من سيرة المرحوم الشيخ فوزي السقا

بقلم الأستاذ محمد حامد الجدي

 مدير عام التربية والتعليم بقطاع غزة

صحيفة أخبار غزة

 

ولد الشيخ فوزي السقا سنة 1912م وهو الأخ التوأم لأخيه رشاد يوسف السقا أكمل دراسة كلية الشريعة بالأزهر الشريف بمصر وتخرج عام 1944م وإلتحق بسلك التعليم كمدرس في دائرة المعارف أيام الإنتداب البريطاني ومن ثم رقي إلى وظيفة ناظر مدرسة ومن ثم مفتشا لمادتي الدين الإسلامي والخط العربي لعدد من المدارس في مدينة غزة.

     إنتقل الشيخ فوزي إلى جوار ربه بتاريخ 20/02/1986م بمدينة غزة وهذه المعلومات نشرت بصحيفة أخبار غزة بقلم الأستاذ محمد حامد الجدي مدير عام التربية والتعليم بقطاع غزة وإليك بعض المقطفات مما جاء بالكلمة التى نعى فيها الشيخ فوزي السقا.

     هذه عجالة سريعة عن الملف الوظيفي لفقيدنا الشيخ فوزي السقا غير أن الجوانب الإنسانية والإجتماعية للزميل المرحوم كانت السمة المميزة والطابع الواضح في حياتة وتصرفاته وصداقاته وعلاقاتة.

تعرفت بالمرحوم عن قرب قريب عام 1970م حين كنت موجها"لمادة اللغة العربية والدين الإسلامي كان يشدني فيه متفائلا بالحياة بالرغم من المصاعب والعوائق... لم يكن يشكو من ضائقة مالية أو نقص في رزق يومه .... بل كن أسمع منه دوما مقولتة ليس هناك من يموت جائعا" ...... فحينما كنت أرد عليه ولكن يا سيدي على الإنسان منا أن يعمل لغده ويفكر فيما هو آت كانت إجابتة لي لا تفكر بهذه الطريقة إن الله سبحانة وتعالى خلق العباد وعليه أن يتكفل بمعاشهم وأرزاقهم.

     كان رحمه الله طريف النكتة بارع الحديث عميق التجربة ..... في منتصف السبعينات نظمت مديرية التعليم دورة تربوية  في دار المعلمين العربية بمدينة حيفا لنظار المدارس الرسمية بالقطاع وشمال سيناء وللموجهين وكنا نقيم هناك أسبوعا" أ عشرة أيام ... كان مجلس فقيدنا الشيخ فوزي في المساء الذي يستقطب أكير مجموعة من النظار والمفتشين مرددين ما سمعوه من درس في ذلك اليوم ومصغين إلى حديث شيخنا بما حواه من تجارب الأيام وخبرات السنين فتجده متحدثا" عما صادفة بالأزهر الشريف وما لاقاه في عمل التدريس ومشاهداتة في المحاكم الشرعية وقصصة في توثيق عقود الزواج مع أهل العروسين وكان يسرد ذلك بأسلوب ضاحك هزلي يصور براءة الناس وطيبتهم.

     كان شيخنا واسع الإطلاع بالثقافة الإسلامية والعربية لفت إنتباهي مرة أنه يمعن المطالعة في كتيب يحتوي على بضع ورقات من القطع المتوسط وفي المرة الثانية كان يطالع في نفس الكتيب وكذلك في مرة ثالثة أثار ذلك فضولي وأغراني بسؤالة ما الذي يقرأه فقال أن تفسير الشيخ محمود شلتوت لفاتحة الكتاب.... وأخذ يشرح لي بإستفاضة وغزارة عبارات الحمد للله ... ولله الحمد .... وحمد الله .... بما لم أعهده في تفسيرات سابقة أو توضيحات سالفة ....فرحمة الله على جميع الأبرار الصالحين.

     كان رحمه الله بارعا" ومبتكرا" في عمله ويزين كتاباتة خط رقعي ونسخي جميل أوتي فيه موهبة بارعة صقلها بالمران والدراية حتى أصبح من المشهورين بخطه الجميل .... ولطالما كان يقول لي لا تصدق أن الخط الجميل موهبة بل عليك أن تدرب أيدي التلاميذ عليها وتجعلهم يتبعون حركات يدك وسكناتهم وتريهم بداية الحروف وأواسطها ونهايتها.

