نقوش في ذاكرة المجر الكبير

حمام السعادة

الذهاب الى الحمامات الشعبية واحد من الطقوس التي يحرص العراقيون في مختلف المدن على القيام بها ولاسيما عند المناسبات. وهو طقس ورثوه عن آبائهم واجدادهم وإن كان هذا الامر قد انحسر تدريجياً في السنوات الاخيرة لأسباب عدة لكن الحمامات الشعبية لاتزال موجودة في بغداد ومحافظات اخرى كثيرة . بل انها اصبحت نقاط دالة .

وعلى ذمة المصادر التاريخية فأن أكثر من عشرة آلاف حمام كانت في مدينة بغداد في النصف الأول من القرن الرابع الهجري ثم اخذت تتناقص حتى وصلت إلى ألفي حمام في القرن السادس الهجري. ولايعد هذا الامر غريباً إذا ما عرفنا انه في العصور الإسلامية لم يكن الناس يستحمون في بيوتهم ، ولم تكن هناك حمامات خاصة إلا في بيوت الحكام والولاة ومنازل الميسورين.

ولذلك كثرت الحمامات العامة ليقصدها عامة الناس من اجل الاستحمام كما ان المسلمين يهتمون بالحمامات لأسباب صحية ودينية ، فهي ضرورية للتطهير والإغتسال قبيل العبادة واداء الصلاة. كما دأب المسلمون على بناء حمامات خاصة بالنساء إلى جانب حمامات الرجال. وترتبط الحمامات الشعبية بالمناسبات المهمة، فالعريس يذهب إلى الحمام قبل زفافه ، وكذلك العروس كانت تقصد الحمام الذي كان بمثابة صالون تجميل للنساء.

وتذكر مصادر تاريخية أن الحمامات الأولى شيدت بعد الفتوحات الإسلامية مباشرة. وإن أول حمام عربي إسلامي شيد في مدينة الكوفة وهي ثاني مدينة إسلامية شيدت في العراق عام 17هـ – 638م ،كما كشفت تنقيبات أثرية عن حمام قصر الشعيبة ويقع بالقرب من مدينة البصرة ،وثمة حمام يقع داخل قصر الأخيضر ، على بعد 50 كلم عن مدينة كربلاء ، يعود تاريخ بنائه إلى الحقبة الأولى من العهد العباسي ، وهو يشبه في تصميمه الحمامات المشيدة في العصور الإسلامية ، إذ ينقسم إلى أقسام عدة ترتبط مع بعضها بواسطة دهاليز. وتختلف هذه الأقسام في ما بينها من ناحية درجات الحرارة. وجدرانه مشيدة من الآجر والنورة.

المعنى اللغوي للفظة» الحمّام»:

ورد الكثير من الشّروح والتفسيرات لأصل كلمة «حمّام» في المعاجم العربية، فنجد الرازي بن محمد يعود بأصل الكلمة الى «الحمّة» بفتح الحاء وتشديد الميم، والتي يعرفها بأنّها العين الحارة التي يستشفي بها الأعلّاء والمرضى(1)، ولقد وردت الكلمة في عدة مواقع من كتب الجغرافيين والرحالة، فقد أورد لنا ياقوت الحموي مثالا عن حمّة الإسكندرية التي تشفي من البرص ومن جميع الأدواء(2)، ويرجع البعض الآخر أصلها الى كلمة «الحميم» والتي تعني الماء الحار، فنقول حمّ الماء، أي سخّنه، واستحمّ أي اغتسل بالحميم، و أحمّه أي غسله بالحميم، فيقول هذا هو الأصل، ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان سواء كان باردا أو ساخنا (3)، كما سمي حماما كل مسبب للعرق(4).

