استراتيجية تالف الاشتات
دعت التربية الإسلامية إلى التفكير وإعمال العقل في الكثير من الآيات الكريمة، والاحاديت النبوية الشريفة، وقد زخرت المكتبة التربوية الإسلامية بالكثير من الكتب والإبداعات التي ليس لها حد ولاعد.
وجاءت التربية الإسلامية شاملة لجميع نواحي الحياة ، وخاطبت الكيان الإنساني المتكامل، لتنمي فكر الإنسان وتنظم سلوكه وعواطفه في انسجام وتكامل، فالتربية الإسلامية تربي الإنسان على التفكير الإبداعي، والاستنتاج والتجديد والانفتاح.
وقد بدأت التربية الإسلامية خطابها للإنسان بكلمة "إقرأ" لتدلل على احترام العقل وتنمية تفكيره، وترفض التقليد والاستسلام للموروث، فهي تدعو إلى توسيع آفاق الفكر وتثقيف العقل البشري، مما يفرض على المعلم أن يكون دائماً حاضر الذهن وثاقب الرأي مدركاً لبيئته، بحيث يختار ما يناسبه بما ينسجم مع فكره.
وقد جاء الاهتمام بالتفكير وتنمية مهاراته لدى المتعلمين، حيث أن هنالك ارتباط بين مهارات التفكير والنجاح في الحياة، وتعد مهارات التفكير الإبداعي من المهارات المهمة لمواكبه متطلبات العصر وحل مشكلاته، ومن خلال ملاحظة الباحث وجد أن معلمي التربية الإسلامية يقدمون المادة الدراسية بطريقة تقليدية في الأغلب، دون اللجوء إلى استخدام إستراتيجيات حديثة تحفز على التفكير والإبداع المبني على المنهج العلمي في تناول موضوع الدرس، ووجود حاجة ماسة لتحسين الطرق المستخدمة حاليا في تدريس موضوعات التربية الإسلامية، ولذا كان من الضروري لفت انتباه المعلمين إلى إستراتيجيات حديثة قائمة على استخدام إستراتيجية تآلف الأشتات أثناء تقديم معلومات المحتوى الدراسي.
وتعد عملية تنمية التفكير من التوجهات المهمة والأساسية للعملية التربوية في وقتنا الحاضر، وأصبحت تحظى باهتمام وتركيز واسعين من التربويين، لما لها من آثار إيجابية واضحة، ودور فعال في تحسين تفكير الطلبة وتوسيع آفاقهم، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة خلال العملية التعلمية، وتوفير جو من الإبداع الذي يعد الأداة الرئيسة للإنسان المعاصر في مواجهة المشكلات الحياتية المختلفة، وتحديات المستقبل، ولقد اتسع نطاق هذا الاهتمام بتنمية قدرات التفكير والإبداع لدى الطلبة منذ النصف الثاني من هذا القرن، وأصبح التركيز عليه كبيراً للدراسة والبحث في الجامعات ومراكز البحوث على مستوى العالم.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن هذا الاهتمام جاء لمواكبة ما يشهده العالم من تفجر علمي ومعرفي كبير في المجالات كافة، ولقد ترسخت القناعة بضرورة وأهمية إيجاد العقل الواعي والفكر الذي يستطيع التعامل مع هذه المعارف، إذ لا يستطيع عقل الإنسان الاحتفاظ بكل أنواع المعارف وتفصيلاتها، والإحاطة بها، ومن هنا، برزت الحاجة إلى تطوير مستويات التفكير لدى الطلبة من خلال العملية التعليمية التي تعتبر من أكثر المجالات قدرة على تحقيق هذا الهدف من خلال عملياتها المختلفة. حيث إنه بزيادة التركيز على تحسين ورفع قدرة العمليات العقلية، فإنه يتم رفع قدرة التفكير، من خلال استراتيجيات التدريس.
وقد لاقت طرق التدريس عنايةً واسعةً من القائمين على العملية التعليمية، وقد تمخض عن هذا الاهتمام بذلُ جهودٍ بالغة من أجل اختيار أفضل الطرق التي ينبغي أن نعلم الطلبة بها في مراحل التعليم المختلفة، ومساعدتهم على ممارستها بطريقة فعالة عند عرض المادة التعليمية، مما يسهل على الطالب استيعاب الموضوع وإدراك مدلولاته.
