ibrahiiiiim alzubi

utgf

ها هي ذي أرض الحرم قد ازينت بوفود الحجيج الذين هوت قلوبهم إليها، فلبوا نداء ربهم جل جلاله، وتركوا الدنيا بزخارفها وشهواتها، واتجهوا إلى ربهم شعثًا غبرًا يرجون رحمته ويخافون عذابه، ارتفعت أصواتهم بالتلبية والدعاء… هانت عليهم كل المشاق ليقفوا بين يدي الواحد القهار في حرمه الذي جعله مثابة للناس وأمنًا.

الكل يرجع إلى الحرم ليحط رحاله بين يدي الله طالبًا الصفح والمغفرة… راجيًا الثواب.

الكل يضرع للرحمن… الكل يناجي مولاه…

ما أعظم هذا الموقف وأجلّه!

والمسلم الذي يقف أمام هذه الشعيرة العظيمة، والتي هي أعظم مناسك الحج (الوقوف بعرفة) لتتراءى له بعض الخواطر والمعاني التي يود أن يسجلها:

 

أولاً: عرفة مظهر التوحيد

نعم عرفة مظهر التوحيد لله؛ فكل من في الموقف يناجي إلها واحدًا، لا يعدل معه أحدًا، ولا يتقرب بعبادة لأحد سواه.

لذلك كانت التلبية والنداء صادعة بهذا؛ الكل يرفع بها صوته، ويلهج بها لسانه: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".

عرفة مظهر التوحيد في عالم الشهادة، وكذلك كان من قبلُ في عالم الغيب؛ ففي عرفة أخذ الله عز وجل الميثاق من بني البشر على ألوهيته، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أخذ الله تبارك وتعالى الميثاق من ظهر آدم بـ(نعمان) -يعني: عرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها, فنثرهم بين يديه كالذر, ثم كلمهم قبلا قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾" . [السلسلة الصحيحة، (4/158)].

 

ثانيًا: طريق الرسالات واحدة

مناسك الحج منذ أن رفع أبونا إبراهيم عليه السلام قواعد البيت والكل يسير على هديه، ويسلك دربه، ولا يحيد عن طريقه إلا من سفه نفسه، وكل الأنبياء صلوات الله عليهم عرفوا لعرفة قدره، وجعلوا هذا اليوم علمًا للتوحيد، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, و هو على كل شيء قدير". [السلسلة الصحيحة، (4/7)].

 

ثالثًا: موضع الدنو والمباهاة

يظهر الحجيج يوم عرفة في أكبر تظاهرة توحيدية لله الواحد الأحد، وهذه التظاهرة موضع مباهاة لله عز وجل أمام ملائكته، بل إنه كرامة لهؤلاء الحجاج يعتق من النار أكثر ما يعتق في أي يوم آخر، بل إنه على حد تعبير المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو, ثم يباهي بهم الملائكة, فيقول: ما أراد هؤلاء?" [السلسلة الصحيحة، (6/106)].

وإنه جل وعلا ليدنو من أهل الموقف دنوًا يليق بكماله وجلاله ناشرًا البركة والغفران والمسامحة، فلو علم الخلق أي بركة وأي خير تتنزل عليهم لما تركوا هذا الموقف طوال حياتهم.

 

رابعًا: يوم غفران الذنوب

أي شيء يتمناه المرء أكثر من أن يحط الله عز وجل عنه سيئاته وأوزاره التي ناءت بها كواهله، وأثقلته عن السير قدمًا لله عز وجل، وإذا كانت الفرصة سانحة لغفران الذنوب، فالعاقل لا يدعها تفوته، بل يغتنمها، فما يضر المسلم غير الواقف بعرفة أن يصوم هذا اليوم تقربًا لله عز وجل؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: "صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة, وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية". [صححه الألبانى فى "إرواء الغليل"، (4/111)].

هذه أيام نفحات، والكل يناله الخير والبركة من رب رءوف حليم غفور رحيم، يتفضل على الحاج فيغفر له ذنبه ويعود أدراجه كيوم ولدته أمه، ويتفضل على غير الحاج فيكفر عنه سيئات عام مضى وعام آت، أي فضل هذا من ربنا جل جلاله!

 

خامسًا: موضع استجابة الدعاء

تفتح المغاليق بالدعاء، والضر والنفع بيد الله عز وجل، ومن يعطي ويمنع هو الله الواحد الأحد، فإذا علمنا ذلك، فلنقبل عليه سبحانه بالدعاء والتضرع، ولنطلب منه ما نريد من أمور الدنيا والآخرة، وما ذلك عليه بعزيز، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة" [(‏حسن الألباني في "صحيح الجامع"، ح(1102)].

 

سادسًا: اليوم المشهود

يوم عرفة يوم يشهده العالم بأسره فيرى اجتماع المسلمين في صعيد واحد، لباسهم واحد، ونداؤهم واحد، فيرى عزة الإسلام وعزة المسلمين.

وكذلك تشهده الملائكة في السماء؛ فهذا أكبر اجتماع تعبدي لله جل وعلا على مدار العام، يرى الملائكة هؤلاء الناس الذين سالت دموعهم خشية من ربهم، وندمًا على ذنوبهم، وطمعًا في استجابة دعائهم، وعندها تتصل الأرض بالسماء، فالكل يسبح بحمده، كل المخلوقات تلجأ لمن خلقها ورزقها ويسر لها سبلها.

ألا يستحق أن يكون هذا اليوم يومًا مشهودًا؟ بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اليوم الموعود يوم القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره الله لنا، وصلاة الوسطى صلاة العصر" [‏حسنه الألباني في "صحيح الجامع"‏، ح(8200)].

هذه أيها الأحباب بعض الخواطر التي فاضت علينا، ونهيب بالجميع أن يقف عند هذا الحدث الجلل ليأخذ منه العظة والعبرة ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾[ق: 37].

qw7412

لا اله الا الله محمد رسول الله

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 86 مشاهدة
نشرت فى 29 أكتوبر 2012 بواسطة qw7412

عدد زيارات الموقع

44,307