فحمام السعادة وهو الحمام الوحيد في مدينة المجر الكبير, من اقدم البنايات المشيدة من الطابوق في المدينة حسب المعلومات المتوفرة ويقع قريبا من نهر المجر الكبير,بظهر دربونة التكامجة. ولا يزال قائما ولكنه تحول اخيرا الى محلات للنجارة ومخازن مختلفة؛ تعود ملكيته الى المرحوم الحاج حمدان الحاج حسين نصر الله فحين تدخل تكون على يمينك غرفة الأستقبال التى هي ادارة ومنزعا.فقد كان هناك منضدة خشبيية تحتوي على مجرات لوضع الامانات فيها ودفع الحساب. وشخص يجلس عليها. محاطه بدكات للجلوس مبنية من الطابوق والاسمنت ومصقوله ( ملبوخةجيدا)وضعت عليها حصران صغيره وعلقت على الحائط حمالات للملابس عبارة عن خشبة طويلة تمتد على طول الجدار, وضعت فيها مسامير كبيره, تعلق عليها الملابس للتحول الى تعلاقات حديدية, بعد نزع ملابس الزبائن للتهيء للدخول وتحت الدكات توزع القباقيب البلاستيكية والخشبية التى يرتديها المستحم وهي تعمل اصوات بايقاعات جميلة بعد ان ياخذ معه الصابونه والليفة.اما قاعة الاستحمام الرئيسية, سقفها صمم على الطراز التركي القديم باستخدام العكادة المقوسة بلا استخدام الحديد او الشيلمان, وتتكون من مجاميع صغيرة مترابطة بشكل هندسي جميل, يدخلها الضوء عن طريق فتحات يحيطن القبه الخاصه بالحمام ومغلفات بالزجاج الملون مما يضفي على الحمام جو مريح وفيها يكون الاستحمـام . وفي وسطها ما يشبه الصخرة المستوية سداسية الشكل فهي ساخنة جدا ، تكون كبيرة نوعاً ما بقطر 2 م او اكبر ، وتكون مباشرة فوق مكان النار المضرمة تحتها, يقف فيها المستحم ليتعرق ويزيل ما علق على جسده بشكل لفائف صغيرة وهو يمرر اصابعة ويده على جميع جسم حتى يزيل الكثير منها ليذهب الى الحوض الصغير وهو مزدوج فيه خانتين لاحتواء الماء ليتقابل عليها اثنين من المستحمين وفي كل حوض حنفيتين واحدة للماء الحار والاخرى للماء البارد حتى يكاسر فيها الماء بما يزيد من نسبة حرارته. مع طاسات صغيرة من النحاس الاصفر. تسمع اصواتها وهي تضرب الحوض مع استخدام الليفة والصابون وكان هناك من يعمل مدلكا. اعرف منهم( ابو المعاطي المصري ) باستخدام كف من الالياف حيث يبدا اولا بتدليك الجسم ثم غسل الظهر والاكتاف والرقبة والسيقان والارجل مقابل مبلغا بسيطا من المال.ولا زلت اتذكر باب الحمام المربوط بالياف مطاطية هي جوبات اطارات مستخدمة للدراجات الهوائية ترجع الباب سريعا بعد دفعه للخروج وهناك ملحق للمرافق الصحية التى طالما استخدمت لتنظيف وازالة الشعر الغير مرغوب فية من مناطق الجسم بالنورة او مكينة الحلقة القديمة ذات الموس الحادا, وهناك من يزيل حتى شعر صدره . وبعدها يكمل استحمامه، وكثيرا من الشباب يبقى لاوقات طويلة في الحمام ممايضطر الاخرون الانتظار خارجا ,فقد كان علية ازدحاما كبيرا لعدم توفر الحمامات الدافئة في معظم بيوت المدينة. وقد يرافق عملية الاستحمام غناء ومزاح جميل مع الآخرين الذي يصل احياناً الى الترامي بالصابون والليف وبعد ان يخرج يقوم برمي الماء البارد على جسده, ونزع الوزرة التى كانت مقلمة باللونين الاصفر والجوزي او بيضاء تماما, ويبدا بارتدى ملابسة التى كان يجلبها ببقجة او صرة( وهي قطعة قماش مزركشة وجميله تلف بها الملابس) ويدخل الملابس التي نزعها فيها لجلبها للبيت ومنهم من يغسلها وأخرون يتركون غسلها في البيت, وقبل ان يخرج كانت هناك اقداح الدارسين والحامض معده من قبل احد الرجال الذين يعتاشون على هذة المهنة منهم المرحوم رحمن حسن وهناك من يجلب معه الليمون الحامض اعتقادا انه يجنبهم الاصابة بالزكام, وكان الكثير من الاباء والامهات يجلبون الاطفال معهم, وكان هناك يوما مخصصا للنساء وهو يوم الجمعة والاثنين من كل اسبوع وكانت تتقاطر عليه النساء بفرح غامر بعد ان تتبدل مجموعة العمل بطاقم نسائي, وكان من عادات بعض النسوة استصحاب بناتهن واولادهن الصغار معهن لكي يحملوا لهن ما يلزمهن مـن الفـرش والصابون وحجارة الأرجل والطعام مثل (الكبة والكباب وخبز العروگ والدولمة والفواكه )، وكأنهن في نزهة, ونظرا للجو المحافظ للمجتمع البغدادي شأنه شأن المجتمعات الشرقية ، فقد كانت الحمامات الشعبية بالنسبة لهن اماكن للتعارف والمجاملة ، وتمتد اليها مشاريع الخطوبة والزواج ، وفي بعض الأحيان لا يرجعن الى بيوتهن الا مساء. فقد كان الحمام يعد متنفسا لهن جراء بقائهن لمدة طويلة في بيوتهن ، لأنهن لم يكن يخرجن منها الا للضرورات القصوى الخاصة

وانا احد الاطفال الذين دخلوا حمام السعادة وكم تعلقت بوالدتي رحمها الله من اجل ان تاخذني معها ولكن كنت مرعوبا من امراة مسنة سمينه, يتوزع على انحاء جسدها المترهل شعرها الاصفر المصحوب بالشيب’ مما جعلني افكر او اشبهه بيوم القيامة, وقد حيرت والدتي فلا استطيع الخروج للاستقبال بوحدي ولا استطيع الصمود امام هذة المراة المرعبة مما اضطرت ان تستعجل من اجل خروجنا وطقوس يوم المراة اجمل من الرجال فقد كانت العطور تعبق بكل مكان والملابس الزاهية والجميلة والوجوه الحسان. يذكر ان بجنب الحمام بيتا كان معدا خوضا لخزن الماء المستخدمه للحمام مبني من الطابوق ومطلي بالقا وبجانبه بيتا صغيرا للعامل على ادارتة.

