علي البدر
عرض تحليلي نقدي لقصة " موعـد أرهقــــهُ المطـــر" عادل المعموري
"""""""""""""""""""""""
ا) ألقصة:
كنتُ أنظر إليه من خلال النافذة ..لاأعلم كم مضى من الزمن وهو يقف تحت المطر ،حبات المطر الغزيرة بلّلت شعره الطويل الناعم وغمرت ملابسه،بين الفينة والفينة الأخرى يقوم بمسح ساعة معصمه بأصابعه المبلولة مزيحا الغشاوة عن زجاجتها ،كلما زاد انتظاره يهمي المطر عليه أكثر غزارة ،رأيته يحتمي بجذع الشجرة ،لمّا يزل الماء يتخلل الأغصان وينفذ إليه من كل الجهات ..الريح تقذف بنفسها في كل الاتجاهات ،تلتصق ملابسه على جسده النحيل ،كلما مرّ من أمامه شخص يلقي عليه نظرة مريبة ويختفي في ضباب الشارع ،شرعَ يعصُر ملابسه ويفرشها للهواء يبعدها بأطراف أصابعه لئلا تلتصق بجسده البارد ،المطر مازال يهمي بلا رحمة ،والوقت يسير بطيئا ،خلا الشارع من المارة ،بين آنِ وآخر تمرق سيارة مسرعة متفادية الواح المطر الغاضبة النازلة من السماء
،يدسّ يده في جيب بنطاله ،يلقى نظره على علبة السجائر ..يجدها مبلولة تقطر ماء ..يعتصر العلبة غاضبا بقبضة يده وبرميها قرب جذع الشجره الندي ..ثمة قطّة بيضاء تلوذُ بالجذع وهي تنظر إليه بتوجس ،يبتسم لها بمرارة يطمئنها عدم المساس بها ،كانت تموء مطلقةً أصواتاً كهديل الحمام ..عيناها تنظران مقدمة الشارع القريب ..كأنها تنتظر شيئا ما ،يخرج جهازه النقال ويفتح الحافظة ..ينظر الى رسائلها ، يقرأ كلماتها من جديد ،كلما اختفى الضوء عن الشاشة يضغط عليه ليكمل قراءة الرسالة ..يشعر بخدر لذيذ يسري في مفاصله ..يغمض عينيه ...يفتحهما على صوت القطة وهي تموء بصوت عال ولكن هذه المرة كان صوتا مخنوقا لم يفسر كنهه ..لمح هرّاً أسود يهجم عليها يدفع بها إزاء الجذع وهي تحاول التملص من براثنه ،شعر أن القطة تستنجد به أو هكذا خُيل إليه.. رفعت رأسها تاركة الهرّ الأسود يمرّغ بفكيه أعلى صدرها ،نظر الشاب إليه طويلا ثم تقدم منه ..الهّر لم يعره أدنى اهتمام ،،تقدّم الشاب حتى وقف قريبا منه ،القطة البيضاء تنظر إليه بعينيها الشهلاوين والخوف يرتسم فيهما ،لم يفسر نظرات الهرّ نحوه ..كانت نظرات غامضة لاتنم عن شيء يفهمه
الشاب يقوم بحركة لإخافته كي يجعله يهرب ،الهرّ لم يستجب بل ظلّ يدفع بجسمه الضخم ويحتوي جسدها ،صاحَ الشاب به :
_بشت .ب..ش ..ت
أغلق الهرّ أذنيه تماما وكأن لم يسمع شيئا ،الفتى الشاب يقترب منه بتوجس وهو يكبت غضبه ..لم يطق الانتظار فمد ساقه وركله بكل قوة ..الركلة الشديدة جعلت الهرّ يلتصق بجذع الشجرة وهو يتأوه بألم
الهرّ سكنَ قليلا ثم انقطعَ أنينه وهمدَ متخاذلا ممدداً فوق الأرض المغمورة بالماء ،القطة البيضاء لم تهرب ولم تنظر إلى الشاب ..اقتربت من الهرّ وقرّبت وجهها منه وبدت تلعق بلسانها وجهه وشعر رأسه الُمدمى ..ثم رفعت يدها ووضعتها عليه و:كأنها تمسد شعره أو هي تمسح الدم النازف من رأسه .. رنّ الموبايل أخرجه من جيبه منتزعا حافظته بانزعاج شديد.. ربما يشعر الآن يالندم على فعلته مع القط ..كان مستوفز الأعصاب ..ضغطَ على الزر وجاء ه الصوت :
_الووو ..ها ..حامد وين أنت ؟
_آني واكَف انتظركِ يم شيب الخلفكِ ..صارلي ثلاث ساعات انتظركِ
_أكو واحد يطلع بالمطر ..إنتَ مجنون .شجابرك.. تنتظرني ؟!
