آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

إلى الذين يتخذون من الدين تجارة ومصدراً للكسب .. إلى الذين يجعلون من أنفسهم أوصياء على الناس .. إلى الذين يقفون بين الله وعباده  مرتدين عباءة الفقهاء والأنبياء ..

  

الكهنة

        -  هل تريد العبور يا سيدي ..؟ 

 يبدو أن الرجل كان قد كررها أكثر من مرة , لذلك فقد رفع صوته أكثر حتى  يسمعه الشاب الغارق في تأملاته.. ودون أن يرد .. أو يخرج صوته من حلقه أومأ موافقا، كان قرص الشمس يتخلل كتلة من السحب الداكنة فتشتعل أطرافها بلون ناري .. ظل يتابع هذا المشهد بعينين جامدتين حتى انسلخت الشمس من كتلة السحاب وتحررت منه تماما فأغمض عينيه ..

    -  سيدي .. سيدي .. لقد وصلنا ..

  نهض واقفا .. نقد النوتي قطعة فضية فتقبلها وقد تهللت أساريره وهو يتمتم بكلمات الشكر والدعاء .. قفز الشاب إلى الشاطيء واتخذ طريقه صاعدا و قبل أن يبتعد سمع صوت النوتي يناديه ثانية :

  -   سيدي .. سيدي .. لقد سقط منك هذا .. 

 التفت الشاب وتأمل اليد الممدودة إليه بجعران صغير , لكنه لم يتحرك في اتجاه الرجل , وخرج صوته بصعوبة ..

 - احتفظ به أيها النوتي الطيب علّه يجلب لك الحظ السعيد فهو لم ينفع معي ..

    استدار ومضى بخطى سريعة بينما كانت عينا النوتي تتابعه بدهشة وعجب ..

    مال قرص الشمس نحو الغروب ، وبدا الشفق بلونه الأحمر الداكن ، وتعددت الألوان المنعكسة علي جدران المقابر .. كان قد ابتعد كثيراً والظلام يوشك أن يحل  وهو وحيد والمكان موحش ومقبض جلس ممسكاً برأسه بين يديه غارقاً في الصمت والحزن والسكون ..

       -  أدخل يا بني ..

خيل إليه أنه سمع صوتاً ، تلفت حواليه بجزع وأرهف أذنيه .. لا شئ .. هو علي يقين من أنه سمع صوتاً .. وها هو الفضاء الرحيب من حوله لا يجيبه بغير الصمت .. " هل فقدت الوعي .. أم تراني أهذي.. "

عزم علي العودة .. مسح بعينيه المكان للمرة الأخيرة .. وتهيأ للمسير ، وفجأة جاءه الصوت قريباً هذه المرة ..

    -  لماذا لا تدخل يا ولدي .. ؟

بوغت الشاب عندما وجد أمامه رجلاً عجوزاً ، كأنه خرج من تحت الأرض ، أو هبط عليه من السماء .. كان الرجل يحدق فيه بعينين ضيقتين حادتين ويشير بيديه إلي المكان الذي يريده أن يتفضل فيه .. التفت الشاب حيث يشير الرجل فوجد ما يشبه فوهة كهف ..

-  أدخل يا بني .. لا تخف .. أنت هنا في أمان ، أنت هنا بين الموتى ، وهم أكثر أماناً من الأحياء .. مم تخاف يا ولدي .. أنا لست من لصوص المقابر ، ولا من قطاع الطريق  

-  من أنت .. ؟

- أنا رجل عجوز كما تري ، أنتظر ساعتي المحتومة كي أرقد بسلام بين هؤلاء القوم ..

تردد " إيب- خنسو" ، وأخذ يتقدم خطوة ويتأخر أخري والرجل يستحثه حتى حزم أمره فتبع الرجل إلي داخل الكهف ..

-  هل هذه مقبرة ..؟

-  نعم .. لكنها لم تستقبل أمواتاً بعد..

جلس العجوز علي مصطبة طينية ودعا الشاب إلي الجلوس ، فجلس علي مصطبة

مقابلة وهو ما زال يتأمل المكان ، أشار إلي الباب في ركن الحجرة متسائلاً ..

-  إلي أين يؤدي هذا الباب ..؟

- هذا ليس باباً حقيقياً .. إنه باب وهمي لتضليل لصوص المقابر ، الناس يخشون السرقة في الدنيا .. وفي الآخرة ..

