ونحن في بدايات الألفية الثالثة، في زمن جديد، في زمن التطورات المتسارعة والمتلاحقة، وبشهادة من عايشوا وعاشوا الزمن الماضي أنه زمن مختلف في نواحي كثيرة، فالتغيير طرأ حتى على العلاقات الانسانية والاجتماعية في العائلة الواحدة فما بال تغييرها في المجتمع المحلي بل والكوني ... لا يسعنا المقال لذكر التغييرات الطارئة على مجالات الحياة المختلفة والمتنوعة.
إنّما الملاحظ مع كل التغييرات التي في بعضها جذرية، أن التنافس والصراع على القيادة مهما كانت في مناصب وهياكل إدارية صغيرة أو متوسطة أو عالية فإنّ الصراع على أشده كلما علا المنصب وزادت ميزاته ومزاياه.
لا يهدئ الصراع أوقات السلم ولا في وقت الأزمات أم الثورات أم الحروب فكلها ظروف مناسبة للصعود، حتى وإن كان ذاك الصعود على أشلاء الفقراء واليتامى والمشردين والعلماء ومشايخ الدين ... الأهم من كل ذاك هو الوصول للمبتغى.
وأكثر الصراعات على السلطة ليست بين السياسيين ذاتهم أم بين العسكرين بل بين السياسيين والعسكريين، وعودة إلى مراجعة تاريخ الدول وتاريخ الانتقال السلطوي فيها باختلاف أشكال الانتقال السلمي في ظاهره أم العنيف فكلها خضعت لمقاييس الصراع بين العسكري والسياسي دون هوادة ولا رحمة.
والجزائري يحتفل اليوم 20 أوت بذكرى مؤتمر الصومام الذي كان له الفضل في تنظيم ثورتنا الثورة الجزائرية المجيدة والخالدة، وإن كانت حسناته كثيرة وأفضاله على شعبنا وفيرة، إلاّ أن السيئات التي خرجت من شر الأنانية هي واحدة ليست عديدة لكن وقعها كبير امتد سنوات الثورة وما بعد الاستقلال ولا زال مستمرا ولا شك في استمراره باستمرار وجود الدولة الجزائرية، إنه الصراع بين العسكري والسياسي في مسألة الأولوية لمن ؟ لما أعطى مؤتمر الصومام عام 1956م أولوية إلى السياسي ضاق صدر العسكري وأحس بالإهانة لأنه صاحب المسؤولية الأكبر والشقاء الأكبر في غياهب الغابات والجبال في صيف الحر الشديد وفي ثلوج وبرد الشتاء، وفي غياب القوت في كثير من الأيام التي يزداد فيها الحصار، وتحت قصف طائرات النابالم الحارقة و رشاشات ومدافع العدو، وما ينتظره من عذاب في السجون الخاصة بالتعذيب إذا قبض عليه، وإن كانت ضيقة الصدر وحرقة القلب مفهومة لدى الجميع، إلاّ أن الحرقة استمرت إلى أن آن الأوان وانفجرت بعد تخطيط طويل، وتفجّر البركان في مؤتمر طرابلس المنعقد بتاريخ 25 مارس إلى 07 جوان 1962 بليبيا بعد الاعلان عن وقف اطلاق النار يوم 19 مارس 1962م، فاختير رجل السياسة ليكون أول رئيس لجزائر مستقلة، اختاره العسكر ودخلوا العاصمة فاتحين، واقتلعه العسكر بعد سنوات قليلة،...
وكلٌّ كان مخطط له بإحكام، فلم يكن تقديم رجل عسكر لرئاسة الجمهورية بحكم عدم اتصاله بالشعب خلال الثورة ويكاد اسمه يعرفه البعض من الطبقة الشعبية، لذلك الصبر كان ضروريا لكنه الاختيار كان له فاختار من يريد... ليزيحه عن الكرسي متى أراد في وقت أصبح يعرف الشعب أسماء عسكرية ثورية لها الفضل العظيم في التحرير، ومن يومها في جزائر العزة والكرامة لا يزال القائد العسكري هو صاحب الرأي الأول والأخير في اختيار الرئيس "أرجوز" رغم محاولات السياسي المستميتة في فرض نفسه ورأيه ورغم تأفف الشعب من تحكم العسكر، إلاّ أن وثائق مؤتمر الصومام ومؤتمرات وقرارات أخرى تبخرت في أولوية السياسي على العسكري وبقي حبر على ورق.
كم من ضحية راحت خلال سنوات الثورة وبعيد الاستقلال مباشرة نتيجة الصراع بين العسكري والسياسي(1956 إلى 1965)، ولما حان وقت بروز السياسي توقف المسار الديمقراطي، وأشعلت النيران بين العسكري والسياسي(جبهة الإنقاذ الإسلامية) وبدأت حلقة جديدة من حلقات الصراع اللامحدود، وكانت عشرية سوداء على حمراء اكتوى بنارها الشعبي البسيط قبل أن تكوي السياسي والعسكري.
وهاهي اليوم الشقيقة مصر تعيش ذاك النوع من الصراع وإن كانت قد عاشته فيما مضى في صراع نجيب وعبد الناصر، واليوم يتدخل العسكر في صراع مع الساسة ذاك كله هدفه واحد هو القيادة بامتطاء كرسي الرئاسة، والموت والشقاء لشعب يصفق لذاك ويشتم الآخر والغلبة لكلايهما محفوظة، والموت له مؤكد.

نشر في مجلة اصوات الشمال بتاريخ : الثلاثاء 13 شوال 1434هـ الموافق لـ : 2013-08-20

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 67 مشاهدة
نشرت فى 28 سبتمبر 2013 بواسطة nabilabenyoucef

نبيلة بن يوسف

nabilabenyoucef
ســــيـــــــــــــرة ذاتــــــــــــــيــــــة : التفاصيل الشخصية : الاسم : نــبــيــلـــة اللقب : بن يـــوســف العنوان : باب الوادى _ الجزائر العاصمة . الجنسية : جـــزائـــــريــــــــــــة المؤهلات العلمية : _ متحصلة على شهادة بكالوريا ، دورة جوان 1995 بالجزائر العاصمة _ متحصلة على شهادة الليسانس في العلوم السياسية،فرع التنظيم السياسي والإداري سنة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

17,574