آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور


<!--

<!--<!--

النبوءة فى السيرة الهلالية

النبوءة ظاهرة إنسانية نشأت في أحضان العقيدة الدينية البدائية وظلت هذه الظاهرة قائمة وممتدة ومستمرة مع الإنسان – باختلاف موقعه الجغرافي وبيئته الثقافية – وظلت قاسماً مشتركاً فى الخطاب الدينى للإنسان حتى عصرنا الحاضر ، أى أن معظم المفاهيم الأخرى المتعلقة بالعقيدة الدينية سقطت مع مرور الزمن ، أو تطورت واتخذت أشكالاً أخرى بفعل التقدم الحضارى من جهة و نزول الديانات السماوية من جهة أخرى .. إلاّ أن مفهوم النبوءة أو ظاهرة التنبؤ ظل ملازماً للإنسان ومتحكماً في ثقافته وعضوا هاما فى ابداعاته وموجهاً لبعض سلوكياته حتي اليوم ..

والمعنى اللغوى ( للنبوءة ) قريب الصلة بما يجسده المفهوم ، فالنبوءة فى اللغة من نبا، ونبأ الشيء نبأ ونبوءًا أي ارتفع وظهر، وتنبأ بالأمر أي أخبر به قبل وقته ، ومن معانيها ( فى المعجم الوسيط ) الإخبار عن الشىء قبل وقته حزرًا وتخميناً.

والركن الأساسي الذي تقوم عليه النبوءة هو ( الحتمية ) التى لا بد من تحققها ، ولا يمكن معها فعل أى شيء يمنع حدوثها فتظهر تفاصيل وأحداث النبوءة ( المستقبل ) وكأنها حالة محسوبة ومحددة سلفاً ، ويبدو الحديث عنها وكأنه حديث عن وقائع تاريخية حدثت فعلاً. ويترتب على هذه الحتمية أن النبوءة – وهذا أخطر ما فيها- تسلب أصحابها والمؤمنين بها أى قدرة على الفعل ، إذ أن كل شيء حتمي ومحدد سلفًا.

وفى التراث الشعبى العربى بشكل عام نجد التنبؤ حاضراً وفعالاً سواء فى معطيات الحياة اليومية لأفراد المجتمع على اختلاف بيئاتهم وتنوع ثقافاتهم ، أو فى ابداعاتهم الأدبية والفنية من قصص وحكايات وأمثال وسير وغيرها .

والسيرة الهلالية بما تختص به من شهرة وسيادة فى عالم الابداع الشعبى وبما تتميز به من انتشار على امتداد المنطقة العربية كلها وبما تتضمنه فى ثناياها من عناصر الموروث الشعبى تبرز عنصر التنبؤ بشكل واضح وأساسى فى أحداثها الممتدة عبر المكان والزمان ..  

 وقد تشكلت ارهاصات مولد البطل فى السيرة الهلالية من خلال النبوءة ، ذلك الحادث الذى جرى لرزق بن نايل عندما كان يسير فى الجبل على غير هدى تناوشه الأفكار والهموم لعدم انجابه الولد ، وقد صور المبدع الشعبى هذه الحال بشكل انسانى رائع حين يقول :

  بلغنى الكبر يا دهرى وحنيت     من الله تقضى المصالح

  بكيت ع البلاوى وحنيت            فى بيتى مفيش طفل فالح

   بالوش بعينى يمين وشمال        على طفل عندى يلاغينى

   جاتنى الليالى سودة وشومالى    قادر يارب انت تعطينى

   سمع ندا من قبل الله                 يا اخى مناه سعيدة

   يا رزق اصغى على الله            تزوج من مكة السعيدة

 هذا النداء المجهول يحدد للبطل طريق الخلاص من مشكلة تؤرقه ، وهو فى نفس الوقت تعبير عن معتقد بوجود كائنات غير مرئية يمكنها أن تتدخل فى حياة الانسان وتؤثر فيها ، وهو أيضاً يعد كشفاً عن حدث لم يحدث بعد أى قراءة للمستقبل  وما يكشف عن إيمان أفراد المجتمع كافة بهذا المعتقد أن أحداً منهم لم يستهجن ما قاله رزق ولم يصفه بالخيال أو الخرافة أو أنه مجرد حلم يقظة ، لكن الجميع تعامل معه على أنه حقيقة وأمر واجب النفاذ ..

