نبيلة بن يوسف ــ الرأي العربي ــ الإسكندرية
“انطفأ وهج النجمة التي تشق ظلام السماء في مواجهة نافذة ريم منذ أكثر من ليلة. ومع البياض المكتسب من بحر السماء الممتد بلا نهاية، ومع بزوغ الفجر انطفأت باقي النجمات تباعاً، السماء الخريفية الصافية سمحت لذلك الوهج المؤنس المحبّب أن يستمر إلى وقت طويل، أنها ليست بضع نجمات يمكن عدها، ليست عشرات، بل آلاف النجمات التي تطل عليها شرفة ريم”.
تلك الكلمات البديعة التي أبدعت بها صاحبة رواية الوهج “أماني خليل”، الروائية المصرية الاسكندرانية الشابة في أول إصدار لها استطاعت أن تبهر القراء ومنهم المهتمين بالأدب وأدب الرواية على وجه خاص. ولا يختار في الصالون الثقافي الشهري لاتليه الإسكندرية إلاّ الأعمال التي تستحق تسليط الضوء عليها لتعريف الناس بها، واللّجنة التي اختارت الرواية على رأسها الدكتور “علاء الأسواني” الأديب المصري المعروف في ساحة الأدب العربية بل والعالمية من اشهرها شيكاغو و عمارة يعقوبيان.
أثارت الكاتبة فكرة المركزية التي قهرت الأدباء والعامة من الناس، وكأن من هو خارج المركز ” العاصمة ” يدور في فلك المحيط لا يسمع عن نشاطه ولا عن فرحه ولا عن حزنه وأنينه، ولعلّ ذلك لا يحدث في المجتمع المصري وحده فكل بلاد العرب تشكو المركزية الشديدة والإهمال لباقي الأقاليم بما فيها العقول الموهوبة وصاحبة الإبداع، لذلك خلال قرأتك للرواية حتى إن لم تكن مصرياً فسيصلك احساس عميق أن الرواية تحكي عن حال مجتمعك لما تحضر معاناة شخصياتها.
تعمقت رواية الوهـــج في تحليلها للمجتمع الاسكندراني والتي استطاعت أن تأخذ القارئ في رحلة زمنية إلى ماضي الإسكندرية وتاريخها المشرق إلى وقت الأرمن وحالة الانتقال لم تكن ثقيلة ومملة فقد تم الانتقال الزمني بسلاسة. وإحساس القارئ بعمق التأمل الذي امتازت به الكاتبة أماني خليل حتى تستطيع تقديم الشخصيات بشكل جميل وكأنها تصف شخصيات ليست غريبة عنها في الزمن والمكان، إذ قال الأديب الدكتور علاء الاسواني في ذلك : ” رغم صغر سن الكاتبة أماني إلاّ أنها استطاعت أن تصف حالات الحزن العميق في شخصيات الرواية حتى تلك الشخصيات الطاعنة في السن، إنها قدرة الكاتبة في تقمص الشخصية والغوص في أعماقها بكل صدق، إنها قدرة استبطان الشخصيات “.
ولعلّ حسن تقمص الشخصيات هو الذي يجعل القارئ يتمتع وقد يعيش شخصية معينة اذا ما أُعجب بها أم أحسها قريبة من شخصيته وكل ذلك لن يتأتى إلاّ بقدرة الكاتب على الإبداع ، وحسن استعمال المحسّن البديعي والمجاز في محله، إلى جانب المزج بين الخيال والحقيقة وكلاهما في الوقت والمساحة اللازمة، وحسن استعمال الايقاع الروائي وتوفر عناصر التشويق في الرواية مع ضرورة اشباع خيال القارئ في نهاية الرواية.
إنّ إبداع المرأة الأديبة في القصة أم الرواية أم على خشبة المسرح يكون التعبير الأقرب لشخصيات نسائية المتقمصة شخصيتهن، وهذا التقمص لن يكون صادقا وعميقا إلاّ إذا كان من إمرأة مبدعة تحس بشخصية المرأة وتفهم نفسيتها.
وأدب المرأة في عالمنا الاسلامي والعربي شديد الحاجة إلى كتابات كثيرة وعميقة حتى يعبر عن حال المرأة اليوم وحال أمها وجدتها في وقت مضى، في عمل أدبي يزاوج بين الزمان والمكان، في امتداد زمني طويل نسبيا حتى يكشف عن أحاسيس وحالة المجتمعات في فترات مختلفة من الزمن في نفس المكان، ومتعة التنقل في الزمن وتبيان مواطن التغيير في العادات والتقاليد، ودخول قيم جديدة على المجتمع وكيفية تأثيرها على المرأة وكيف تم كسر الحواجز المجتمعية، وكيفية تقبل الوالدة والجدة للبنت…مساهمة بدورها في نقل فكرة التغيير الاجتماعي في حلّة أدبية متميزة بعيدة عن الملل، كلّها تشويق ومتعة.
نرجو لكم متعة أدبية مع رواية “الوهج ” للكاتبة أماني خليل من 111 صفحة صدرت عن دار روافد للنشر والتوزيع في طبعتها الأولى.