     أطلعني ذات يوم على سجل من القطع الكبير سجل على غلافة وبخط جميل الصف الأول وسجل ثان سجل عليه الصف الثاني وسجل ثالث عليه الصف الثالث وأعجبنب أنه كان يسجل أحوال الطلاب وعلاماتهم في هذه السجلات لطلاب الصف الواحد في السنوات المتعاقبة حتى تكون بمثابة تسجيل دائم لأحوال طلاب  المدرسة بعد عشرات السنين.

     من أبرز الأعمال التي أذكرها للفقيد الزميل عمله السنوي كرئيس لجنة إمتحان السجن في الثانوية العامة والإعدادية وأن هذه اللجنة الإمتحانية ذات الوضع الحساس والدقيق كانت تحتاج إلى كياسة الشيخ فوزي وفطنتة ولياقتة وحسن تصرفه بما يجعله يرضى المشرفين على الإمتحانات ويرضي الطلاب الممتحنين ويرضي المشرفين على السجن ويتحقق للإمتحان التوفيق.

 

 كثيرة هي مناقب شيخنا الكبير وعزاؤنا في زميلنا المرحوم بإذن الله أبي يوسف سيرته الطيبة وعمله النظيف وعزة نفسة التي كانت تأبى كل ضيم.

     الكلمات تعجز عن أن أعبر أو أوافي حق إنسان حبيب إلى قلبي ولكنني قررت أن أكتب كلمات قليلة لإنسان عظيم بكل معاني الإجلال والإحترام نذكر بالتقدير الإنسان الذي رحل عنا صديق وقيّ لأصدقائة كان طيب القلب – رقيق الإحساس – حسن المعشر – أحب الناس كل الناس – حمل في جنباتة كل معاني الرحمة والبساطة والشهامة غيورا على بلده وشعبه مصداقا" أحب أن يعطي الكثير ولا يأخذ شيئا" شمعة إحترقت فأضائت لمن حولها يهتدي بسيرته وشيمة ذلك الشيخ الجليل المتواضع فضيلة الشيخ فوزي السقا. لقد نشأ رحمه الله فقيرا" وعاش فقيرا ومات فقيرا" ولكنه كان كريما" لأقصى درجات الكرم معطاء بلا حدود كان مصلحا" إجتماعيا" قبل أن يكون مدرسا" أو ناظر أو رجل دين، كان أستاذا" في علم النفس يحل كثيرا" من مشاكل الشباب والمجتمع، بروح الشباب وقورا" يحمل في جنباتة قلب إنسان كبير يحس بالام الناس ويسهر قلقا" عليها حتى يجد لها حلا" ولا يألو جهدا" في عمل دائب يفكر في مشاكل هذا البلد ويعمد إلى الإبتسامة والنكتة وروح الأمل والتسامح.

     كان رحمه الله متسامحا" لأقصى درجات التسامح غيورا" على أبناء بلده وشعبه يحب الوفاق ويمنع الشقاق عرفته أستاذا" في الفقه والشريعة الإسلامية من خلال سماحتها فإذا ما إختلفت أسرة في بلدنا ودب بينهما شقاق ووصل الأمر إلى حدود الطلاق بين الأزواج في حالاتهم العصبية وقف بجانبهم وفسر كل وقع نزوة بعيدة عن العقل والمنطق والدين في وضع الإنسان الغاضب لا يؤخذ قسم الغاضبين الفاقدين لوعيهم بالطلاق فالأسرة يجب أن تعود إلى المعاشرة والمحبة وأبغض الحلال عند الله الطلاق ، فالدين يصفح عن كل المهاترات والعصبيات الغير واردة عن العقل والإرادة السليمة في حالات هدوء الإنسان وصفائة ورجعت كثير من الأمور في الأسر التي كان له فضلا" في التوسط بينها بإبتسامة محبة ونكت وأحاديث ترجع للغائبين عن عقولهم إدراكهم لما إقترفوا فالدين عنده تسامح ومحبة وحسن معشر...

