و هذه المرحلة الأولى من مراحل الضيف الغريب
1- البدايات التاريخية لدراسة التوحد:
يعتبر ليو كانر liokanner * أول من أشار الى الذاتوية أو التوحد كاضطراب يحدث في الطفولة و كان ذلك عام 1943 حدث ذلك حين كان مانلر يقوم بفحص مجموعات من الأطفال المتخلفين ذهنيا بجامعة هافارد بالولايات المتحدة الأمريكية و لفت انتباهه وجود انماط سلوكية غير عادية لأحد عشر طفلا كانوا مصنفين على أنهم متخلفين ذهنيا فقد كان سلوكهم يتميز بما اطلق عليه بعد ذلك مصطلح التوحد الطفولي المبكر حيث لاحظ استغراقهم المستمر في إنغلاق كامل على الذات و التفكير المتميز بالإجترار الذي تحكمه الذات او حاجات النفس و تبعدهم عن الواقعية بل و عن كل ما حولهم من ظواهر و أحداث أو افراد حتى و لو كانوا ابويه و اخوته ....
و بهذا يصبح هناك استحالة لتكوين علاقة مع اي كان ممن حوله كما يفعل باقي الأطفال و منذ عام 1943 استخدمت تسميات كثيرة و مختلفة منها :-فصام الطفولة المبكر –اجترارية الطفولة المبكرة –ذهان الطفولة –النمو غير السوي (الشاذ) لفظ يستخدم أحيانا ليميز فصام الطفولة* أو الذاتوية الطفلية المبكرة نمو –انا- غير سوي ....
و من الناحية التاريخية استخدام مصطلح الذاتوية في البداية في ميدان الطب النفسي عندما عرف الفصام خاصة الفصام في مرحلة الطفولة و في ذلك الوقت كان يستخدم مصطلح الذاتوية كوصف لصفة الإنسحاب لدى الفصاميين ثم أصبح يستخدم كاسم للدلالة على اضطراب الذاتوية باكمله
و بالرغم من أن كانر قام برصد خصائص هذه الفئة من الأطفال وقام بتصنيفهم على انهم فئة خاصة من حيث نوعية الإعاقة و أعراضها التي تميزها عن غيرها من الإعاقات في عقد الربعينيات فإن الإعتراف بها كفئة يطلق عليها مصطلح الأوتيزم أو التوحد لم يتم إلا في عقد الستينيات حيث كانت تشخص حالات هذه الفئة على أنها نوع من الفصام الطفولي 01
*-ليو كانر liokanner :طبيب نفسي أمريكي متخصص في الأطفال ولد في المجر عام 1894و هو مؤلف كتاب طب نفس الطفل عام 1935و هو اول كتاب في الموضوع أشتهر بدراساته للذاتوية
*- فصام الطفولة : مصطلح غير دقيق يشير الى مجموعة متباينة من ردود الفعل للشخصية الفصامية بصفة عامة التي تظهر في وقت مبكر من حياة الفرد و من أعراضه عدم القدرة على الإستجابة الإنفعالية ،الفشل في الإرتباط بالافراد
01-عبد الرحمان سيد سليمان /محاولة لفهم الذاتوية ،اعاقة التوحد عند الأطفال /طـ01 /2000/مكتبة زهراء الشرق /القاهرة /ص 07...09

و ذلك وفق ما ورد في الدليل الإحصائي لتشخيص الأمراض العقلية في الطبعة الثانية DSM2 و لم يتم الإعتراف بهذا الخطأ –التصنيف- إلا في عام 1980 حينما نشرت الطبعة 03 المعدلة DSM3 و التي فرقت بوضوح بين الفصام و الذاتوية حيث أكدت ان الذاتوية ليست مجرد حالة مبكرة من الفصام و ربما يرجع هذا الخلط الى وجود بعض الأعراض المشتركة مثل : الإنطواء ، التقوقع على الذات و الإنعزالية
و لكن الواقع ان الإختلاف في الأعراض أكثر من التشابه بينها ...و ذلك ان حالات الذاتوية تخلو تماما من اعراض الهلوسة أو الضلالات كما توجد فروق واضحة تتميز بها الذاتوية فهي اكثر حدوثا في الذكور عن الإناث و بدء ظهور الأعراض في الطفولة المبكرة و هي اعراض لا نجدها بين من يعانون من الفصام كما ان الذاتوية ليست لها علاقة مؤكدة بالوراثة على عكس الفصام الذي يظهر في أسر و توارثته
02-التطور التاريخي لدراسة الذاتوية –التوحد- :
لقد مرت دراسة الذاتوية –التوحد- بعدة مراحل منذ ان أماط كانر اللثام عن أعراضه 1943و هي كالتالي :
2-1-المرحلة الأولى : و يطلق عليهامرحلة الدراسات الوصفية الاولى
و هي تلك الدراسات التي أجريت في الفترة ما بين أواسط و أواخر الخمسينيات و كان الهدف الذي تسعى الى الوصول اليه هو ان يتضح من خلال التقارير وصف سلوك الأطفال الذاتويين ...حيث كانت تشخص الذاتوية على أنها إحدى ذهانات الطفولة المبكرة و قد أسفر تحليل نتائج هذه الدراسات الى الكشف عن كثير من خصائص الذاتويةلوحظ أن عدم التجانس بين المجموعات او افراد المجموعات الموصوفة في هذه الدراسات سواءا بالنسبة للعمر الزمني أو المستوى العقلي أو أساليب التشخيص أو تفسير الأسباب قد أدى الى الحصول على القليل من الإستنتاجات و الإستخلاصات التي يمكن أن توضع في الإعتبار عند دراسة هذا الإضطراب على المدى الطويل و يمكن أن نذكر بعض الأسماء على حد قول سيد سليمان بعض الأسماء التي ساهمت بجهودها :-ايزنبرج ليون –ليو كانر –هانز اسبرجر01