اغلقت هي الهاتف ..نظر إلى الشاشة ورمى الهاتف في جيبه ..أطرقَ برأسه قليلا ثم التفتَ متذكّرا رفسته الشديدة للهرّ ..أحزنه مشهد القطة .. رأها تحتضن الهرّ الأسود بحنو شديد
سمعها تموء ...... بصوتِ حزين
..ترك المكان وتوسط الشارع وصوت فتاة الهاتف يلاحقهُ ..يثقب أذنيه كنقر المطر :
__انت مجنون ..شجابرك تنتظرني ؟!
======================
2) العرض التحليلي النقدي
الأنتظار القاتل وسط مطر ورياح ورشقات ماء من هنا وهناك، ويد تمتد لتخرج علبة سيكائر مبلولة.. ياتري كيف يهدأ هذا الشاب وبركان من الأنفعالات يغلي في أعماقه؟ أجل هاهو ينظر لساعته تارة ويقلب برسائل الموبايل تارة أخري ولكن دون جدوى.. الموقف يزداد صعوبة كلما زاد المطر كثافة .. لا مكان يحتمي تحته ونظرات استغراب وربما ريبة من المارة بين الفينة والأخرى..وبالطبع فقد ساعدت هذه الومضات Flash points القاريء وسهلت عليه الأستنتاج بأنه ينتظر شخصا مهما بالنسبة اليه وهو في موعد متفق عليه (... وبين الفينة والأخرى يقوم بمسح ساعة معصمه بأصابعه المبلولة مزيحا الغشاوة عن زجاجتها...) ولكن يبقى الأستغراب والتساؤل في ذهن المتلقي واردا . وباعتقدي أن الكاتب أسقط ما بداخله من أفكار مشحونة وكشف جزءا من غموض الأنتظار، ولكن من غير قصد هذه المره، أجل أسقطها على قطة كان مواؤها كهديل الحمام واننا نعلم جيدا ما يعطينا الهديل من ارتياح نفسي واطمئنان (...ثمة قطّة بيضاء تلوذُ بالجذع وهي تنظر إليه بتوجس ،يبتسم لها بمرارة يطمئنها عدم المساس بها ،كانت تموء مطلقةً أصواتاً كهديل الحمام ..عيناها تنظران مقدمة الشارع القريب ....) وهنا تمتلك القطة مشاعر انسانية عندما تنظر عيناها الى مقدمة الشارع القريب.. ياترى ... هل هي على موعد مع الهر؟ وعندما أتصرف أنا قليلا بالنص وأضيف (وهي تنظر لساعتها بين ان واخر)، تكون القطة على موعد بالتأكيد.. وبلحظات يخرج (الشاب جهازه النقال ويفتح الحافضة ، ينظر الى رسائلها..) وهنا نلاحظ الأقتران واضحا. ان الشاب هو الذي يتلهف لمقابلة انسانة قريبة لنفسه وما محاولته الضغط على زر نقاله لأعادة الضوء اليه الا بصيص ضوء بأنه يفتش عن رسالة معينة تنهي المأزق والأحراج والضجر الذي يعانيه وتفسر سبب تأخرها عنه. وهنا يتصرف الشاب تصرفا قد يبدو مفاجئا لكنه بالحقيقة تفريغ انفعالي لضغط نفسي أتعبه واستنفذ الطاقة العصبية المخزونة لديه فقام بركل القط ركلة قوية قاسية مميتة طرحته أرضا أفقدته القدرة على الهرب..