدث معها.

أولا العصبية الشديدة، فعند الغضب الشديد الذي دائما يحدث عند رفض بعض طلباتها فهي تصرخ بصوت عالٍ متقطع زي المجانين دون بكاء، قد تقولين إنه طبيعي، ولكنني أؤكد لك أنني لم أجد أي طفل يصرخ بطريقتها هذه، حتى أنني ووالدها اعتقدنا أنها ربما تعاني كهرباء زائدة في المخ.

أحيانا أخرى بدل الصراخ تتخذ أسلوب العند المستفز، فمثلا قلنا لها نريد تغيير القناة لنشاهد شيئا آخر غير قناتها المفضلة وعندما نُصر تقول: "خلاص بقى اقفلوا التليفزيون أنا عاوزة أنام واطلعوا برة الغرفة".

أو أحيانا عند الخروج أرفض أنا أن تلبس هي ما اختارته لأنه غير مناسب، تقول لن أخرج معكم سأبقى هنا وفي هذه الحالة أقول لها أنا موافقة وأشرع في الخروج وهي متماسكة لآخر لحظة وعند غلق الباب تصرخ وتقول سألبس وآتي معكم ولكنها تصر في بعض الأحيان على أخذ الملابس التي اختارتها معها في شنطة! وهكذا في كل المواقف.

المشكلة الكبرى الآن، أنا أعاني من مشكلات النوم خاصتها.. منذ ولادتها إلى اليوم عندما تستيقظ من النوم تبكي، دائما تستيقظ باكية حتى لو وجدتني بجانبها، ولكن أخاها ليس كذلك ولا أعرف سبب البكاء كثيرا تستيقظ أثناء النوم وتبكي، وتزن وهي نايمة ولا تفصل لفترة طويلة رغم محاولاتي لإخراجها من هذه الحالة فاضطر لضربها ضربا خفيفا فتسكت وتخلد للنوم من جديد.

أنا أعصابي تعبت من هذا الموضوع، فمنذ ولادتها لم أنم ليلة كاملة على بعضها ولم تستيقظ هي يوما مبتسمة أو حتى صامتة.

مشكلة النوم الأخرى هي إصرارها على نومي بجانبها حتى بعد أن فصلتها وأخاها بغرفة بمفردها، فإنها لا تنام إلا لو كنت بجابنها، والأصعب من ذلك أنها تحسس على ذراعي بشكل مستفز إلى أن تستغرق في النوم، وكنت بدأت أعالج هذا الموضوع قليلا وأخبرتها أن ماما تتضايق من هذا الموضوع، الصراحة المسكينة تحاول ولكنها رغبة مسيطرة عليها فتعود لها من جديد وهكذا إلى أن تنام.

البنت متعلقة بيّ بشكل مرضي رغم تدليل والدها لها بشكل مبالغ فيه فعند الطعام تصر أن تجلس بجانبي وعندما تطلب الماء يقوم ليحضره لها تصرخ وتقول ماما، وقيسي هذا على كل الأمور عندما يطلب منها قبلة تقول ماما، وإذا أبدى لها حزنه ترسل له قبلة من بعيد وتقول أنا بحب ماما.

متعلقة بجدها بشدة وتحبه كثيرا وتقبله وتجلس في حضنه بخلاف والدها الذي يتأثر كثيرا ولكنه لا يظهر ذلك، لا أنكر أنني أحيانا أقسو عليها خصوصا عند عصبيتها فتقوم بإلقاء الأشياء أو دفع أخيها بشدة أو محاولاتها لضربه وضربي ولكنني أحاول أن أتحكم بأعصابي حتى لا أدمر شخصيتها، أحيانا أعاقبها بالضرب أو بالنبذ والإهمال أو بالحرمان وأكثر ما يجدي معها هو إشعاري لها أنني زعلانة أو أن أخاصمها فتبادر إلى استرضائي.

أحاول استغلال ذكائها في الحفظ لحفظ القرآن ولكنها تتهرب وترفض وتحفظ الإخلاص ودعاء النوم وأعرف أن من في مثل سنها قد يحفظون أكثر ولكنني لا أريد الضغط حتى لا تعند أكثر فماذا أفعل؟

بالمناسبة أرسلتها للحضانة هي وأخاها لمدة شهرين لظروف خاصة بي، طبعا الأيام الأولى بكاء وصراخ، ولكن بعد ذلك اعتادا على الأمر وكانت عصبيتها قلّت خلال هذه الفترة، حيث كانت ترجع تعبة فتنام، كما أنها في هذه الفترة لم تكن تشاهد التلفاز إطلاقا، ولم يكن والدها معنا ولكن كانا يسألان عنه بشكل مستمر وعندما نعود أمازحهما أحيانا وأقول يلا نروح الحضانة يبكيان ويقولان خلينا عند بابا.

