<!--
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman","serif";} </style> <![endif]-->
القيادة : تحليل نفسى اجتماعى
كانت ضمن المواضيع التى شغلت المؤتمر الدولى لعلم النفس السياسى الذى انعقد فى اكسفورد بانجلترا فى اواخر شهر يوليو موضوع القيادة.
واذا كان الذى سوف نعرض مستوحى من بعض ما دار من مناقشات حول هذا الموضوع فانه فى واقع الامر يمثل محاولة لوضع مفهوم متجانس للابعاد النفسية والاجتماعية للقيادة كتعبير عن راى الكاتب
اكثر منها عرض الاراء التى طرحت .
مثلما تخضع المادة لقوانين الثبات و التغيير يمكننا ان نتصور المجتمعات الانسانية فى حركتها ما بين
الثبات و التغيير تخضع لذات القوانين .
واذا كان سرد التاريخ حتى قريب ياخذ شكل سرد اقرب الى السير الذاتية لقيادات يفترض انها اثرت فى مجرى التاريخ فانما يرجع هذا المنظور اصلا الى ميل الانسان للتفكير متاثراً بمنطق الطرف العاجز ازاء قوى اعظم منه .
احياناً تكون هذه القوى غيبية واحياناً مادية . وفى حالة هذا الشكل لسد التاريخ فانها قوى نفسية بمعنى
تحميل القائد مسئولية ما حدث للمجتمع . لعلها بقايا التكوين النفسى الطفلى الذى نتصوره بذاكرتنا على
انه يمثل الاحساس بالعجز فى مواجهة قوى خارجية قاهرة تمثيلها البشرى فى سلطة الاب .
الاب او القائد اذا هو الذى نحمله مسئولية مانحن فيه نلومه لقصورنا و نطلب منه المساندة والمعونة وما يترتب على هذا الموقف من تناقض وجدانى ياخذ شكل الخليط من الحب والكره .
الا انه مع النضج يتمكن الانسان من ان يتحمل مسئولية وجوده بما فى ذلك وجوده الطفلى فهو يكف عن
اللوم او التمنى ويتحول الى كائن راشد يتعامل مع الواقع بموضعية بالقدر الازم من الانفصال الذى يلزم لتغيير الواقع – لا غضب الطفل او تعلقه الشديد . ولا تناقض وجدانى او صراع داخلى . وينعكس هذا النضج فى النضج الموازى للفكر الانسانى بما فى ذلك علم النفس .
من جانب نرى فى تيارات علم النفس الوجودى ذلك الميل لتاكيد حرية الانسان ومسئوليته التامة .
ومن جانب اخر نرى فى علم النفس الاجتماعى و الديناميات النفسية للجماعة ميلا اخر للتعامل مع المجموعة ككيان مسئول وله ارادة تفرز قيادتها وتهيىًً لهم الادوار اللازمة للتعامل مع المواقف .
فلا مكان اذاً لان نرجع حركة التاريخ والصراعات الاجتماعية و السياسية الى ارادة قائد مصورين الجماعة و كانها ضحية لذلك القائد الذى اخطا او اصاب فى هذه او تلك الخطوة والتى لو لم يفعلها لتغير وجه التاريخ .
الجماعة ايضاً كيان حر و مسئول و القائد معبر وممثل لهذه الجماعة حتى لو اختارت الجماعة او جزء منها ان تصوره على انه قائد غير ممثل للمجموع ومفروض عليه او انه قائد خائن او عميل .
فالجماعة تتشكل من تفاعل مكوناتها وجزئياتها بما فيه الافراد . ولكن الحصيلة النهائية لمثل هذه التفاعلات هى ما يوجد فعلا فى قيادة الجماعة . وقد يبدا التغيير بان يرفض الافراد او بعض مكونات الجماعة ما هو سائد و بالتالى ذلك التمثيل لها المجسد فى القائد فتغترب عن الجماعة وتدخل فى صراع
معها او مع القائد . وتستمر هذه النزعة الطبيعية للتغيير فى مواجهة الغلبة السائدة لبقية المجموعة ولكنها تصمد و تنمو ببطً الى ان تصل الى حجم الكتلة الحرجة مثلما نرى فى ظواهر الطبيعة وعند هذه النقطة نجد ان التغيير التالى يتم بسرعة وياخذ شكل التغير الكيفى لا مجرد الكمى ويصبح ما كان معارضة محدودة هو التمثيل الجديد للغالبية ويخاع القائد ويحل محله قائد جديد الذى يمثل هذه الكتلة الحرجة من الجماعة الساعية للتغيير .