وأضاف العجوز ضاحكاً ..

-   ولكن شتان بين ما يسرق في الدنيا وما يسرق في الآخرة .. ما اسمك أيها الشاب وما حــكايتك؟

   -   ليس هناك الكثير مما يقال .. كل ما في الأمر أنني كنت أشعر بالضيق الشديد، ولم أكن أريد أن أرى أحداً أو يراني أحد ، فأتيت إلي هنا دون وعي أو اختيار، ولم أشعر بمضي الوقت حتى ظهرت أنت .. هل تعيش هنا ؟

 -  نعم .. أعيش هنا منذ اعتزلت العالم .. أو تستطيع أن تقول منذ لفظني العالم ..

-  لا أفهم ما تعني ..

-  لا عليك .. ستعرف كل شيء في حينه .. ولكن قل لي : ماذا تعمل ؟

-  أنا .. كنت أعد نفسي كي أكون كاهناً ..

-  كاهن .! هذا شيء عظيم ولكن ماذا تنوى أن تعمل بعد أن تحوز إجازة الكهانة ؟

- ماذا تعنى يا سيدى ..؟ وهل للكاهن عمل غير أن يكون كاهناً ؟

- نعم .. ينبغى أن يعمل الإنسان ليطعم نفسه ، ولا ينتظر أن يأتيه طعامه ممن يكد ويعرق بينما هو مقيم فى المعبد يتلقى الهبات والعطايا فى مقابل بضع صلوات يتلوها ياولدى ، ليست الكهانة عمل ، وليست مهنة لكسب العيش ، هى علم شأن بقية العلوم يدرسها الإنسان للمعرفة إلى جانب عمله الذى يرتزق منه .. لكن .. لكنك لم تقل لى لمن من الآلهة ستكون كاهناً ..؟    

 - للإله رع .. إله الشمس العظيم .. واهب النور والضياء،وباعث الحياة ..

-  ولماذا لا تكون كاهناً " لبتاح" أو " حتحور" أو" باستت" أو" خنوم" أو "سوبك" أو غيرهم..

      فوجئ الشاب وداخلته الريبة إذ أحس برنة سخرية في سؤال الرجل ولم يحرجواباً وأخذ يقلب الأمور في ذهنه ويسأل نفسه " من عساه يكون هذا الرجل  ألا يؤمن بالآلهة !؟ " ..

      لاحظ العجوز حالة الشاب فأشفق عليه ورسم ابتسامة خفيفة علي شفتيه وهو يرمقه بحنوّ وقال معتذراً ..

 -  لا أقصد شيئاً مما يدور بذهنك، لكني أريد أن أقول : ألست معي في أن هناك آلهة كثيرة ، بل أكثر مما ينبغي ؟ وأن الناس لا يحتاجون إلي كل هذه الآلهة وهذه المعابد التي توقف لها الأوقاف وتنفق عليها الأموال حتى تمتلأ خزائنها وتفيض علي الكهنة ، لا علي العباد !؟

ظل الشاب علي صمته فهذا الكلام جديد عليه تماماً ، لاحظ العجوز أن الشاب قد بدأ يفكر وينشغل بالأمر بشكل صحيح فسُرّ بذلك ورأي أن يغير مسار الحديث ، لكن الشاب فاجأه بسؤال مباغت قائلاً ..

 -  وأنت .. من تعبد من تلك الآلهة الكثيرة ..؟

تبسم العجوز وامتدت يده تعبث بلحيته الكثة ، حدق في وجه الشاب قليلاً ثم أطرق طويلاً والشاب يرمقه منتظراً الرد ، وأخيراً رفع رأسه وقال ..

-   أنت شاب ذكي وما أريد أن أثقل عليك فالتعب بادٍ علي وجهك ، فما رأيك أن تستريح الليلة ثم نستكمل حديثنا فيما بعد ..

  -  لا..لا .. ليس بي حاجة إلي النوم أو الراحة .. ولن أستريح حتى توضح لي ماذا تعني ..هل تعني أنك لا تؤمن بالآلهة ؟

فطن العجوز إلي ما اعترى الشاب من انزعاج وهلع ، وسرّه ذلك وإن لم يظهره فأراد أن يطمئنه قائلاً .