أعرف أنني قد أطلت عليكِ ولكنني أردت أن أنقل لك الصورة شبه كاملة وجزاك الله خيرا على هذه الخدمة وأنا في انتظار ردك.

 

semsema

 

 

سيدتي الفاضلة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أولا أود أن أشكرك على ثقتك الغالية وطلبك للمشورة وأهنئك على وعيك ورغبتك في التعامل مع طفلتك على أسس تربوية ونفسية سليمة.. وأطلب منك أن يتسع صدرك لي محاولتين معا التفكير في كل جوانب المشكلة.

وقبل أن أدخل في تفاصيل سلوكيات طفلتك أود أن أسألك بعض الأسئلة التي لا أنتظر إجابتها بقدر ما أود أن تجيبيها مع نفسك لأنها ستساعدك على رؤية بعض الأمور التي كثيرا ما نغفلها بلا وعي ونحن نربي أبناءنا.. وهذه الأسئلة:

1- إلى أي حد تعتبرين نفسك عصبية المزاج؟

2- هل توجد خلافات بينك وبين زوجك ظاهرة أو كامنة كأن تكوني غير راضية مثلا عن حياتك معه أو غير راضية عن بعض تصرفاته ولا تستطيعين التواصل معه بشكل يمكنك من التعبير عن حالة عدم الرضا؟

3- هل تعتبرين نفسك عنيدة نوعا ما؟

4- هل تزامن مولد طفلتك أو حملك بها مع أي مشكلات أو خلافات عائلية أو غير ذلك؟

5- هل تشعرين بداخلك بأنك ترفضين طفلتك لسبب لا تعرفينه يجعلك باستمرار لا تتحملين أي تصرف منها؟

والآن دعينا نتكلم عن أهم ما أوردت من السلوكيات المرفوضة من طفلتك لنرى معا الأسباب المحتملة:

1- العصبية والعناد: سيدتى الفاضلة كثيرا ما نقول لا يوجد طفل عصبي ولكن توجد أسرة أو أم عصبية بالرغم من أن الطفل قد يكون لديه بعض الحساسية المفرطة في الجهاز العصبي والتي تزيد من حدة ردود أفعاله واستجاباته للمثيرات البيئية وما الذي يجعل الطفل عصبيا؟ تدني مفهوم الطفل لذاته نتيجة لشعوره بالرفض من الأسرة أو النبذ فلا يشعر بالرضا عن نفسه..

ويشعر دائما أنه سيئ ولا أمل في أن يحبه الآخرون فيشعر بالقلق والتوتر الدائم مما ينتج عنه نوبات غضب شديدة واكتئاب واضطرابات فى النوم أحيانا وقد ينتج شعوره بالرفض من الأسرة كحقيقة واقعية كأن يكون بالفعل غير مرغوب في وجوده، أو أن يكون أحد الوالدين أو كلاهما لا يستطيع فصل السلوك المرفوض عن شخصية الطفل، فيصل للطفل معنى أنا أكرهك وأرفضك مع أن الأصل أنا أرفض سلوكك.

2- اكتساب العصبية من أحد الوالدين كسلوك مكتسب بالتعلم من البيئة المحيطة خصوصا من الأم.

3- تسلط وعناد أحد الوالدين بحيث يدخل في مواجهات مستمرة مع الطفل.

4- فرط الحماية والتدليل خصوصا للطفل الأول لأنه أول الفرحة ثم سحب المزايا بشكل مفاجئ بعد مجيء الطفل الثاني والطفل يدرك هذا جيدا مهما كان صغر سنه.

5- ارتفاع مستوى الذكاء عند الأطفال يزيد من العصبية والقلق لأن هذا الطفل يفهم أكثر من اللازم ويدرك مشاعر الضيق عند الآخرين حتى ولو لم يفصحوا عنها ويعرف كيف يصل إلى ما يريد لاستطاعته الاستفادة من الخبرات السابقة، وهذا قد يضايق الأهل أحيانا أن يشعروا أن الطفل يستخدم ذكاءه أو "بيعمل ناصح عليهم" مع أن هذا أمر محمود لا بد أن ننميه بعدم إظهارنا لفهم ما وراء السلوك لأن ذلك ينمي المهارات الاجتماعية عند الطفل بل ينبغي أن نشعره بنجاح خطته أحيانا ما دام ما يطلبه لا يحمل أي ضرر.