01-نفس المرجع /ص 11

2-2-المرحلة الثانية : في هذه الفترة يقرر أحد الباحثين هو فيكتور لوتر 1978 ان الدراسات التي أجريت في هذه المرحلة و كانت منذ أواخر الخمسينيات الى أواخر السبعينيات لا تزال في طور التقارير المبدئية للأثار الناجمة عن الذاتوية كما أنها لا تزال تركز على التطورات المحتملة في القدرات و المهارات لدى الأطفال الذاتويين نتيجة للتدريب و لذا يمكن وصف هذه الدراسات بانها دراسات قصصية بشكل كبير كما أنها غير منتظمة و لا تعطي صورة واضحة يمكن الإستفادة منها بشكل عملي إلا ان هناك عبارة يجب ان تضاف في شان هذه المرحلة و هي ان دراسات هذه المرحلة تعد أدق من مثيلتها من المرحلة الأولى و من بين الأسماء التي شاركت في دراسات هذه المرحلة :مايكل روتر1960 –ميتلر و آخرون1966 و يمكن أن نستخلص ثلاث ملاحظات أساسية من دراسات هذه المرحلة ساعدت على التكهن فيما بعد بوضع معايير تشخيصية لحالت الذاتوية و هي :
أ‌- التأكيد على أهمية التطور المبكر للغة في سن الخامسة حيث أن الإستخدام الجيد و الواضح للغة لدى الأطفال يعد أحد المؤشرات المهمة لتحديد حالت الذاتوية
ب‌- النظر في مقدار انخفاض القدرات العقلية كأحد العوامل المهمة التي يمكن أن تستخدم كمؤشر يعتمد عليه حيث ان الأطفال الذاتويين غير القادرين على الإستجابة لمقاييس الذكاء أو الذين كانت درجاتهم منخفضة على مقاييس الذكاء (55-60) كان معضمهم يستمرون في الإعتماد على الآخرين بشدة
ج‌- القابلية للتعلم و محاولات التدرب من اجل التعلم تعد هي الأخرى من المؤشرات المهمة في تشخيص حالات الذاتوية 01
و نذكر على سبيل المثال دراسة مايكل روتر 1960 حيث تم في هذا البحث دراسة تفصيلية لعدد 63 فرد تم تشخيص حالتهم على انها حالات الأوتيزم في مستشفى مود سلي لندن و من متابعة 38 فرد من أفراد هذه المجموعة تتراوح اعمارهم ما بين 16 عام أو أكثر وجد أن عدد 02 منهم ما زال في المدرسة .02