وكانت نظرات القطة مفهومة لديه ولكن نظرات الهر غامضة لديه.. ياترى أهي محاولة اغتصاب أم ماذا ، وان الهر لم يبال لعملية اخافته (.. لم يستجب بل ظل يدفع بجسمه الضخم ويحتوي جسدها...). وكانت الركلة المميته التي جعلت القطة غير مبالية بتهديد الشاب بل راحت تلعق جراح الهر وتمسد بيدها على شعره..وهنا (رن الموبايل وأخرجه من جيبه.... ربما يشعر الان بالندم على فعلته مع القط. كان مستوفز الأعصاب..) وأعتقد أن العبارة الأخيرة غير ضرورية لأنها لا تعطي اضافة جديدة للنص وانما معلومة لم يكن القاريء بحاجة اليها لوجود ومضات سابقة أعطت معنى غير مباشر منحت النص قوة ورصانة وان المعلومة المباشرة غير ضرورية وقد تضعف النص وتبدد جزءا من الجهد الواضح للكاتب بجعل النص متماسكا. ,كان لابد من المعاناة من نهاية للمعاناة عندما جاء الصوت (ألو... ها حامد وين أنت؟) لقد عرف الأسم بالنهاية وهذا من مستلزمات الكتابة وبالتأكيد غير خاف على الكاتب وهو متقصد في ذلك..مسكين هذا الشاب.. ينتظر ثلاث ساعات ليأتي الرد (أكو واحد يطلع بالمطر؟ أنت مجنون؟ شجابرك تنتظرني؟) ويبدو من الجواب أن حامدا هذا واقف لموعد من طرف واحد ولم تعلم حبيبته به والا ما الذي أجبره وحفزه على الأنتظار وتحمل المطر ونظرات المارة ورشقات المطر؟ وبالتأكيد فان حبيبة الشاب هي شابة تعيش وسط أهلهأ..فهل تمتلك مبررا أمام أبويها على الأقل للخروج في هكذا جو؟ ويكون أحيانا من غير المناسب للناقد ألغور دائما في عمق النص لذلك من الممكن اسقاط هذا التساؤل، ولكن لا بأس من جعل رد الحبيبة مقبولا لدى القاريء باعطائها مبررا بعدم الخروج اليه.(حبيبي حامد.. اسفة جدا فقد انتظرت ريثما يتوقف المطر ولكن دون جدوى. اسفة جدا يا حبيبي..)
ويبدو ان الندم لازمه على كل لحظة انتظار لأن جوابها ينقر بأذنيه كنقر المطر الذي تحمل معاناته لفترة ليست قصيرة، قد تهون ان كان الحبيب في حديقة أو مكان مريح وفي موقف لا يستوجب الأستغراب والتساؤل.. وأخيرا حاول حامد التخفيف من حالة الألم والغضب في أعماقه بتعاطفه مع القطة المسكينة رغم أنها لم تضرب أو تتعرض لضرر، بعكس الهر المسكين الذي ترك يصارع الألم ممددا وسط بركة ماء يسيل منه الدم . مسكين أيها الهر الذي قد يكون متيما دفع بجسده الضخم نحو القطة محاولا احتواء جسدها.. لكن عقابا متسرعا غير مأسوف عليه نزل من شاب محبط قلق الهواجس بات يسير وسط شارع ممتد رغم انهمار المطر..
ألقاص عادل المعموري... أمتعتنا بهذه القصة.. تقبل تحياتي..