     وحينما أنتدب رحمه الله للعمل مراقبا" عاما" لإمتحانات السجون كان رحمه الله الأستاذ الواعي لأوضاع المساجين وظروفهم ونفسياتهم فلم يدع الإمتحان ليكون رهبة أو عقبة تقلقهم وتضعف من عزيمتهم ووقف إلى جانبهم وقفة الأب الحنون يطمئنهم ويرفع من معنوياتهم فأحبوه حبا" عظيما" وكانت نسبة النجاح بينهم وبفضله عالية تخطوا بها كل العقبات وذهب معظمهم إلى الجامعات وهم يتغنون بفضل الإنسان المتواضع اللبق الجليل الذي أعطاهم كل ما يرغبون ويريدونمن ماله وحنانة ولا يقبل أن يكون ذلك من غيره فكان يعتقد أن هذا هو واجب وهذا هو الدين، ولذا كان لفضيلتة رحمه الله فضلا" كثيرا" على هؤلاء الشباب الذين يقفون من خلف القضبان.

     لقد كان فضيلة الشيخ فوزي غيورا" على بلده وشعبه وأهلة عمل في حقل المؤسسات الإجتماعية والوطنية كا الهلال الأحمر وبنك الدم والتعليم وغيرها وكان من خلال عمله يعطي المثل الطيب لرجال الدين دون تعصب او تشنج إتهمه كثيرا" من خصومة بإتجاهاتة اليسارية المتطرفة ولكنه في الحقيقة كان يعمل بإستقلالية يصلح فيها كل تنافر وشذوذ بعزيمة ومحبة .

     كان رحمه الله معطاء لأولائك الذين وقفوا وعملوامن أجل هذا البلد وكا فحو من أجلها تاركا" بيته مفتوحا" لإيواء من يحتاج المؤى مقدما الغذاء والمال ، ساهرا ليلا" ونهارا" على هؤلاء الذين وهبوا حياتهم من أجل بلدهم رغم كل أوضاعة المالية السيئة وكثرة أفراد عائلتة التي يقوم بإعالتها وقلة ما بيده – يستدين لعمل الخير ولا يقبل بهذا العمل الخلاق الوطني مقابلا" إلا إرضاء ربه وضميره وشهامتة وكرمه.

وطنية الشيخ فوزي السقا:

 

زار بلدان الشرق وإجتمع بأهل الغرب قاصدا" خير البلد ليأخذ العطف والتأييد لهذا الشعب في أوضاعة الحالية السيئة فهو يرى أننا أصدقاء لجميع العالم شرقا" كان أ وغربا" ولنا عقدتنا التي نتمسك بها ولنا ديننا الذي نهتدي به ولنا واقعنا ولكن لنا في الشرق من يقف إلى جانبنا ويدافع عن حقوقنا ومصالحنا فهل هذا محرم علينا أن نقبله ونحن أصحاب قضية وحق – لماذا نحرم أنفسنا ونعزلها من وقوف أصدقاء إلى جانبنا يدافعوا عن أوضاعنا البائسة ونحن عرب مسلمون والإسلام هو دين المحبة والقوة لا تهزه النزعات سواء كانت غربيةأم شرقية فلنأخذ ما يعزز ديننا وبلدنا وحريتنا وإستقلالنا كل هذه المعادلات الصعبة كان رحمه الله يعمل لحلها ببساطة الإنسان الواعي الواثق البعيد عن التشنج والإنغلاق يتقن ذلك إتقانا" بروح من الوعي والتسامح والحكم فلا شر ولا قطيعة بين أبناء البلد الواحد .

     نذكر ذلك بكل الإخلاص والحقيقة للإنسان الجليل المعطاء ذو القلب النابض بالمحبة لوطنة صاحب العقل والذكاء الشيخ فوزي السقا ، رحمه الله كان رمزا" بارا" لوطنه وشعبه وقضيته ، ولن ينسى التاريخ صفحات أولئك الذين أعطوا شموع إحترقت وأضاءات لدى الآخرون ولم يكن يبتغي إلا فضل الله عليه ورضوانة ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا" **(( يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية" مرضية فأدخلي في عبادي وادخلي جنتي ))**

 

المرجع: صحيفة أخبار غزة بقلم الأستاذ محمد حامد الجدي.

       مدير عام التربية والتعليم بقطاع غزة.

 

 

المصدر: مجلة أخبار غزة
  • Currently 17/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 2021 مشاهدة
نشرت فى 4 مايو 2011 بواسطة paltrain

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

محمد حامد الجدي

paltrain
الموقع الشخصي للأستاذ محمد حامد الجدي متخصص تربوي مدير عام للتربية والتعليم بقطاع غزة سابقاً »

عدد زيارات الموقع

22,454