ويعد معلم التربية الإسلامية من الأفراد الذين يعنون بنقل المعرفة الإسلامية والتربية الإسلامية، والتراث الإسلامي للطلبة، لذلك من واجب مدرس التربية الإسلامية أن يستخدم طرائق تدريس متنوعة ومتعددة، وخاصة تلك الطرق الحديثة، حتى يحقق الأهداف المنشودة في التربية الإسلامية، وعدم الاقتصار على الطرق التقليدية في التدريس كالقصة وضرب الأمثال والقدوة وهذه طرق جيدة لتدريس موضوعات التربية الإسلامية.ولا يشك أحد في أهميتها للعملية التربوية، ،ولكن لابد من استخدام طرق حديثة في التدريس، لكي تتحقق أهداف التربية الإسلامية.
وبالرغم من هذا الاهتمام بتعليم مادة التربية الإسلامية، إلا أن الملاحظ أن الطرائق والأساليب التقليدية ما زالت محور تركيز كثير من المعلمين، والتي تركز على زيادة التحصيل لدى الطلبة معتمدة بذلك على أسلوب الحفظ والتلقين وتجنب استخدام الذهن، وتفعيل عملياته والارتقاء به إلى مستوى النقد والتمحيص والانتقال بالمتعلم ليكون مستقلا يملك القدرة على تنظيم المعرفة وأدواتها.
لذا يجب على المعلم عدم الاقتصار على طريقة واحدة في التدريس، بل لابد من تنوع وتعدد أشكال طرق التدريس تبعا للمواد الدراسية والمهارات المراد إكسابها للطلبة، ويأتي دور المعلم لاستخدام مختلف الأساليب والطرق من أجل تنمية التفكير، وإكساب المتعلم الحيوية والتفاعل مع المنهاج الدراسي مثل إستراتيجية تآلف الأشتات.
وتعد إستراتيجية تآلف الأشتات إحدى استراتيجيات التفكير الإبداعي الكثيرة، طورها جوردن في أمريكيا، وأصبحت معروفة في بلدان كثيرة، ونظرا لحاجتنا الماسة التي فرضتها حركة التطور السريع في كل مجالات الحياة، يرى الباحث أن يقدم هذه الاسترايجيبة من أجل تحفيز التفكير وإعداد الأجيال القادرة على الإبداع من اجل نفع الإنسانية، والبعد عن التقليد والترديد والحفظ الآلي.
وبما أن تحفيز التفكير الإبداعي يعد هدفاً تربوياً وسياسياً واقتصادياً عند كل الأمم وشعوب الأرض التي تطمح لإحتلال مكان مرموق في عالم اليوم، فقد قدم علماء التربية في أمريكا واليابان أكثر من استراتيجيه لتحفيز التفكير، كان نصيب الأمريكيين منها أكثر من ثلاثين استراتيجيه، إما اليابانيين فقدموا أكثر من مائة إستراتيجية ومنها إستراتيجية تآلف الأشتات.
يتم استخدام أدوات رئيسية في إستراتيجية تآلف الأشتات كالتناظر والاستعارة والمجاز، فهي تساعد الطلبة على تطوير ردود مبدعة في إيجاد حلول للمشكلات، لأنها تنتج عددا من الأفكار المجردة، وقد تستخدم هذه الإستراتيجية في كل الأعمال والأعمار.
وبالرغم من إجماع الباحثين على أن هذا طريقة حل المشكلات بدأ الاهتمام بها حديثاً إلا إن المتأمل في السنة النبوية يجد أن هذا الرأي يحتاج إلى إعادة نظر، لأنه سيجد نفسه أمام عدد من المواقف التي استخدم فيها الرسول e أسلوب حل المشكلات عندما تواجهه أو تعرض عليه مشكلة ما، ومن ذلك أنه e استخدمه عندما ظهرت مشكلة سماع الأذان، إذ إن المسلمين كانوا يتحينون الصلاة ويقدرون لها، فهمهم الأمر فبحثوا لهم عن شعار يميزهم في عبادتهم عن غيرهم من الأديان، فاجتمع الرسول e مع صحابته y لدراسة المشكلة، فبدأت الاقتراحات "عن أبي عمير بن أنس عن عمومه له من الأنصار قال: اهتم النبي e كيف يجمع الناس، فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع يعني الشبور، وقال زياة: شبور، اليهود فلم يعجبه ذلك وقال: ومن أمر اليهود قال: فذكر لـه الناقوس فقال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم رسول الله، فأرى الآذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله e فأخبره: فقال له يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال وكان عمر بن الخطاب t قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، قال: ثم أخبر النبي e فقال: ما منعك أن تخبرني، فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحيت، فقال رسول الله e: قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فأفعله قال: فأذن بلال...". (رواه أبو داود، وأصله في الصحيحين).
