|
هل يمكن خلق الرغبة في التعلم لدى فاقديها من ذوي الصعوبات ؟ الصاق المحمودي |
يرى Rolland Viau ¹ أن تراكم صعوبات التعلم لدى التلميذ وكثرة الحالات التي يشعر خلالها بأنه غير قادر على تحقيق النجاح و الصورة السلبية التي يحملها عليه زملاؤه وخاصة معلموه، كلها عوامل تجعل رغبته في التعلم تتلاشى شيئا فشيئا ، فيفقد الدافعية لتحصيل المعارف وتتوتر علاقته بالمدرسة وبالمعرفة.
وإذا علمنا أن Sigmond FREUD يصف التعلم على أنه عملية مصحوبة بالشعور بلذة تشد الفرد لموضوع المعرفة ² ، فكيف يمكن أن نرغب هذا الصنف من المتعلمين في التعلم ؟ وكيف نولد لديهم لذة بناء المعرفة ؟
ولكن قبل كل شيء، لماذا نهتم بهذا الموضوع أصلا ؟ هل يكون المعلم هو المسؤول الوحيد عن ذلك ؟؟ ألا يوجد من يهتم بالقضية غيره ؟؟
قد لا نضيف لمعلومات القارئ جديدا إن قلنا إن تربية الطفل قديما كانت مسؤولية الجميع، وان الأمر لم يعد كما كان ، فالجميع يدرك أن - لكل امرئ " اليوم" شأن يغنيه – إلى درجة أن أغلب العائلات لا يجتمع أفرادها في البيت إلا خلال فرص نادرة .
( ألا يكون ذلك سببا أول جعل القوم قد اتفقوا على أن توكل مهمة تربية الناشئة للمعلم ! )
وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الطفل في أوساطنا يكاد لا يرى كهلا " يتعلم " أو يقبل على بناء المعرفة وينشغل بها ويبدي رغبة في ذلك غير المعلم !
( ألا يكون في ذلك سبب ثان يجعل القوم يتفقون على أن توكل مهمة معالجة مشاكل التعلم – على تنوعها - للمعلم باعتبار أن " أهل مكة أدرى بشعابها " ! )
... الآن فقط فهمت – ولعلكم فهمتم معي – بعض أسباب ما يصطلح على تسميته بـ" استقالة الولي " !!
فبما أننا " أهل مكة " سنبدأ بتحديد المفاهيم " المتناثرة على شعابها " وسنهتم أساسا بمفهوم " الرغبة "
نقرأ في لسان العرب لابن منظور :
رَغِب يَرْغَبُ رَغْبة إِذا حَرَصَ علـى الشيء، وطَمِع فـيه
ورَغَّبَه: أَعْطاه ما رَغِبَ.
والرغبة التي نقصدها تتمثل في ما يدفع المتعلم للتعلم ،
وتجمع الدراسات على أن الرغبة نوعان : داخلية ( إرضاء للذات ) intrinsèque la motivation وخارجية
( إرضاء للغير ) extrinsèque la motivation
والرغبة الداخلية هي المفيدة وهي المستهدفة للنجاح في التعلم
صحيح أن الدراسات تؤكد على ضرورة أن تحرك المتعلم الرغبة الذاتية الطبيعية ( انظروا أبحاثSansone :
et Harackiewicz, 2000)
وتبعا لذلك يدعى المعلم إلى مراعاة تلك الرغبة وتغذيتها وإنمائها لدى كافة المتعلمين. ولكن سؤالنا هو كيف نرغب من لا رغبة له في التعلم !
لا بد لنا أن نبين أسباب فقدان الرغبة والدافعية للتعلم، يتحدث
(Viau, 1999, 1998) عن أسباب ثلاثة لذلك :
ü عـدم تبين فائـدة التعـلم الحاصل وصلوحيته.
ü انــــعدام الثقــــة في المؤهلات الشـــخصية.
ü انـــــعدام الـــــــــــقدرة على تبين الخطإ من
الصواب عند صوغ الإجابة عن التعليمة.
ولهذه الأسباب تداعياتها على التعلم ومن ذلك :
ü عدم الانخــــــراط في عمـــلية التــــــــــعلم.
ü استـــــــــــــبعاد إمكـــــانية الـــــــــــــنجاح.
صحيح أن مصادر فقدان الرغبة متعددة فمنها ما يعود إلى المجتمع ومنها ما يعود إلى الوضع العائلي ومنها ما يعود إلى المدرسة ككل ومنها ما يعود إلى الفصل ( أو القسم ).