 -  لم أعن ذلك أبداً ، فالإنسان لا يمكنه الحياة بدون الإيمان بشيء .. إنما أعنى أن العالم ليس فى حاجة إلى كل هذه الآلهة ، أعنى أن كل هذه الآلهة يمكن أن تكون إلهاً واحداً يجمع كل الصفات في ذاته ، أي أن يكون إلهاً قوياً قادراً تتعدد صفاته وأسمائه و لكن لا تتعدد طبيعته ..   انظر يا بني .. ماذا تري لو أننا جمعنا كل الصفات الطيبة في  البقرة والتمساح والكبش والصقر وابن آوي والقطة وغيرها في ذات واحدة ، ذات لا تدركها العيون ولكن تدركها القلوب ..  ذاتٍ لا شكل محدد لها ولا تحتاج للتجسيد في صورة محسوسة .. ألا يكون هذا أقرب للإله الحق ؟!

 استغرق الشاب في تفكير عميق ، بدا كمن تلقي صدمة شديدة هزت كيانه وزلزلت بنيانه ، عاد بذاكرته إلي ذلك اليوم الذي نعته فيه الكاهن " كا رع " غاضباً بالملحد ، لقد كان يقترب في رأيه في ذلك اليوم من هذا الكلام الذي يسمعه الآن وإن لم يكن مدركاً له تماماً وبهذا الوضوح .. الآن فقط أدرك أن للكهنة دور آخر غير العبادة وخدمة العباد، وأن لهم أغراضاً أخري غير التقوى والإيمان والأخلاق وكل ما يحاولون ترويجه بين الناس عن العالم الآخر وما يجري فيه من حساب ثم ثواب أو عقاب .. هل يمكن أن يكون كل هذا وهم كبير نجح الكهنة في فرضه علي الناس !

 خرجت من فمه ضحكة مفاجئة وكأنه يسخر من نفسه حين تذكر محاوراته مع صديقه " با – حور " وهز رأسه متعجباً وصدى كلمات صديقه يرن فى أذنه كدوى الطبل " أيها الحمقى .. إنكم تضيعون حياتكم سدي .. ليست الآلهة إلاّ لعبة في يد الكهنة يسلبون بها أقوات الناس ، ويتحكمون بها في رقابهم"     هل وصل "با – حور" بعفويته إلى الحقيقة التى يبحث عنها الآن !؟ أين الحقيقة!؟ أين الحق ..؟

 خرجت كلماته الأخيرة في شبه صرخة مكتومة ، كان الشاب قد نهض فجأة وأخذ يدور حول نفسه ، ويضرب الجدران بقبضته وهو يصيح " أين الحق .. أين الحقيقة " واصطدمت يده بتلك اللفائف المكومة في الطاقة فأمسك بها بين يديه ووجه سؤاله للعجوز الجالس بهدوء تام  ..

     -  أين الحقيقة ..؟ أين الحق..؟ ما هو الحق ، وما هو الباطل ؟ أين الحقيقة ؟  أهي في هذه الأوراق .. أهي كامنة هنا ..؟ قل لي أرجوك .. إنك لا تدري ماذا فعلت بي .. إنك لا تدري ما أحس به الآن ، إنني .. إنني ......

ولم يكمل ، فقد انهار وسقط علي الأرض ممدداً وهو يتلوى كأن به مساً من الجنون والأوراق بين يديه يهذي بكلمات غير مفهومة ، وبينما كان الشاب يتلوى انحسر ثوبه عن كتفه الأيمن ، وما إن وقعت عينا العجوز علي الكتف العاري إذا به يتجمد للحظة ويمد يده ليكشف بقية الكتف وظل يتأمله طويلاً ، انفرجت أساريره وارتسمت علي وجهه ابتسامة عريضة وهو يتمتم ..

    -  إنه هو .. إنه هو.. هذا ما ظننته منذ البداية .. منذ وقعت عليه عيناي وأنا أحس أنه هو، حمداً لك يا إلهي .. حمداً لك، إذن لقد آن الأوان.. آن لي أن أستريح.. تنبه الشاب قليلا ، وبصوت واهن سأل :

   -  من أنت ..؟

 ابتسم العجوز وقال :

 -  أنا من ينتظرك منذ زمن طويل ، هكذا تقول الرؤيا ، شاب بصفاتك وسمتك يأتي يوماً ما ليحمل الرسالة التي ناء بها كتفي زمنا ..

