محمد شو

العالم بين يديك

صابر بليدي:

لم تشهد الطبقة السياسية في الجزائر رداءة كالتي تشهدها الآن، ولو تعلق الأمر بتشكيلات حديثة النشأة أو أخرى تفتقد للخبرة الكافية لابتلع الأمر، ولو على مضض، لكن أن تنتقل عدوى الرداءة والميوعة إلى أعرق حزب في الجزائر بعد أحزاب الحركة الوطنية إبان حقبة الاستعمار، فإن الأمر يستدعي وقفة جدية للتدقيق والتمحيص في الانهيار الرهيب الذي آلت إليه أمور البلاد والعباد.

فالأحزاب التي تعد الخزان الأول لإنتاج الأفكار والمشاريع وإيجاد الحلول للأزمات، صارت في الجزائر جزءا من الأزمة، ورجالها هم أعوان وموظفون، وليسوا مناضلين وإطارات يحضرون لقيادة المجتمع.

منذ سنوات لم أعد أسمع في الجزائر عن أزمة حزبية داخلية بسبب صراع على فكرة أو مشروع، والسائد لحد الآن هي حروب "الديكة" على المناصب والمكاسب والمصالح الضيقة، وما الأحزاب إلا مجرد شعارات وأوعية لاحتواء مجموع السماسرة والوصوليين، الذين يلجأون للرداء السياسي عندما توصد في وجوههم الأبواب العادية الأخرى من أجل تحقيق مصالحهم ومزاياهم.

وما يحز في النفس أكثر أن العدوى طالت حتى جبهة التحرير الوطني ذاتها، حيث صار غسيلها ينشر على شماعات وسائل الإعلام ومختلف فضائيات العالم، وما حدث هذه الأيام في اجتماع اللجنة المركزية للحزب نموذج حي عن ممارسات رديئة هيمنت على الشارع السياسي، حيث تحولت مقراتها إلى حلبة للعراك، والسباب والشتائم، والأدهى من كل ذلك أن الجميع يلجأ لـ"البلطجية" من أجل حسم خلافاته! بدل اللجوء للطرق الحضارية.

والذي يندى له الجبين حقيقة أن "الجبهة" التي يفترض فيها أن تكون مدرسة لتدريس الآخرين وتخريج نخبة سياسية راقية في الجزائر وحتى في الخارج، بالنظر إلى رصيدها واسمها وقوتها، تهاوت إلى الحضيض وصارت قيادتها تحتكم للعضلات والقنابل المسيلة للدموع، لخلاف على هذا الشخص أو ذاك!..

وإن كان ذلك ليس بالغريب لدى البعض، كون "الجبهة" لم تكن حزبا في يوم من الأيام منذ تحولها من جبهة إلى حزب يحكم البلاد بداية من 1962، لأنها تحولت تحت صراع المصالح والمكاسب والحسابات الضيقة إلى ظهر يركب وضرع يحلب، ومفرخة لإنتاج الكائنات السياسية المشوهة والمعتوهة، إلا أنه ورغم ذلك فإن الذي حدث كثير وكبير على الجبهة، التي ضيعت فرصة الراحل عبد الحميد مهري، الذي كاد يحولها في ظرف وجيز إلى حزب حقيقي بمرجعيته وبرنامجه، لكن "العيال" اختطفوها مجددا وحولوها إلى ذراع للسلطة يكلف بمهمة ثم يرمى كما ترمى "الطالق".

أزمة جبهة التحرير الوطني، عميقة ومعقدة، تحمل في أحشائها أزمة دولة بكاملها، وتعكس مدى الانحطاط الشامل الذي تعيشه الجزائر في كل المجالات، لكن لا نعتقد أن رحم الجزائريات ورحم "الجبهة" لن يحمل مرة أخرى بأجنة صناع الجبهة وثورة التحرير، فمهما كانت شدة السقوط فإن الجبهة لن تبقى "لعبة" يتقاذفها أنصار هذا وخصوم ذاك، وستبقى كبيرة عليكم.. يا صغار!!. <!--EndFragment-->

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 42 مشاهدة
نشرت فى 18 يونيو 2012 بواسطة mhmadshoo

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

299,611