والمنطق يقتضي أن نستغل " بوابة القسم " باعتبار أن المصادر الأخرى لا حول للمعلم و لا قوة للتأثير فيها .
ويقترح Rolland Viau ³ مداخل ثلاث :
- مدخل عمليات التعليم – التعلم.
- مدخل التقييم.
- مدخل المدرس نفسه.
1- عمليات التعليم – التعلم:
إذا كان التعليم فعلا يقوم به المدرس أساسا ، فإنه سيقام على العرض . وباعتبار أن شد الاهتمام تتحكم فيه طبيعة " القائم بالعرض " وإن ذلك يختلف من شخص لآخر، فإن ما يمكن أن يخلق الرغبة في متابعة " العرض " يتمثل في :
٭ استهلال العرض بنشاط يولد الحيرة لدى المتعلمين ويخلق لديهم التطلع لمعرفة جديدة.
٭ تقديم الهدف من العرض.
٭ قبل الشروع في شرح مفهوم أو عبارة ، يسأل المتعلمون حول ما يعرفونه حولها.
٭ استعمال الرسوم البيانية والمخططات لتوضيح تمفصلات الدرس أو العلاقة بين فقراته أو مكوناته.
٭ مطالبة المتعلم باستحضار وضعيات من واقع حياته لها علاقة بالمعرفة الجديدة وبسبل توظيفها.
٭ تنويع وسائل العرض ( الأجهزة السمعية البصرية )
أما خلال وضعيات التعلم ( والفعل البيداغوجي بالفصل تمفصل محكم بين وضعيات التعليم ووضعيات التعلم )، فإن الأمر يقتضي أن يكون للمتعلم دور فاعل في بناء معارفه، فهو الذي ينجز عملا بصفة فردية أو داخل الفريق سواء كان ذلك تمرينا يوظف من خلاله معارف حاصلة لديه ، أو بحثا يقوده إلى اكتساب معرفة جديدة أو عرضا يقدمه لأصحابه ، أو مشروعا ينجز إحدى مراحله...
وقد بين عدد من الباحثين :
(Stipek,1996; Ames, 1992; Brophy, 1987.
أن وضعيات التعلم تكون قادرة على شد اهتمام المتعلم وضمان انخراطه فيها إذا توفرت المؤشرات التالية:
٭ مراعاة ميولات المتعلم (هواياته ، أعماله المفضلة ...) وكذلك أحلامه المستقبلية ( المهنة التي يريد الاشتغال بها مثلا ...)
٭ اقتراح أنشطة تتطلب تنويع العمل ( التخطيط، التصنيف ، الهيكلة ، التقييم، التعديل...)
٭ تخير أنشطة تستدعي توظيف تعلمات تتنوع مجالاتها ( الكفايات الأفقية )
٭ تخير أنشطة يمثل انجازها تحد بالنسبة للمتعلم.
٭ اقتراح أنشطة تتوفر من خلال انجازها التغذية الراجعة وما يفضي له ذلك من تبادل الآراء ووجهات النظر.
٭ إدراج الأنشطة في إطار مشروع يفضي إلى نتيجة محسوسة وقابلة للتوظيف ( إعداد مجلة، تأليف قصة...
٭ تمكين المتعلم من فرصة تخير موضوع عمله ووسائل انجازه.
٭ تمكينه من الوقت الكافي لإنجاز العمل.
٭ توضيح التعليمات.
2 - للتقيم :
من المعلوم اليوم أن التركيز على " القدرة على التوصل إلى النتيجة الصحيحة أو الإجابة الصائبة " تجعل المعلم يهتم بصفة واضحة بتثمين عمل الذين ينجحون في ذلك ، ويسلك مع المتعلمين سلوكا يبرز انه يصنف منظوريه وفقا لنتائجهم وهو تصنيف ينتج عنه ترتيب يكون من خلاله هؤلاء المتعلمون في طليعته، وبتكرر الوضع يستبطن ذوو الصعوبات إقرارا خطيرا مفاده أنهم لن يتمكنوا من إحراز المراتب الأولى وأنهم تبعا لذلك سيكونون في نهاية الترتيب. وهو ما سيفقدهم الرغبة في التعلم .