القائد فى هذه الحالة ليس هو الذى قام بانقلاب و فرض نظاماً جديداً ولكنه تعبيير عن تغير حدث ووصل حجمه الى تلك الكتلة الحرجة فافرزته قائداً معبراً عن ذلك الجديد المطلوب .
الا ان الجديد ذاته لا ياتى من فراغ ولكنه يمثل النمو الطبيعى للجماعة فى انتقالها من حالة نضج الى حالة نضج ارقى منها او ربما حالة نضج اوفى اذا ما كنا نصف ظاهرة النكوص والتقهقر .
فالنمو ذاته لا يتم فى خط مستقيم ولكن لعله معوج او لولبى او متذبذب او متقطع ز ويفيدنا مثل هذا الشكل لان نصف مرحلة بانها تقدم واخرى بانها نكوص او واحدة بانها ثورة واخرى بانها ثورة مضادة او ردة الامر الذى يبرر لنا الخروج من الساحة باعتبار اننا لا نرغب فى المشاركة فى الارتداد او النكوص . ولكننا فى النهاية مسئولون ولو كان ذلك بالانسحاب وترك الخط المرتد .
والقائد الموجود فى النهاية هو المعبر عن المرحلة التى تمر بها الجماعة والتى نشارك فيها .
والردة او النكوص ما هى الا مراحل طبيعية فى خط النمو او لعلها تغبيير عن ازمات و مخاض لولادة نمر بها فى الانتقال من مرحلة الى مرحلة .
لذلك فلا مفر من ان يكون لنا مرجع نقيس على اساسه موقفنا على اتجاه النمو . اننا جميعاً ندين بقيم اى لنا دين و طريق . الفرق هو ان بعضنا يختار ان يكون واعياً بما يدين به واضعاً اياه ضمن نسق متكامل
و موحد و البعض الاخر يختار الا يعى قيمه او يتارجح فى ايمانه منتقلاً بين ديانة واخرى دون توحيد حقيقى ينعكس فى روية متسقة ومتكاملة بل روية جزئية او متجزئة .
فما هى القيمة التى نطرحها لنقيس الاتجاه الايجابى للنمو او التطور او النضج ؟
ما دمنا نحن بصدد الوصف من منطلق تحليلى نفسى واجتماعى فلا حرج من ان نرجع الى بعض المشاهدات فى تلك المساحة المشتركة بين الفرد و الجماعة او هى حيث يعى الانسان ذاته بمفهوم يزداد اتساعاً بدءاً من حدود جسده الى حدود تشمل توحده مع جسد او اجساد اخرى ( الاسرة ) ثم الى انفس غير نفسه حينما يتوحد مع مجتمعه ( الاحساس بالهوية الاجتماعية مثل القومية او الوطنية او الاهمية الدينية او العلمانية الخ ....) واذا استمرت دائرة الانتماء الى مالا نهاية نجد ان الانسان فى هذه الاحوال يتوحد مع كل ما عداه اى مع المطلق او الخالق .
فى حالة الوعى هذه التى وصفها المتصوفون والفلاسفة قبل علماء النفس والتى يشار اليه بحالة الوعى الموضوعى او الكونى او حالة التجاوز للذات وهى تساوى حالات الفناء فى الصوفية او حالات النيرفانا و السماوى فى الديانات الشرقية هنا تختفى ( او تكاد ) الحدود بين الذات والموضوع وبين المحدود واللانهائى وبين الزمن والازلية .
وهى حالة قريبة من الموت ولكنها فى ذات الوقت تمثل لمن اقترب قيمة الوعى بالحياة والازلية .
فهل نستطيع ان نضع مقاييس مشابهه او مشتقة من ذلك لقياس درجة نضج المجتمع ؟ وهل نستطيع بواسطة تحليلنا لشخص القائد فى ضوء هذه المقاييس ان نفترض انه يمثل ذلك المجتمع او على الاقل يمثل ذلك المجتمع او على الاقل يمثل نقطة مابعد الكتلة الحرجة فيه ؟
اذا بدانا بالمدخل الاول فيمكنا ان نقول ان المجتمع ايضاً يبدا بالوعى يذاته فى اطار مرجعى مادى (موازى للجسد ) مثل الحدود الجغرافية وما تحويه هذه الحدود من مواد تغطى حاجاته الاساسية من غذاء وملبس ومسكن . فاذا ماتجاوز هذا الوعى بالاسس المادية لوجوده فان المجتمع ينتقل الى اشباع حاجيات ارقى او اكثر اتساعاً من المادة .