 وينفذ رزق الأمر المجهول وينتظر النتيجة التى تأتى على غير ما يحب إذ تلد الزوجة المختارة بنتاً ثم تعقم لسنوات حتى يبدأ القلق ثانية وهنا نأتى إلى أمر غيبى آخر ، فالزوجة حين تخرج مع نساء القبيلة عند عين الماء تشاهد طيراً أسود قوى يبطش بكل الطيور فتتمنى ولداً قوياً كهذا الطير حتى لو كان فى لونه –  والأمنية فى حد ذاتها رؤية للمستقبل –  فهى شكل من أشكال التنبؤ الذى لا يتأتى من العدم بل ينطلق من الواقع أو من الماضى ، ويتحقق لها ما تريد فتضع طفلاً أسود على خلاف لون أبويه فيتشكك أفراد القبيلة فى نسبه ويرغمون رزق على طرد الزوجة مع وليدها من القبيلة فتمتثل للأمر لكنها لم تشأ أن تعود لموطنها حتى لا تسبب حرجاً لأبيها فتميل بولدها على قبيلة أخرى هى قبيلة الزحلان لينشأ الطفل بعيداً عن دياره وأهله شأنه شأن أبطال الملاحم والتراﭼيديا جميعاً ..

وكان الرمل من الوسائل الشهيرة فى معرفة الغيب ، ويطلق على الممارس لهذه الوظيفة " الرّمّال " ، والإيمان بنبوءته راسخ فى أعماق أفراد المجتمع والسائد ألاّ مناص من تحقق نبوءته ، ومن شخصيات السيرة التى برعت فى ضرب الرمل فى معسكر الزناتى خليفة ابنته سعدى وكذلك العلام ابن عم الزناتى والذى توصل إلى معرفة ما سوف يحدث – بما فيه مقتل الزناتى خليفة نفسه – لكن هذه المعرفة لم تمنع حدوث النبوءة فكل شئ مقدر لابد أن يحدث ، وتسببت المعرفة فى سير الأمور فى مجراها حتى النهاية فمعرفة سعدى بحقيقة أبى زيد ومن معه أنقذتهم من الشنق باحتيالها على أبيها لحفظ حياة مرعى التى عشقته قبل أن تراه ، كما كشف العلام لأبى زيد عن حقيقة أمره كاملاً فى قصيدة نقتطع منها بعض أبياتها فيما يلى

يقول الفتى العلام عما جرى له         الايام والدنيا تسوى العجايب

فنحن الملامح يا سلامة تدلنا             من عهد تبع ارخت فى الكتائب

عندى خبر بطلوعكم من ارضكم       يوم الخميس العصر والريح طايب

فودعكم حسن الهلالى ابو على          بمدة سبعة ايم والطعن سايب

ثمانين أمير قرءوا الفاتحة لكم           واهدوها لمن هو عالم بالمصايب

ويمضى العلام فى وصف رحلة أبى زيد ورفاقه منذ خرجوا من ديارهم والبلاد التى مروا بها فى طريقهم وما حدث لهم مع ملوكها وأمراءها حتى يأتى على قوله الذى يتضمن نبوءته بمقتل الزناتى خليفة فيقول :

 تطيب لكم من نجد إلى قاع تونس فلا تخشوا الى بلاد المغارب

 يجيكم ابو سعدى الزناتى خليفةيخلى دماكم على الارض سكايب

 ومن بعدها يأتى دياب ويقتله  بمزراق فى عينيه يقد القضايب

          وتصل المعلومات بالطبع إلى الزناتى خليفة ويبدو هذا واضحاً عليه حين يسمع ضرب الطبول فى معسكر الهلالية ويسأل عن سبب ذلك فيخبرونه بوصول دياب بن غانم الذى صرحت النبوءة بأنه لن يموت إلا بحربته فيقول :

قال الزناتى يبقى هو دياب               اللى الرمل عليه قايل

أنا بايت ليلى أحسب ميت حساب       آدى أسد الهلايل

ويبدو أن الرّمّال كان مطلوباً بشدة فى أحداث السيرة فالملك ( الزناتى خليفة ) حين أراد أن يعرف مكان سلامة ( أبو زيد ) وهو يتميز غيظاً منه لم يجد إلا الرّمّال كى يسأله عن مكانه ..