يتبين من هذا الحديث حرص الرسول e على تدريب صحابته على حل المشكلات التي تواجههم عن طريق توفير بيئة مشجعة للتفكير تسمح بإعطائهم فرصة للتفكير والاستماع بإنصات لجميع وجهات النظر والحلول المحتملة للمشكلة وإن كانت متباينة دون توجيه نقد لصاحبها؛ لأنه استمدها من ديانات أو مجتمعات مغايرة للمجتمع الإسلامي، إلى أن استطاعوا الوصول إلى حل جديد للمشكلة لم يسبق إليه أحد، ويتناسب مع معتقدهم وهويتهم، ولاشك بأن هذا يمثل حلاً إبداعياً للمشكلة.
مفهوم إستراتيجية تآلف الأشتات
تحتوي هذه الإستراتيجية على كلمتين، وهما:
- التآلف: وتعني الألفة والجمع( ابن منظور، 1992، ج9،ص11)
- الأشتات: وتعني التفريق بعد الجمع (ابن منظور، 1992، ج2، ص48)
وتعني هذه الإستراتيجية في اللغة الانجليزية السينكتكس(synectis) الربط أو جمع العناصر المختلفة التي لا تربطها علاقة ظاهرة ( Gordan.1961,p156) وفسرها فشر(,p45 Fisher.1990) بأنها إستراتيجية تكوين العلاقات، ويسميها زين الدين درويش(1994) التأليف بين الأشتات.
وقد تعددت آراء التربويين في معناها الاصطلاحي، فيرى جروان بأنها:" ربط عناصر مختلفة لايوجد بينها علاقة ظاهرية باستخدام علم البيان وخاصة المجاز، وفنون علم المنطق وخاصة التمثيل أو التناظر وفق اطر منهجي بهدف الوصول إلى حلول إبداعية للمشكلات أما زيتون فيقول:" أنها تقوم على ربط العناصر المختلفة وغير المناسبة بعضها مع بعض من خلال استخدام إشكال الاستعارة والمجاز والتشبيه بصورة منظمة للوصول الى الحل المبدع للمشكلات المختلفة
ويرى مايك أنها:" إستراتيجية تتكون من عدد من الخطوات التي يقوم بها المتعلم من خلال ربط أفكار غير مترابطة في ظاهرها من خلال التشبيه والاستعارة بحيث تجعل المتعلم يحل المشكلات التي تواجهه ويخرج بآراء مختلفة من خلال عدد من أنواع التشبيه التي تبدأ بالتخيل ، وتنتهي بحلول واقعية كالتشبيه المباشر"(
ويرى الباحث انها: هي إستراتيجية تقوم على إمكانية جعل الإبداع عملية واعية مقصودة، باستخدام أشكال الاستعارة والمجاز والمشابهة بربط المألوف بغير المألوف، أو إيجاد فكرة جديدة من الأفكار المألوفة.
نشأة وتطور إستراتيجية تآلف الأشتات
إستراتيجية تآلف الأشتات نشأت وتطورت في أحضان الصناعة الأمريكية، ثم نقلت بعد تكييفها إلى ميدان التربية والتعليم في مرحلة لاحقة
وقام بتطوير هذه الإستراتيجية وليم جوردن في جامعة كمبرج الأمريكية عام 1944، واكتملت ملامحها عام 1961 في كتابه((synectis: the Developent of Creative copacity) الذي يصف به هذه الإستراتيجية ، ويعترف بأنها تقرير تمهيدي بحاجة إلى مزيد من البحث والتطوير.
وقد ساهمت مؤسسات علمية وصناعية وتجارية وعسكرية في تطوير هذه الإستراتيجية، وأجريت تجارب هذه الإستراتيجية على ستة أشخاص في ست تخصصات - هي الفيزياء والميكانيك وعلوم الحياة وعلم الأرض والتسويق والكيمياء-، وذلك لاعتقاد جوردن أن تعدد الخبرات يؤدي إلى حدوث الإبداع.(Gordon,1961,p152)
فرضيات ومسلمات إستراتيجية تآلف الأشتات
تعتمد إستراتيجية تآلف الأشتات على ثلاث فرضيات، وثلاث مسلمات، توجز لنا كيف ينظر جوردن إلى العملية الإبداعية ضمن المجموعات الصغيرة، وفيما يلي بيان لها(
فرضيات إستراتيجية تآلف الأشتات:
<!--يمكن زيادة كفاءة الناس الإبداعية عندما يفهمون العمليات النفسية التي بواسطتها يبدعون.