ويتم ذلك اما بالسيطرة على المزيد من الاراضى ( اى الاحتلال ) او بالسيطرة على المجتمع الذى يسيطر على الاراضى ( الاستعمار والهيمنة الاقتصادية و السياسية ) . ثم يرتقى بعد السيطرة الى النفوذ مثلاً بالدعوة الى توحيد الصفوف من اجل الحماية ضد اطماع الغير اومن اجل التحرر من سيطرة الغير (ثورات التحرير ) . وكلما كان المكسب اجل وبعيد عن العائد المادى الملموس كلما كانت مثابرة المجتمع فى السعى من اجل تحقيق اهدافه . ومثلما نرى ان قيمة الوعى فى الفرد هى ما وصل اليه المتصوفون فاننا بالمثل على مستوى المجتمع نجد ان الموازى لذلك هو المجتمع الذى يتجاوز ذاته ويدعو الى تحرير البشر جميعاً من السيطرة المادية . اى المجتمع الداعى الى والناشر لدين جديد او على الاقل بعث حقيقى لدين سبق نزوله . القيم الدينية هى التى تعبر عن اسمى ما يصبو اليه الانسان فى رحله تجاوزه لذاته . فهى قيم تمثل الطلب الاجل لا العاجل للانسان والتعبير عن التفانى فى الذات العليا بدلاً من السعى وراء اشباع الحاجات المادية المحدودة .
هذا لا يعنى ان الدين لا يتحول بعد نزوله الاول الى مجرد واجهه جديدة لاخفاء الحاجات المادية .
اما المدخل الثانى فهو عن طريق محاولة لفهم وتحليل شخصية القائد باعتباره معبراً عن المجتمع الذى افرزه . فهناك القائد الذى يهدف الى السيطرة على المادة و بالطرق المادية . وهناك القائد الذى يدعو الى مبدا يتجاوز فيه المنفعة المادية المباشرة له او للمجتمع الذى ينتمى اليه فينجح بذلك فى كسب ولاء اخر ليس فقط داخل مجتمعه او المجتمعات الاخرى ولكن ربما فى داخل صفوف المجتمع المعادى ذاته .
بل احياناً يكون الوضع معكوساً بان يكون القائد ناجحاً فى كسب ولاء من هم خارج مجتمعه او مخلصاً فى حرصه على مصالح الاجيال القادمة فينبذ فى مجتمعه بل ربما يلفظ او يقتل . فى هذه الاحوال قد يعود له الولاء بعد موته كما يحدث فى حالات الشهداء والقديسين واغلب من الانبياء . بينما يبقى الولاء الحالى للحاكم الذى سرعان ما يفقده فور خلعه او موته . فالشهيد او القديس او النبى كثيراً ما يجس قيادة لتيار لم يحن يومه بعد ولكنه ات . بينما الحاكم الدنيوى كثياً ما يمثل قيادة موقتة وزائلة والحاكم المخلوع بالطبع يمثل قيادة فات اوانها .
القائد المعبر عن مجتمعه الناضج هو اذاً من يستطيع ان يجمع بين كونه داعية لمستقبل ومتحكم فى حاضر . اى بين كونه داعية لمبدا وكونه حاكماً هذا النمط الامثل للقيادة قلما وجد فى التاريخ .
ربما المثل الوحيد الذى يقترب من ذلك الكمال هو الرسول محمد (صلى الله عليه و سلم ) . فقد كان نمطاً فريداً فى القيادة يعبر عن كل الامور الاجله اى المبادى الروحية والامور العاجلة اى شئون الدنيا و الحكم .
وعلى هذا المحك نستطيع ان نقيم قيادات ومجتمعات بقدر ما تبتعد او تقترب من هذا النمط . ففى العصر الحديث مثلاً يمكن ان نجد محاولات للدعوة الى مبدا مع التمكن التام من السيطرة على الواقع المادى فى قيادات مثل ماوتسى تونج او لينين .
نستطيع ان نوجز بالقول ان المجتمع ينضج كلما استطاع ان يفرز قيادات معبرة عن نضجه وكلما كان فى ذلك تعبيراً عن قدرته على تجاوز الاحتياجات المادية والدنيوية العاجلة والسعى الى القيم والمبادى السامية الروحية الاجلة . دون ان يفرط فى تغليب جانب على اخر .