ما الحل إذن؟
يتبين من خلال الطرح أعلاه أن للتقييم علاقة متينة بالرغبة والدافعية لدى المتعلم، لذلك لا بد أن نركز من خلاله على التمشيات الذهنية في علاقتها بالأهداف المقررة عوض التركيز على النتائج الحاصلة خلال التقييم. عندها فقط يدخل المتعلم عموما والذي يلاقي صعوبات في التعلم – خصوصا – في سباق مع إمكاناته وقدراته الذاتية وليس مع بقية تلاميذ الفصل.
وهو وضع يجمع الدارسون على جدواه على مستوى استحثاث نسق التقدم في تحصيل المعارف ، بما أن هذا النوع من التقييم سنراه يركز على الجهد الذي يبذله المتعلم فيقيس التقدم الذي أحرزه مهما كان ذاك الجهد متواضعا.
وهنا تبرز قيمة " ملف التعلم أو ما يسمى بـالـ portfolio "
باعتباره وسيلة تساعد على إقناع المتعلم الذي يعاني من صعوبات أنه قادر على التقدم وتطوير قدراته.
صحيح أن ذلك لا يمنع المتعلمين من مقارنة جهودهم بجهود غيرهم ( التقييم الجزائي ) خاصة في أوساطنا التي لا تزال روح التسابق والتنافس تسيطر على أجوائها، وصحيح أيضا أن
ثقافة " التقييم التكويني " لم تترسخ في الأذهان بالقدر الكافي ، ولكن ورغم كل ذلك أعتقد أن المعلم قادر على أن يأخذ النصائح التالية بعين الاعتبار حتى يغذي الرغبة في التعلم لدى متعلميه الذين يشكون من صعوبات التعلم وما ذلك بعزيز:
ü ضبط مؤشرات لقيس التعلم الحاصل
والجهد المبذول والتقدم المحقق .
ü إرفاق العمل المنجز بملاحظات تخص
التمشيات التي وظفها المتعلم بدل الاقتصار على إسناد العدد.
ü إعلام المتعلم بالجوانب الإيجابية في عمله
وبما هو مطلوب منه حتى يحقق الأفضل بدل الاقتصار على إبراز الأخطاء التي ارتكبها.
ü توظيف ملف التعلم لتقييم عمل ذوي
الصعوبات.
ü تدريب المتعلم على تقييم عمله .
ü استبعاد كل ما من شانه أن يكرس التسابق
ويبرز الفوارق بين مستويات المتعلمين.
3 - المدرس:
إن مؤهلات المعلم وصلته بالمهنة والعلاقة التربوية بمتعلميه والسلوك البيداغوجي الذي يوظفه … كل ذلك يمكن أن يرغب ذوي الصعوبات في الانخراط في الدرس ( كما يمكن أن يساهم بقسط وافر في تلاشي الرغبة في التعلم لدى الكثير من المتعلمين) ، لذلك لا بد أن نكون واعين بانعكاسات سلوكنا على متعلمينا. وفيما بلي جملة من أنماط السلوك التي تساعد ذوي الصعوبات على تجاوز صعوباتهم:
- منحهم الثقة والاقتناع بأنهم قادرون على تطوير مستواهم وقدراتهم.
- عدم إشعارهم بأنهم يمثلون وضعا غير مرغوب فيه ( لا يتم إجلاسهم في آخر القاعة، ولا نغض الطرف عن محاولاتهم بدعوى أنها فاشلة...)
- تثمين محاولاتهم مهما كانت نتيجتها وعدم السماح بالتهكم عليهم أو الحط من الجهد الذي بذلوه.
- اختيار وضعيات ملائمة لقدراتهم خلال حصص الدعم والعلاج أساسا وعدم تكليف كل المتعلمين بنفس المهمة.
- عدم إشعارهم بأنهم محل شفقة ومساعدتهم على اكتساب الثقة في أنفسهم والعمل على أن تكون لهم صور إيجابية عن ذواتهم.
- إشاعة مناخ تواصلي يشعرون من خلاله بالطمأنينة فلا يتحرجون من طلب المساعدة.
- تمكينهم من فرص التعبير عن التمشيات الذهنية التي وظفوها خلال العمل مهما كانت نتيجته.
الهوامش :
¹ - Rolland Viau ; Université de Sherbrooke (Québec, Canada) : La motivation des élèves en difficulté
d’apprentissage : une problématique particulière pour des modes d’intervention adaptés (article publié sur le net)
² - يقول فرويد :
»Apprendre c’est investir du désir dans un objet de savoir»
المرجع : Michel Develay ,Donner du sens à l’école
Viau, R. (1999).La motivation dans l’apprentissage du français. Montréal : Éditions du Renouveau pédagogique -



ساحة النقاش