<!--الجانب الانفعالي في الإبداع أهم من الجانب الفكري، وأن اللامعقول أهم من المعقول.
<!--يجب تدريس الجوانب الانفعالية واللاعقلية في العملية الإبداعية للطلاب.
أما المسلمات لهذه الإستراتيجية فهي:
<!--العملية الإبداعية عملية إنسانية واعية مرنة يمكن تحليلها ووصفها وتدريب الناس عليها.
<!-- إن عملية الإبداع في الفنون والآداب مشابهة لعملية الإبداع في العلوم الطبيعية والهندسية.
<!--إن العملية التي يتبعها الفرد للوصول إلى ابداعه بشكل منفرد مماثله للعمليات التي تتبعها المجموعات في تحقيق إبداعها.
التدريس وفق إستراتيجية تآلف الأشتات
تهدف هذه الإستراتيجية إلى تحقيق الأهداف الآتية:
<!--تعميق فهم المتعلمين للمعلومات باستخدام المجاز والتماثل.
<!--تدريب الطلبة على إجراء المقارنات المجازية لربط ميادين المعرفة في كيان واحد.
<!--تدريب المتعلمين على صياغة فرضيات جديدة.
<!--تنمية شعور المتعلمين بالوحدة والحاجة إلى التعاون والتماسك الاجتماعي.
<!--الاحترام المتبادل وتقبل الرأي الآخر.
<!--عدم التردد في التعبير عن المشاعر والشخصية.
ويلاحظ أن الهدف الأول والرابع يحققان جزءاً مهماً من التربية التقليدية، أما الهدف الثاني والثالث فإنهما يساهمان في إعداد الفرد المبدع، حيث ينميان التفكير العلمي والتخيل والإبداع بشكل عام.
ويقدم الموضوع حسب إستراتيجية تآلف الأشتات بإتباع الخطوات الآتية:
أولاً: يقدم المعلم جزءاً من الموضوع أو كل الموضوع بشكل موجز.
ثانياً: يقدم المعلم للطالب استعارة مجازية مألوفة لهم.
ثالثاً: يطلب المعلم من المتعلمين وصف أوجه الشبه والاختلاف بين المفردة العلمية المقدمة وبين الاستعارة المجازية مثل: " الشورى وجسم الإنسان مثلاً"
رابعاً: يطلب المعلم من المتعلمين أن يكون الشيء نفسه، ويفكر على هذا الأساس (مواطن في مجتمع ديمقراطي).
خامساً: يطلب المعلم من المتعلمين تكوين علاقات بين موضوع الدرس وأشياء مادية وغير مادية قريبة من البيئة.
سادساً: يطلب منهم وصف العلاقات المكونة في الخطوة السابقة في تحديد نقاط التشابه.
سابعاً: من أجل قياس فهم المتعلمين للموضوع، يطلب المعلم فهم كتابة أو تقديم معلومات جديدة على أساس المعلومات السابقة(Gordon,1961,p101-104).
ويرى جوردن أن هنالك عدة شروط من أجل نجاح هذه الإستراتيجية في التدريس:
<!--الإعداد العلمي والمهني للمعلم على كيفية استخدام هذه الإستراتيجية في التدريس.
<!--وجود الدافع عند المتعلمين من أجل التعلم في جو النقاش دون خوف من نقد أو تعليق.
<!--دعم النظام التربوي والاجتماعي لهذا السلوك الإبداعي قولاً وعملاً عند المتعلمين والمعلمين، حيث يوفرون لهم المختبرات والوقت وحرية الخروج عن الحدود التقليدية في التفكير.(Gordan,1961,p172).
وقد اهتم التربويون بهذه الاستراتيجية،وقد ادخلوها في التدريس الصفي،واقترحوا بعض الارشادات الهامة التي تحكم التدريس بإستراتيجية تآلف الأشتات، من أهمها:
<!--الاحترام المتبادل، وتقبل الرأي الآخر.
<!--عدم التردد في التعبير عن المشاعر الشخصية،والافكار التي تتبادر الى الذهن.
<!--الالتزام والتلاحم بين افراد المجموعة.
<!--مواجهة المشكلة المطروحة بمسؤولية وثقة مطلقة.
<!--الثقة بإستراتيجية تآلف الأشتات في التوصل إلى الحلول الإبداعية.
<!--استخدام عمليات المقارنة والتصنيف والاستعارة والمجاز.
<!--إيجاد ترابطات من خلال تصنيف الأفكار بعد اكتشافها ضمن مجموعات خاصة بشكل فردي او جماعي(جروان،2004).