والحمام الشعبي وسيلة ناجحة لإستعادة النشاط والحيوية . ومن الاخبار التي زودني بها كبار وشيوخ اهل المدينة. فقد قال لي الاستاذ الحاج محمد صالح حسين نصر الله بانها بنيت من طابوق الكورة العائدة لعمه المرحوم الحاج حسن وعند ترميم بيت عمه الحاج حمدان اقتطع جزء من الحمام فوجود على بعص طابوقه نقش اسم حسين نصر الله. والحاج غالب الحاج عبد الجبار حيدر نقلا عن والده قال ان جدي لوالدتي الحاج ملك جاءء يوما للمدينة عن طريق النهر بزورق لعدم وجود السيارات في العام 1920 ليكون ضيفا عزيزا على المرحوم الحاج حمدان وقد نصبت كله وهي قماش شفاف فوق سطح الحمام . فقد كانت ايام صيف وكان هواء المدينة عليلا ومنعشا, وقد كان الحمام يوقد بمادة السبوس وهي قشرة حبوب الشلب بعد تحويلة الى طحين تلقى بحفرة عميقة تحت دكة الحمام واماكنه الاخرى وقد كان اقدم من عمل به السقى بهلول الاعمى وزغير. وتحول وقود الحمام بعد ذلك الى النفط الاسود, وادار الحمام كثيرون نعرف منهم المرحوم الحاج حمدان ابن مالك الحمام ثم ابن دعدوش وهو جد الممثل والمخرج العراقي احسان دعدوش كما ذكر ذلك الاستاذ محمد صالح ثم زغير وهو رجل من اهالي المحافظة ثم المرحوم طعمة حسن ثم جلوب ابو علي بعد ان جاء من الكحلاء وقد اعيد ترميم الحمام مرات عديدة منها في العام 1985 لقوم بادارته المرحوم موحان فهد رحمه الله ومن الطرائف ان الحمام انفجرت احد انابيبه مما ادى الى اصابة بعض العسكريين الذي يتوافدون عليه من الجبهة اثناء الحرب العراقية الايرانية واصابة العديد منهم. ثم يرجع مرة اخرى جلوب لادارته قبل ان يبني حماما اخر قريبا منه. وايضا تم اعادة ترميمه بشكل بسيط من قبل مجموعة شباب من اهاليب المدينة منهم المرحوم الاستاذ جواد الزبيدي والمرحوم وليد عطا فليح واخرون وقد كانت فرصة ليكون تجمعا لهم او صالونا ادبيا وقد كانوا يجمعون المبلغ ليسلم في نهاية اليوم لاخر ورثته وهي امراة ارمله ذات اطفال ولم يدخلوا فلسا واحدا منه في جيوبهم.

يذكره استاذنا الجميل المرحوم جواد الزبيدي رحمه الله في روايته الموسومة ( حرب الذات) الصادرة في العام 2015 من مكتبة الفتح: انه الحمام الوحيد في المدينة ولا نعلم لماذا سمي حمام السعادة ولا يعرف احد تحديدا متى تم بنائه ومن الشخص الذي صممه حاولت تتبع تاريخه فقد كان ملكا لال نصر الله وهم عائلة عريقة في المدينة وان من بناء الحمام كان( اسطه) جلب من بغداد من قبلهم. وقد شهد عصرا ذهبيا أول ايامه فكانت النساء تذهب اليه في ايام معينة من الاسبوع وتشع منه روائح( الصابون ابو الهيل) وشاي الدارسين وكان له طقوس خاصة وان بعض العوائل المتمكنة كانت تحجزه قبل مدة للذهاب الية مجتمعة, ولكنه اهمل وعبثت به يد الزمان فتفرق راعوه واغلق بابه الا من قطعة صغيرة تحمل العنوان( حمام السعادة) التي كانت مثارا للتذمر والسخرية كلما مررنا به.

كان بنائة على شكل قبة دائرية كبيرة ذات نوافذ مقوسة وملونه الزجاج وتقع فية وسطه( دكة التدليك) وتتنشر حوله احواض صغيره للاغتسال, قالت لي عمتي ذات مرة ان العرائس تزف منه او اليه ولعل هذا هو سبب تسميته بحمام السعادة.

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 139 مشاهدة
نشرت فى 26 يونيو 2016 بواسطة salam20000

أياد الخياط

salam20000
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

12,041