 يامن يخبرنى ويا من يقول لى         على سلامة الكلب فى أنهى مكان

أمسك سلامة اليوم بإيدى واقطعه         يرتاح قلبى ، من زمن تعبان

نادى على الرّمّال اضرب لى رملى    شوف لى سلامة الآن فى أى مكان

ضرب تخوت الرمل صلوا ع النبى      نطق الحصى والرمل نقشه بان

وفى ذلك الوقت كان أبو زيد فى مكة الشريفة لإنجاز مهمة بطولية لصالح أخواله ، وبعد الانتهاء منها على خير وجه وقبل أن يستريح من عناء القتال نجده يرى رؤيا فى منامه ولنسمعها منه ..

أبو زيد من عزم المنام هب واق مسكه الفتى القاضى وسنده زيدان

تتهمّ ليه م الحلم وانت سلامه يا فارس الأقوام يا يقظان

لقد حلمت يا عرب والحلم كادنى والحلم اقلقنى وانا نعسان

نادى الفتى القاضى واثناه وجاوبه سمى ونام ده الحلم اصله شيطان

قال سألتك يا قاضى العرب انا ف مكان طاهر وليس شيطان

قاله تأدب يا قاضى العرب ده مكان طاهر ولم يمسنى شيطان

قال له اشرح لى على ما رايته   ريح فؤادى والنبى تعبان

فقال رايت نيران اضرمت فى نجعنا وعاد لها فوق اللهيب دخان

وعبرت ف صيوانى وديوان ابو على وعبرت دواوين الرجال عيان

مقدار ساعة الا اتت المنبثق   طفاها واخدها على الاظعان

وبقت وحوش البر يا دافع البللا يخوضوا وغيض الماء فى الوديان

ورأيت غزلان النجوع تخطفوا  هجم علينا غول بالنيبان

هجم وحوش البر وخطفوا غزالنا خدوهم قبال عينى رأيت عيان

فأغرت عليهم يا حسن غيرة الأسد  سحبت سيفى مرهفِ رنان

الغول هجم على وفتح مخالبه   خد الغزال منى تانى وانا بمكان

بكيت ودمعى نزل على خيولى     ناديت يا أسفاه يا غزلان

ادى ما رايته دريدى فى رؤيتى    والعلم لله العلى الرحمن

          ومن الأحلام المنبئة بالموت ذلك الحلم الذى رآه عامر الخفاجى ورواه لابنته دوابة وهو يشعر باقتراب منيته فيقول :

 رأيت منام إنما المنام أراعنى

 وحسيت عقلى دوابة من العقل غايب

 رأيت شجرة يا بنت فى وسط منزل

 وهجموا العدا بسلاح جابوها قضايب

 كحتوا على الشجرة وقطعوها

 والله خسارة مضللة ع الحبايب .

ويقول للجازية فى موضع آخر :

 رأيت فى منزلى شجرة

 والعدا جابوها قضايب

 أخاف الشجرة اللى فى منزلى يكون أجلى

 يا جاز وادى الحكاية ..

          وكما نرى فإن النبوءة هنا تلعب دوراً أساسياً فى تسيير الأحداث ، فهى ليست مجرد اشارات عابرة ، فالحدث ينطلق منها وبها ، وينعطف ويميل حيث تحدد هى فالإيمان بها مطلق لا يتطرق إليه الشك ، لكنه لا يوقف الحدث أبداً فبالرغم من يقين الشخص بحتمية تحقق النبوءة إلا أنه لا يحاول الهروب من قدره ..

          والخلاصة أن النبوءة كعنصر من عناصر المعتقد الشعبى ظاهرة لها فعاليتها فى مقومات الشخصية الشعبية ، كما أن المعتقد الشعبى بدوره وثيق الصلة بالتراث الأسطورى الذى خلفته الإنسانية على امتداد تاريخها الطويل ، وهو – بالضرورة –   ينعكس فى الابداع الشعبى لدى جميع شعوب الأرض . 

نشر فى مجلة تراث العدد 179 / 180 


 

samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 52 مشاهدة
نشرت فى 23 سبتمبر 2014 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

63,616