 -   أنا ..؟ تنتظرني أنا ! إنني لا أعرفك ، وأنت لا تعرفني ، فكيف كنت تنتظرني إذن ، وأي رسالة هذه ؟ وكيف عرفت أني المقصود ؟ من أنت..؟

-   كانوا يدعونني الحكيم " إيبـور" ..

صاح الشاب بدهشة وفرح ..

-  أهو أنت ..؟ أحقاً أنت الحكيم" إيبور" ؟! لقد ظننتك .... معذرة ، لست أدرى ماذا أقول .. لكننى أشعر أني سعيد الحظ إذ رأيتك و..

-  ها أنت ذا تعرفني كما عرفتك ، هل تري فيما حدث اليوم  مجرد صدفة ؟ أم أن  ذلك تصديق للرؤيا ؟

-  عما تتحدث ؟ أي رؤيا ؟ أنا لا أعرف شيئاً عن هذا الأمر ..

-   لا تتعجل .. ستعرف كل شيء في حينه .. لكنك لم تقل لي، كيف عرفت اسمي؟

-  عندما كنت أدرس بالمعبد تصادف أن دخلت خزانة الكتب يوماً لأنظفها حسب الأوامر، وتملكني الفضول واستغرقت في قراءة بعضها فوجدت اسمك ، وقرأت تعاليمك ، بل وحفظت الكثير منها وتعجبت ، لماذا تخبأ هذه الذخائر عن الناس وتُخْفَي كُلّية هكذا وكأن هناك حرص شديد علي ألاّ يعلم بها أحد ، ولم أكمل إذ أن الكاهن المكلف بالإشراف علينا رآني وكاد يجن هلعاً عندما اكتشف الأمر..

-  لأنك اقتربت من معرفة الحقيقة .. هناك بعض الأمور التي يخشى الكهنة أن يعرفها الناس وإلاّ فماذا يبقي لهم .. ؟

- ولكن ما هي الحقيقة .. وما هذه الرؤيا التي ذكرت .. ما معناها ؟

-   انظر.. هناك يا ولدي فئة من الناس يختارهم الإله ، قدر لهم أن يحملوا الرسالة ويحافظوا عليها ، وهؤلاء يتعارفون دون لقاء ، ويلتقون دون موعد ، وما الرؤيا التي ذكرت إلا وسيلة للتعارف ، وعلامة لقرب اللقاء ، ولو سألت نفسك عن سبب لقائنا اليوم لما وجدت إجابة واضحة بينة ، قم الآن فاسترح قليلاً ، أوشك الفجر أن يبزغ ولابد من أن تعود إلي بيتك قبل طلوع الشمس .. قم يا "نوسر" ..لقد وضعت قدمك علي الطريق ، وهو طريق طويل صعب ..

-  ماذا قلت ؟ من" نوسر" هذا ..؟

-  أليس هذا أسمك ؟

-  كلا .. إن اسمي" إيب- خنسو" .. هكذا أسماني أبى الموظف فى المخازن الملكية

-  لا.. لا.. هذا يبدو اسماً مستعاراً .. وعليك أن تبحث عن نفسك أولاً .. إن بين كتفيك خاتم ملكى يبدو أنك لا تدرى عنه شيئا ،  قم استرح الآن ولا تجادل في شيء  فقد تعبت أنا أيضاً وليس لدي المزيد .. هناك ما يجب أن تتوصل إليه بنفسك .. هناك الكثير الذي يجب عليك أن تعرفه ، وهناك الكثير الذي يجب عليك أن تتحمله .. لا تظن أن الأمر سهل يسير، إنه طريق وعر ومحفوف بالمخاطر والأهوال ، والإله لا يختار إلاّ من يستحق ، ومن يستحق هو الذي يصبر ويتحمل الشدائد ، أما أنا فقد آن لي أن أستريح ، سنلتقي ثانية فقد عَرَفْتَ الطريق ، أليس كذلك.. ؟ 

فغر الفتي فاه دهشة ، ومرة ثانية عصفت به الأفكار والظنون " ما معني هذا ؟ لست "إيب- خنسو" ! من أكون إذن ؟ من أنا .. ؟ " ..

                                          

 

 

المصدر: الكاتب
samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 143 مشاهدة
نشرت فى 22 مايو 2011 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

63,713