6- القسوة والعناد مع الطفل يولدان العصبية والعناد، لأن هذا سيصبح سلاح الطفل ضد السلطة الوالدية، كم أنها رغبته غير المعلنة في إثبات ذاته التي تهدمها الأسرة، إذن عصبية وعناد طفلتك والصراخ ونوبات الغضب أسلحة للضغط تخفي وراءها سببا معينا لا بد من معرفته أولا لتجنبه ثم نتبع ما يلي:

1- حافظي على هدوئك وثباتك الانفعالي، أما طفلتك حتى لا تشعريها بأنها تنجح فى إثارتك وقهرك فتجنبي الضرب تماما وتجاهلي نوبات الغضب لأنها محاولة لإحراجك لو فعلتها أمام الناس، واحذري تنفيذ أي طلب بعد نوبات الغضب حتى لا تعززيها، أما محاولة السيطرة كما في موقف التلفاز، فأعتقد أنه من الأفضل نقل التفاز خارج غرفتها لإبطال المبرر برغبتها في النوم.

2- في موقف التصميم على اللبس غير المناسب يمكنك أن تتركيها مرة تلبس ما تريد وتتفقي مع من ستقابلينهم على أن يعلقوا على هذا اللبس وأنه غير مناسب ويمكنك أن تتعاملي معها بهدوء أكثر وبابتسامة، مثلا إيه رأيك تلبسي ده ولا ده يا حبيبتي، ويمكن أن تجعليها تختار ما تريدين أنت بالإيحاء كأن تقولي لها مثلا الله جميل أوي الفستان ده تحفة ألوانه جميلة ولا تقولي لها البسيه، بل اتركيها أيضا لتختار ولا تغضبي إذا لم تنجح خطتك من أول مرة.

3- حاولي دائما أن تكوني قدوة لابنتك في الهدوء والصبر واللين فتخلي تماما عن أي سلوك ثوري معها أو مع أي شخص أمامها.

4- التقليل قدر المستطاع من الأوامر والالتزام بالمواعيد الصارمة في الطعام والنوم، لأن الصرامة والحدة تجعلان الطفل دائما يرغب في مقاومة السلطة التي تهدد كيانه ووجوده.

5- عدم التحدث عن مشكلات طفلتك معها بشكل مباشر أو التحدث عن مشكلاتها السلوكية ونقدها أمام الغرباء.

أما عن التصاقها بك وعدم إظهار تعلقها بوالدها: الطفل يلتصق أكثر بمن يرفضه وكأنه يقول له طوال الوقت أنا موجود من فضلك حس بي، أما من يدلله فهو مطمئن له ولا توجد بينه وبين هذا الطرف معركة توكيد الذات، فطفلتك في الغالب تشعر بالرفض لها من طرفك نتيجة لضيقك وحنقك من سلوكياتها، وهذا الأمر علاجه في الخطوات السابقة وتأكيد إظهار الحب لطفلتك مهما كانت سلوكياتها وتجنب القسوة تماما.

أما عن مشكلات النوم: بعض الأطفال وخصوصا الأذكياء والحساسين يعانون أكثر من كثرة المخاوف الطبيعية، وذلك لأن خيالهم الخصب يصور لهم ما يرعبهم فلا بأس من طمأنتها والنوم بجانبها، ولا بأس في أن تتحسس ذراعك، فهي طفلة جميلة اتخذت من هذا التحسس لذراعك وسيلة لتهدئتها، فلماذا أنت منزعجة من ذلك؟ بل ساعديها أكثر على الهدوء أثناء النوم بمزيد من الطقوس مثل وضع يدك الحانية على شعرها وإمساك يدها وتحسس وجهها الملائكي البريء.

وابقي معها حتى تخلد إلى النوم ثم اتركيها في هدوء مع ترك باب الغرفة مفتوحا ووجود ضوء خافت في الغرفة.

بقي أن ألفت نظرك بأنك حينما تمازحيهما بـ"يلا نروح الحضانة" ويقولون لا، فأنت تعززين فكرة أن الحضانة عقوبة، وهذا أمر لا بد أن تلتفتي إليه، عزيزتي.. الأطفال نعمة من الله ويحتاجون أن نفهمهم ونصبر عليهم لأنهم أمانة يجب أن نصونها ونساعدهم على بناء شخصية سوية بإذن الله.. بارك الله لك في أولادك.

د.نهلة نور الدين حافظ

اخصائي الطب النفسي
ومستشار نفسي بالمواقع الالكترونية

المصدر: د .نهلة نور الدين حافظ
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 459 مشاهدة
نشرت فى 16 سبتمبر 2013 بواسطة se7anafsiaatfal

وحدة الطب النفسي والإدمان للاطفال والمراهقين م.حلوان

se7anafsiaatfal
تنمية الطفل من الناحية العقلية والنفسية جانب أساسي في مفهوم الصحة الجيدة. هدفنا هو الوصول لحياة صحية سليمة ومليئة بالحيوية، وليس فقط الخلو من الأمراض.ونظرا لأهمية الطفولة كحجر أساس لبناء شخصية الإنسان مستقبلا وبما أن لها دور كبير في توافق الإنسان في مرحلة المراهقة والرشد فقد أدرك علماء الصحة النفسية »

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

109,882