01- نفس المرجع /ص 12،13
02- محمد علي كامل /الأوتيزم –التوحد الإعاقة الغامضة بين الفهم و العلاج /مركز الأسكندرية للكتاب /2003/ص 18
بالإضافة الى عدد 03 فقط هم الذين استطاعوا الحصول عل عمل بأجر أكثر من نصف أفراد العينة كان نزيلا لفترات طويلة في المستشفى و ما زال عدد 07 يعيش مع ىبائهم بالإضافة الى 04 يذهبون للمراكز اليومية ولاحظ روتر أثناء هذه الدراسة أنه على الأقل يوجد بعض الأفراد الذين يعيشون في منازلهم أو في تجمعات مخصصة لهم من الممكن أن يكونوا قادرين على العمل في مكان آمن مع توفر التدريب الجيد وفي نفس الوقت ظهرت نتائج دراسة فكتور لوتر 1974و دائما تبقى نفس الملاحظات
- أهمية التطور المبكر للغة و كذلك مقدار انخفاض القدرات العقلية و الأخرى القابة للتعلم و محاولة التدريب 01
2-3-المرحلة الثالثة : شهدت تيارا ثابتا من التقارير المتتابعة و الكثيرة في مجال دراسات موضوع الذاتوية إلا أن أغلب هذه الدراسات قد ركزت على أكثر الأفراد الذاتويين من ذوي الاداء العالي أو ذوي المستويات العالية في القدرات العقلية و قد دامت هذه المرحلة عقد الثمانينيات و بداية التسعينيات و من الأسماء التي برزت في هذه المرحلة -شينج ،لي 1990، جيلبرج ،ستيفن برج 1987،كوباياشي و آخرون 1992 و الملاحظة ان مجمل الدراسات لا زالت وصفية و غير دقيقة الى حد ما ذلك لإهتمامها ببعض السلوكات المحدودة و بعض الإتجاهات المحدودة في جمع المعلومات مثل تقارير الأباء عن مدى كفاءة ابنائهم في القيام بأدوارهم بالإضافة الى أن أساليب تشخيص حالات الذاتوية في المراحل المبكرة لإكتشاف زملة اعراضها لم تكن مرضية دائما و أهم ملاحظة يمكن أن نلاحظها ان هذه المرحلة لا تزال مستمرة حتى الآن حيث أن الدراسات في الفترات المؤخرة قد ركزت على الخصوص على ما يلي :
01- أهمية تطور اللغة بالنسبة للأطفال الذاتويين خاصة في مرحلة الطفولة
02- ان مجرد تمتع الأطفال الذاتويين ببعض المهارات أو القدرات الإدراكية و اللغوية الجيدة نسبيا لا يضمن لهم بالضرورة ان تتطور حالة هؤلاء بشكل جيد بدون التدخل المتخصص من أجل التدريب في بعض المجالات المعينة مثل العمليات الحسابية أو الموسيقى او الكومبيوتر
03- ان المعلومات المتظمنة في تقارير الدراسات اللاحقة أكثر تنظيما و موضوعية من الدراسة السابقة لها و على ذلك فقد توصلت هذه الدراسات اللاحقة الى نتائج على درجة من الأهمية لم تتطرق اليها الدراسات السابقة
01- نفس المرجع /ص 20
02- عبد الرحمان سيد سليمان /مرجع سابق /ص ص 13 14

4- ان عددا من الدراسات اللاحقة قد ركزت على الأطفال الذاتويين ذوي القدرات العقلية ذات المستوى المرتفع نسبيا و بالتالي كان من المتوقع أن تكون نتائج هذه الدراسات أكثر ايجابية لو قارناها بنتائج الدراسات السابقة
5- ان وسائل التشخيص و من ثم نتائج التقييم التي كانت مستخدمة في الدراسات الباكرة تختلف بعض الشيء عن تلك المستخدمة في الدراسات اللاحقة و من ثم فإن تقييم أي تطور في اداء عينات الدراسة سوف تختلف نتيجته النهائية و كذلك النتائج المترتبة عليه وفقا لإختلاف الأدوات المستخدمة و أماكن الدراسات و الخلفية الثقافية و الإجتماعية لأفراد عينة كل دراسة على حدى .
3-أهمية دراسة التوحد :
أما عن أهمية تناول هذا الإضطراب بالدراسة سعيا وراء الفهم فإن أهمية دراسة الذاتوية تأتي من أنها تلقي الضوء على مرحلة طبيعية في نمو الطفل و الفترة التي يتمركز فيها الطفل حول ذاته و مع وجود فارق مهم هو ان أغلب الأطفال لايتجاوزون هذه المرحلة بينما الطفل المضطرب يثبت عندها كما اننا نستطيع ان نرى النكوص الى هذه المرحلة يحدث في مرض الفصام قد تخطى جزئيا مرحلة الذاتوية و استطاع تكوين بعض العلاقات مع الواقع ثم عاد الى النكوص الى تلك المرحلة –التمركز حول الذات- آخذا معه بعض الخصائص من المراحل المتقدمة....
كما تاتي اهمية دراسة الذاتوية من ناحية أخرى من الخطورة المترتبة عن مضاعفات الإصابة بها و هناك من يرى أن أشد المضاعفات هي حدوث نوبات صرعية و الذين تحدث لديهم هذه النوبات غالبا ما يكون ذكاءهم يقل عن 50 و أنه قد لوحظ أن 25% من الذاتويين لديهم تاريخ لنوبة صرعية أو أكثر
كما ان من المضاعفات ايضا حدوث الاكتئاب في بداية المراهقة او الحياة الراشدة كاستجابة للوعي الجزئي للاعاقة...01

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 574 مشاهدة
نشرت فى 4 مارس 2012 بواسطة rabahhaydar

ساحة النقاش

rabahhaydar

rabahhaydar
ماجيستار في علم النفس و علوم التربية تخصص تربية خاصة جامعة الجزائر02 »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

6,558