| برتولت بريشت ونظرية المسرح الدياليكتيكي |
| لم يكن الشاعر والكاتب المسرحي والمخرج والمنظر الألماني برتولت بريشتBertolt Brecht (1898-1956) ليقنع بالتقاليد الدرامية والمسرحية المعروفة حتى بدايات اشتغاله بالفن المسرحي . ولم تكن تجديدات المحدثين من دراميين ومسرحيين لتشبع قناعاته الخاصة وآماله المستقبلية من حيث أطروحاتهم الفكرية وصيغهم الجمالية.
كان الفكر الماركسي قد تغلغل في بنية تفكيره ، وبدا جليا واضحا في نظرته إلى كل شيء داخل ألمانيا وخارجها . لقد كان بريشت يرى ضرورة التغيير الجذري لصيغة اجتماعية محددة ، بدت كل أعرافها وكأنها قانون طبيعي لا مناص من تغييره ، أفراد قلائل يتحكمون ويستغلون شعوبا بأكملها ، نظر بريشت إلى الفن المسرحي ، فوجده صيغة تعكس حتمية بنية المجتمع بكل تقاليده المصنوعة ، لقد وضع أفراد قلائل هذه الصيغة المجتمعية الرأسمالية ، فانعكست في الفن بوجه عام والمسرح بوجه خاص لتشير إلى حتمية وجود نظام حضاري بعينه لا سبيل إلى تغييره. ورأى بريشت أن محاولات المجددين لم تتعد تجديدات في أساليب الخطاب الفني الاستهلاكي الرخيص ، وبالرغم من أن بريشت قنع بأن وظيفة الفن المسرحي هي التعليم عن طريق وسائل تقنية ممتعة ، إلا أن هذه الوظيفة مثلت لديه وظيفة أولية ، لتحقيق غاية أسمى وهي التغيير ، تغيير كيانات المجتمع تغييرا جذريا عن طريق جملة فكرية ثورية ، ولكي تصل هذه الجملة الفكرية ، كان يجب - من وجهة نظره - أن يكون الخطاب الفني موجها إلى العقل في المقام الأول، حتى يستطيع المتلقي أن يدرك أن صيغة مجتمعه موضوعة، ويمكن تغييرها امتثالا لقانون نطور الوعي الإنساني. وكما يقول (دوجلاس كيلنر) Douglas Kellner في مقاله الهام " الجماليات الواقعية الاشتراكية عند بريشت " أن بريشت كان يعتقد أن المرء يستطيع على أفضل نحو أن يبني موقفا نقديا حيال مجتمعه، إذا ما تم النظر إلى الترتيبات والمؤسسات الاجتماعية الراهنة باعتبارها ترتيبات ومؤسسات تاريخية انتقالية وعرضة للتغيير. وكان قصده أن يعرض المسرح العواطف والأفكار والسلوك بوصفها نتاجات لمواقف اجتماعية محددة واستجابات لها. وليس بوصفها افصاحات عن الجوهر الإنساني . قصد بالأداة المسرحية الأولية للمسرح، أي التأثير التغريبيVerfremd ungseffektأن يغرب أو يبعد المشاهد ، وبهذا يحول دون التقمص العاطفي والتوحد مع الموقف والشخصيات ، ويسمح بتبني موقف نقدي حيال أحداث المسرحية ، وأن يكشف تقلبات التطورات المجتمعية – السلوك الإنساني، وبهذا يوضح للجمهور الكيفية والسبب في تصرف الناس بطريقة معينة في مجتمعهم". نحو مسرح دياليكتيكي : لا شك أن وضوح الغاية ييسر الطريق إليها، فغاية المسرح –عند بريشت –هي إثارة معي المتفرج بآليات مجتمعه التي تحركه. ولما كان التغريب هو مجمل توصيف الرسالة الجمالية للمسرح . توصل بريشت-عبر تجارب درامية ومسرحية متعددة-إلى صيغة مسرحية متكاملة تحقق أهدافه الثورية في المجتمع ، وهي الصيغة التي كان يجب أن يطلق عليها اسم المسرح الدياليكتيكي أو الجدلي . ويعني هذا المسرح بوضع المتفرج في حالة تسمح له بأن ينظر إلى آليات مجتمعه فيما بعد . على اعتبار أنها عوارض وليست قوانين طبيعية . وكان طبيعيا أن تقوم كل وسيلة من وسائل التغيير المسرحي في مسرح بريشت الدياليكتيكي؟ وسائل وتقنيات تجريبية : استطاع بريشت أن يفيد من التراث المسرحي الإنساني –الشرقي والغربي ، وأن يفيد من بعض الأفكار الاشتراكية وبخاصة الصينية، في أن يقدم فلسفة متكاملة –فكرية وجمالية –لمسرح له هدف حقيقي ثوري مؤثر، وتتلخص هذه الوسائل التقنية –طبيعة ووظيفة-في النقاط التالية: 1-طبيعة الموضوع/مشهد من الشارع : وهي الأساس في التعبيرين ، الدرامي والمسرحي، فلنفرض أن أحدا رأى حادثا ما في الشارع ، وهو الآن يعيد تجسيدها أمامنا. إن هذا الحادث يمثل واقعة تاريخية ، ومن يقصها ، يقوم بعدة أمور: (أ) يقص ويجسد وقائع حقيقية. (ب) محملة بوجهة نظر الراوي. (ج)تحتوي الحكاية على جمل تفسيرية . وهذا ما يؤدي إلى تلقي هذا الحادث تلقيا عقليا إيجابيا. 2-خشبة المسرح/ الديكور/ الإضاءة: لا تحتوي خشبة المسرح على أي عنصر يثير إيهام المتفرج ؛ فأجهزة الإضاءة واضحة جلية ، وتستخدم الإنارة الكاشفة لا الإضاءة الواهمة ، لا يوجد ديكور مجسد ، وإنما يتم وصفه عن طريق لافتات أو عن طريق إلقاء الإرشادات المسرحية الخاصة به. 3-الأداء التمثيلي: يعرض الممثل الشخصية محملة بنقده الشخصي لها، ومنهج الأداء يعتمد على بعض اللحظات الاندماجية خلال مواقف تبدو مشابهة تماما لمواقف تاريخية ، ثم عرض منهج تمثيلي لا إيهامي ، يصدم المتفرج ، وينبهه بأننا بصدد لعبة مسرحية ، ولسنا بصدد واقع حقيقي . ويتم تبديل تيمات الملابس أمام المتفرج على خشبة المسرح .كما يتم التمثيل وجميع الممثلين متواجدين على خشبة المسرح ، سواء أكانوا يقومون بأداء أدوارهم أم يقوم البعض فقط بالتمثيل ويبقى باقي الممثلين يشاهدون اللعبة أمام المتفرجين. 4-الموسيقى والمؤثرات : تقف الموسيقى والمؤثرات موقفا تعبيريا مناقضا للجو النفسي الذي تشيعه الصورة المسرحية ، وذلك بغرض تفشي الأثر التغريبي ، كأن نرى مشهدا غراميا ناعما ونسمع في نفس الوقت مؤثرات لانفجارات طائرات ودبابات ، أو نسمع موسيقى عسكرية ، ويصبح هذا التناقض البثي بمثابة منبهات تلقائية للادراك العقلي عند المتفرج . هذا إلى جانب أنه لا يوجد فصل بين خشبة المسرح والصالة ، فلا وجود لإطار البروسينيوم ، والإنارة عامة بين الخشبة والصالة. ويمكن القول بأن برتولت بريشت قد أضاف إلى تراث المسرح العالمي فلسفة مسرحية –فكرية وجمالية –متكاملة ، تنطلق أساسا من معنى المسرح ووظيفته في المجتمع .لقد كان بريشت تجريبيا كمؤلف ومخرج مسرحي متميز، أراد أن يكون من المسرح برلمانا تتم فيه مناقشة قضايا المجتمع بصراحة ، لغرض تطويره الحضاري . ورفض أن يكون المسرح مجرد مخدر جمالي ، يزيد الناس نعاسا وجهلا. أهم المراجع: (1) مقال-دوجلاسكلنر:الجماليات الواقعية الاشتراكية –علاقة كورش ببريشت، في برتولد بريشت النظرية السياسية والممارسة الأدبية ، تحرير بيتي نانسه فيبر، هيوبرت هاينن، ترجمة كامل يوسف حسين، بغداد دار الشؤون الثقافية العامة، 1986. (2)-Manfred Brauneck: Theater Im 20 Jahrhundert. (Hamburg: Ro.Ro. Ro.,1989)S.275-293. مجلة المسرح العدد 106 سبتمبر 1997 |
المصدر: موقعي مسرحي : http://drasatmasrahy.ucoz.com/blog/2009-12-22-1
نشرت فى 27 نوفمبر 2010
بواسطة masrahy
د.عصام الدين أبوالعلا
أقسام الموقع
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
12,452


ساحة النقاش